القائمة الرئيسية

الصفحات




 

الفصل الواحد والاربعون

اللقيطة


خلدت سمر الي النوم بعد ان ارخت فتيل القنبلة، لينفجر الخوف داخل قلب ماسة، هذه ليست بنصيحة ابدا، بل هي تهديد ووعيد، بأيام سوداء قادمة، في تلك الليلة ماسة لم تستطع النوم أبدا، ظلت صاحية تتقلب في فراشها، بالتأكيد خالتها لن تجبرها على الزواج دون ارادتها، ووالدها ايضا لن يسمح بذلك، هذا ما املته ماسة من كل قلبها، ثم انها لا يمكنها ابدا الزواج دون علم قاسم، وراحت تفكر بقاسم، ترى هل سافر الي تركيا، هل عاد الي خطيبته، وببكاء صامت فكرت، هل تزوج منها دون حتى ان يخطرها ولو ببرقية صغيرة، الهذا الحد كره وجودها بحياته، وتاق للتخلص منها، شعرت بغصة قوية داخلها، أجل بالتأكيد فعل ذلك، لا تدري لما ما زالت متعلقة به الي الان، فقد مضى اسبوعا كاملا دون ان يحاول محادثتها او يأتي لزيارتها، ربما هو فعلا بتركيا الآن ويستمتع بشهر العسل بينما هي جالسة هنا تفكر به بغباء وتبكي على الاطلال، وفكرت كيف ستعرف ان كان قد سافر فعلا او ما زال باقيا هنا، لطيف لا يوجد امامها سوى لطيف، وتذكرت بأنه اعطاها رقم هاتفه آخر مرة كي تتواصل معه ان احتاجت لشيء ما، أجل في الغد سوف تكلمه، وتساله عن قاسم، ان كان فعلا سافر فحينها ستقطع الامل منه نهائيا، فلا داعي لان تعذب نفسها أكثر من ذلك، فالحب من طرف واحد لهو اسوأ انواع الحب، عليها ان تتخلص من مشاعرها الغبية نحوه وتبدأ صفحة جديدة، لربما ان تأكدت من عودته لخطيبته وزواجه، ربما هي ايضا ستعيد النظر في عرض صالح ربما توافق هي ايضا على الزواج منه وتحسم الامر، على الاقل صالح تعرفه وهو يحبها ايضا، سيكون صالح الخيار الأفضل من الكهل العجوز الذي سترغمها خالتها على الزواج منه، وأيضا عليها ان لا تعلق امالا كبيرة على والدها، فمن الواضح جدا انه لم يتغير ابدا، وما زالت خالتها لها الكلمة الاولى والأخيرة في هذا البيت، ووالدها ليس الا بيدق في لعبة شطرنج، لا أهمية لآرائه او قراراته.

كان منهمكا بالعمل ولم يستطع التفرغ ولو لدقيقة واحدة، فبعد مشاهدته لماسة في احضان ذلك الوغد صالح، اتاه اتصالا طارئا، ليخبره ان هناك بعض العقبات التي واجهت المشروع الجديد، وقد سارع قاسم لحل المشكلة متناسيا ما رآه على الشاشة اللعينة، متوعدا ماسة بأقسى انواع العقاب حين عودته، تنهد نظر الي الساعة كان الوقت مساءاً، بالتأكيد ماسة رقدت الي النوم الآن، كان يتوق ليراها ولكن سفره العاجل الي تركيا لم يترك له مجالا للتفكير او فعل اي شيئا اخر، حتى انه اضطر الي السفر بطائرة خاصة للضرورة القصوى، بالطبع لن يتمكن من مراقبة ماسة من هذا البعد، ولكنه قرر انهاء اعماله بسرعة شديدة والعودة الي ماسة بأقرب وقت فهو قد قرر ان يستعيدها حتى لو كان رغما عنها، حتى لو اضطر لخداعها سوف يعيدها بين براثنه ولن يتركها ابدا، كلما لاحت في وجهه صورتها وهي بين احضان صالح كلما فقد صوابه اكثر، هو واثق من انها تحبه كما يحبها تماما، ولكنها تكابر، تلك الغبية، بل كلاهما اغبياء، يتركون كرامتهم وكبريائهم الاحمق يتحكمون بهم، ويحرمونهم من اسعد ايام حياتهم، صاح قاسم غاضبا وهو يضرب فوق الطاولة بعنف:

- فليذهب الكبرياء الى الجحيم، لن انتظر لحظة واحدة بعد اليوم، ماسة ستكونين ملكي شئتي ام أبيتي.

عند شروق الشمس في الصباح الباكر نهضت ماسة بحماس، قامت بإنجاز اعمالها المنزلية المعتادة، وتسللت خلسة الي غرفة صالح، فقد انتظرته طوال امس ولكنه لم يظهر ابدا، تنهدت براحة حينما لم تجده في سريره، هذا يعني انه لم يعد بالأمس، حسنا لا بأس بالتأكيد سيعود اليوم، ستضع حدا لهذه المهزلة بكل تأكيد.

- ماذا تفعلين!؟

قفزت ماسة في مكانها حينما رأت خالتها واقفة خلفها وعيناها تطلقان شرارا من شدة الغضب، قالت بتوتر متلعثمة:

- صالح ليس في غرفته، لقد انتظرته بالأمس ولكنه لم يأتي.

ضحكت خالتها ساخرة:

- لا تتظاهري بالبراءة، فأنا اعلم بأنك حاولت اغواءه اولاً، فصالح رأى اكثر منك جمالا وادبا واخلاقا، لا ادري كيف سحرته، اخبريني هل قمت بعمل سحر له؟!

هزت ماسة رأسها نفيا بسرعة:

- مستحيل ان افعل ذلك! انا لا اعرف لهذه الاشياء ولااهتم بها ابدا.

- سنرى ذلك! حينما يعود صالح سوف نرى ماذا ستفعلين؟!

وتركتها واختفت من امامها تماما كما ظهرت، تنفست ماسة الصعداء، وعادت لغرفتها حتى تأخذ قسطا من الراحة، وجدت سمر قد استيقظت وارتدت ملابسها واستعدت للخروج سألتها ماسة بلطف:

- هل أصنع لكي طعاما قبل ان تخرجي؟!

ابتسمت سمر ساخرة وهي تحكم رباط جزمتها:

- شكرا لكِ، حتى امي بذات نفسها لم تعرض علي هذا العرض السخي.

وقبل ان تختفي خارج الغرفة، نظرت الي ماسة بتعاطف:

- هل فكرتي بحديثي معكِ بالأمس؟!

هزت ماسة رأسها بالإيجاب، وهزت سمر رأسها متفهمة:

- حسنا اتمنى لك التوفيق في قرارك.

وقبل ان تختفي هتفت ماسة بسرعة:

- هلا أعرتني هاتفك قليلاً؟!

نظرت اليها سمر بعبوس ومن ثم زفرت بنفاذ صبر وهي تخرج الهاتف من حقيبتها وناولته لها مستعجلة اياها:

- انجزي، فأنا على عجلة!

سارعت ماسة لضرب الرقم بسرعة وانتظرت بنفاذ صبر ان تسمع صوت لطيف، ولكنه تأخر كثيرا، واخذت سمر تزفر بضجر، وقبل ان تستسلم ماسة، وتعيد الهاتف اجاب لطيف:

- أجل من المتكلم؟!

قالت ماسة بسرعة:

- هذا انا يا عمي، أنا ماسة.

بسرعة تدارك لطيف الامر وهتف معتذرا:

- سامحيني يا ابنتي تأخرت عليكي، فقد كنت نائما.

اجابته ماسة برقة وهي متوترة من نظرات سمر النافذة الصبر:

- لا بأس يا عمي، أسفة لإزعاجك، فقط أردت ان أسالك عن قاسم.

اتاها صوته بعيدا متقطعا وهو يخبرها بتأكيد:

- قاسم بخير ولله الحمد، فهو الآن بتركيا، لديه الكثير من الاعمال والامور العالقة، فقد اتصلوا عليه من هناك وسافر على الفور.

شعرت ماسة بخيبة شديدة جدا، ناولت الهاتف الي سمر وهي تشكرها بهمس، وقد بدا واضحا عليها التوتر والاسى، سألتها سمر بفضول:

- ماذا هناك؟! هل يوجد اخبار سيئة عن شقيقك؟!

ماسة لم تجبها بشيء فقط اكتفت بهز رأسها بالنفي وعادت الي فراشها بخطوات بطيئة متخاذلة، سمر هزت اكتافها بلا مبالاة واسرعت بالخروج لتلحق مشوارها. 

__________________________

عاد صالح الى المنزل ظهرا، بحث عن ماسة في ارجاء البيت ولم يتبقى سوى غرفتها، على ما يبدو ان البيت فارغ، والدته بالتأكيد في بيت احد الجيران كعادتها، بعد تردد قصير طرق غرفة ماسة برفق، فلم يأته اي رد، عاد للطرق مجددا بطرقات أعلى قليلا ولكن أيضا لا رد، ومن خلف الباب المغلق سمع صوت نحيب مكتوم، وشهقات حزينة، أصغى جيدا وبعد ان تأكد مما سمعه فتح الباب برفق، كانت ماسة تبكي، شعر صالح بتأنيب الضمير، فحينما غادر بالأمس، كانت والدته شديدة الغضب والحنق عليها، بالتأكيد لم تتركها وشأنها ولم ترحمها، وهو تغيب طوال الأمس ولم يأتي لنجدتها، شتم نفسه سرا، ولم يعلم ماذا يفعل، فهو يكره رؤية دموعها، المسكينة لديها ما يكفيها، فحينما رآها باكية بالأمس لم يحتمل ذلك، ولم يجرؤ على سؤالها عما يبكيها، كل ما اراده هو ان يزيل الحزن من عينيها، لذا أصر على أخذها بنزهة، وبالرغم من انها اعترضت وتمنعت الا انه أصر كثيرا، وحينما تعللت بشقيقه الصغير بدر، أدحض اعتراضها واخبرها ان بدر يمكنه مرافقتهما، وبعد لحظات قبلت بعد ان لم يتبقى لها أي حجة، فحينما وافقت ماسة على عرضه لم يكذب خبرا، واسرع بطلب سيارة اجرة وطلب منها ان تسرع في ارتداء ملابسها، وهكذا كان الأمر، فبعد لحظات قليلة من السعادة قضاها برفقتها وأنساها ألمها، أتت والدته لتفسد كل شيء بسوء ظنها ولإهاناتها لماسة، بالتأكيد دموعها الحالية هذه بسبب امه، تنهد باستسلام وهو يجازف بالتقدم منها، فربما تصب جام غضبها عليه، ولكنه لم يهتم، كل ما اراده ان يسكت صوت نحيبها، ان يمسح دموعها، ويلئم جراحها.

- ماسة؟!

شعرت ماسة بيد تحاول كشف الغطاء عنها، فاعتدلت في مكانها بسرعة، لتصطدم عينيها الدامعة بعيني صالح التي تفيض عطفا وحناناً، تنفست ماسة براحة حينما علمت بأن صاحب اليد ليس سوى صالح، واعتدلت في سريرها وهي تحاول تجفيف دموعها الخائنة، جلس صالح مقابلا لها وقد تراكمت الكلمات والاعتذارات فوق شفتيه، ولكن حينما نطق، قال بكل بساطة:

- وافقي على الزواج بي يا ماسة، أؤكد لكِ انك لن تندمي.

حدقت ماسة اليه، الي عينيه المتوسلتان، الي ارتجاف يديه المتشابكتين، الى نظراته الضائعة التائهة المشتتة، وفكرت، فكرت بألم بحزن ورغبة قوية بالانتقام، رغبة لتذيقه نفس المرار الذي أذاقها اياه، عضت شفتيها بألم، حتى كاد الدم يسيل من شفتيها، وقد عزمت على تنفيذ فكرتها الشريرة:

- هل تحبني؟!

كان سؤالها يائسا، كان سؤالها كسؤال طفل صغير يتسول الحب الذي امتلكه وتملكه دون ان يشعر، امسك صالح بيديها وهمس بكل صدق، وحب وأمل:

- كثيراً، أكثر مما تتصورين، أنتِ هي سبب وجودي على هذه الحياة، لأجلك أصبحت رجلا آخر، رجل أفضل، لقد حصلت على وظيفة ثابتة، سوف أعمل على سدادك مالك، سوف اجهز لك البيت الذي تختاريه، سوف اجعلك تعيشين كالأميرات، لن ينقصك شيئا أبدا، فقط بكلمة واحدة منك، وافقي يا ماستي، وافقي واجعليني أسعد البشر على وجه هذه الأرض، أرجوكي؟!

لما لا يا ماسة؟! لما لا تستمعين الي نصيحة سمر وتنفذين، فبالنهاية انتي لن تخسري شيئا، او بالأحرى، ليس لديك ما تخسرينه أبدا، قاسم اقتلعك من جذورك وألقى بكي بالصحراء القاحلة، فيما انتظارك الآن، ماذا ستفعلين بحياتك، ماذا لو زوجتك خالتك من رجل ثري عجوز، ماذا سيكون مصيرك، كيف ستخلصين نفسك من مأزق كهذا، خاصة وان والدها لا يجرؤ على الاعتراض او التفوه بكلمة امامها، وبكل ثقة وبعد تفكير عميق، دون التفكير في عواقب ردها همست بلطف:

- أنا موافقة!

كانت تريد الانتقام، كانت تريد ان تثأر لجرح مشاعرها، أرادت ان تنتقم كي تشعر بالراحة، وتخرس الصوت الذي يطن في أذنها(انتي لم تعني له شيئا أبدا، انتي نكرة لا شيء على الاطلاق، لستي سوى مدعاة للسخرية) رسمت فوق شفتيها ابتسامة حزينة وهمست تخاطب نفسها "لقد تحررت منك الي الابد".

صالح كان في غاية السعادة لنجاحه في اقناعها، قفز سعيدا مختالا وهو يصيح بفرحة عارمة:

- احبك، احبك أكثر مما تتصورين! انا...

- أنت لست سوى احمق غبي، هل فقدت عقلك، كيف تفعل هذا بي؟!

صوت خالتها الهادر، جعلها تقفز من مكانها خائفة مرتعدة، ها قد أتت اللحظة التي لن تستطيع تجاوزها، حدقت بها زوجة اباها وهي ترعد وتزبد:

- كنت واثقة انك تكذبين! لقد وقعت على صيد ثمين، بالتأكيد ستنتهزين الفرصة.

تلعثمت ماسة متوترة، فأثناء سيرها لإنقاذ كرامتها، داست بلا رحمة زوجة والدها، فقد وعدت خالتها بشيء، وفعلت عكسه تماما، ماسة انتي تستحقين ان تكوني سخرية الآخرين، حاولت التوضيح ولكن، لا يوجد شيء لتقوله، لا مبرر لها ولا عذر، فقط وقفت تستمع الي سيل الشتائم والاهانات الذي انهال فوقها، هب صالح لنجدتها صارخا بوالدته بحنق:

- أمي توقفي عن هذا! انا من عرض عليها الزواج.

صاحت به محتدة:

- يا الهي ما الذنب الذي ارتكبته في حياتي كي احصل على زوج سيء وأبناء أسوء!

أتى والد ماسة مسرعا ليوقف جنون زوجته فقد بدأ الجيران يتجمهرون خارج المنزل بفضول:

- ماذا أصابك يا امرأة! اخفضي صوتك!

امسكت بياقة زوجها غاضبة، حانقة:

- أرأيت نهاية صبري، ماذا تريد مني ان أفعل وابني يتزوج من لقيطة لا أصل لها!

شهقت ماسة مصدومة وهي تغلق فمها بيدها تحاول كتم شهقاتها، بينما صالح صرخ بوالدته غاضبا:

- أمي!!

والدها لم يبد أي ردة فعل غاضبة او حانقة، ماسة كانت تنتظر اعتراضه، تنتظر رفضه، تنتظر اي كلمة منه تنصفها، وتعطيها حقها، ولكن صمته أصم أذنيها، مما جعل ماسة تمعن التفكير بقول خالتها، لقد كررت هذا مرارا وتكرارا على مسامعها، هي لن تفعل ذلك لو لم يكن لكلامها شيئا من الصحة، هناك بالتأكيد أمر لا تعرفه، سر يخفيه والدها عنها، والا لم يكن ليصمت هذا الصمت القاتل.

تقدمت من والدها ببطىء وقلبها يرتجف من الخوف، وسألت بصوت خفيض:

- لما انت صامت؟! هل انا ...لقيطة فعلاً، ألست انت والدي؟! اذا كنت انت ابي فهذا يعني بأن أصلي ونسبي معروفين! لما تقول خالتي اني بلا أصل؟ أخبرني لماذا تصمت؟!

كانت زوجة والدها تراقب ساخرة، بينما صالح، لا يعرف كيف يتصرف، ووالدها كان فقط يحدق ببرود، وعلى ما يبدو انه لا ينوي ان يتكلم بشيء.

اتى صوت خالتها الساخر القاسي:

- انت حقا لا تصلح ان تكون والدا، ان كنت لا تجرؤ على اخبارها الحقيقة انا سأفعل!

نظرت لها ماسة بصدمة، ومن ثم الي والدها اللامبالي، ووجه قاسم الحانق يحاول ان يقوم بتعابير كي يجعل والدته تصمت ولكن دون فائدة:

- لن يستطيع ان يعترض لأني اخبرك الحقيقة، امك كانت امرأة رخيصة، تزوجت وأنتي بأحشائها، كانت بالشهر الثاني، هذا الرجل الابله تزوجها كي يستر عليها، والحقيقة انه ليس والدك ابدا ولا يمت لك بصلة، لهذا فكري مرة اخرى قبل الارتباط بولدي، فأنتي فتاة لن يتشرف بها اي رجل، ومن المستحيل ان اقبل بك زوجة لابني!

ألقت بسمومها بوجه ماسة اليائسة، لقد كانت تحيا طوال حياتها بكذبة، لا شيء بحياتها صحيح ابدا، كل ما كانت تعيشه هو تفاهات ترهات لا شيء حقيقي بحياتها، حتى شقيقها الصغير الوحيد بدر، ليس شقيقها، كيف يمكن لحياتها ان تكون كذبة، فقد انتهى مطاف بلا اي عائلة ابدا، بلا اصل او نسب، والدتها رخيصة، عاهرة ، نفرت الدموع من عينيها، هذا اقسى واشد انواع الالم، كانت العيون المشفقة والباردة والساخرة جميعها تحدق بها تسخر منها، تهينها وتحتقرها فقط بالنظرات، ودون ان تدري أطلقت ساقيها للرياح، لا تعلم الي اين او كيف، كل ما تريده هو الابتعاد عن هذه العيون، تمنت لو ان الارض تنشق وتبتلعها، تمنت لو ان تختفي وتمحى عن الوجود، ركضت وفي اثرها صوت صالح يحاول ايقافها، وصوت والدته الغاضب تحاول ايقافه، ووالدها...اعني الشخص الذي اعتقدت انه والدها، تنفس براحة وكأن هما ازيح عن كاهله.

قاسم كان يعد الساعات والدقائق ليعود الي شاشته الصغيرة، الي ماسته الثمينة، بل لن يعود الي الشاشة بل سيعود اليها هي، سيذهب الي منزلها وسيأخذها من وسط عائلتها وان رفضت سيختطفها رغما عنها، لن يعير رفضها اي اهتمام، كان قاسم سعيدا ويشعر براحة غريبة لأنه اتخذ هذا القرار، فهو بالنهاية زوجها، وصراخها وانفجارها في البكاء بالأمس ما هو الا دليل واضح على حبها له، هكذا سيكون اوفى بقسمه، ان ماسة لن تتزوج الا من شخص تحبه، وهو الوحيد الذي يمتلك قلبها، لن يتخلى عنها فتقع بين براثن صالح بينما هو يراقب في صمت، فالحب ليس الا معركة ضارية لن يفوز بها الا المحب العنيد، لن ينتصر به الا الحب الحقيقي، من الان فصاعداً لن يستمع الي كلماتها، بل سيستمع الى نداء عينيها، سيركض خلف مشاعره، ولن يوقفه احد. نظر الي الساعة وهمس بسعادة غامضة:

- هذه المرة لن اتأخر، كوني بانتظاري.

يتبع...

تعليقات

التنقل السريع