القائمة الرئيسية

الصفحات

 الفصل التاسع

نظرت لونا الي توماس الجالس الي جانبها بتعب، لا تعلم كيف تورطت بهذا كله، ولكن توماس كان سبب كل ما حدث معها للتو، ولكن من يراه بهذا الحال يشفق عليه من أن يوجه له الاتهامات بهذه اللحظة، قبل أن يتخذ السائق اي منعطف توجهت له بالسؤال:
- هل اخذك إلى المستشفى، ام الى ماتيلدا؟!
تنهد توماس متألما وقال بصعوبة:
- إلى ماتيلدا أرجوكي!
هزت برأسها موافقة وارشدت السائق إلى العنوان، والقت بجسدها المرهق إلى الخلف، وراحت تفكر فيما ستفعله بالأيام القادمة. كان الوقت في الثانية عشرة مساء حينما وصلو الي الحي الذي يقطنون به، طرقت لونا باب ماتيلدا بلطف بعد أن سندت توماس لتوصله حتى البيت، كانت آثار النوم بادية فوق ملامح ماتيلدا، التي اعتادت أن يعود إليها شقيقها بعد كل غياب بورطة أو عركة جديدة، تنهدت وهي تساعده برفقة لونا إلى أن اوصلتاه الي الأريكة التي تتوسط صالة ماتيلدا الصغيرة، توماس لم ينبث بحرف شفة، بل اتخذ وضعية مريحة له وغرق في سبات عميق.
كانت لونا ترغب بالرحيل مباشرة، ولكن ماتيلدا سحبتها الي غرفة أخرى وقد ظهر عليها القلق والفضول، نظرت اليها لونا متسائلة بعينيها:
- ماذا هناك؟! هل حدث شيء؟!
جلست ماتيلدا وقالت بنفاذ صبر:
- كيف تسألين؟! إن الاخبار لديكي انتي! أخبريني ما الذي حدث معكي؟
ابتلعت لونا ريقها بصعوبة وقلق، وتساءلت هل عرفت بشأن ما حدث معها مع رجل الكوبرا الأحمق ذاك، ولكن كيف عرفت، ووالدتها ماذا عنها؟ هل هي أيضا تعرف، همست بتوتر:
- أمي!...هل تعرف بما حدث أيضا؟!
هزت ماتيلدا رأسها نافية وقالت بهمس:
- لا نعرف تفاصيل! ولكن...أن والدتك مستاءة جدا، لقد كانت  تنتظر عودتك طوال اليوم، كانت تنوي الذهاب الي جامعتك أيضاً، ولكنني منعتها بصعوبة، وبقيت الي جانبها حتى خلدت الي النوم!
عبست لونا وسألت بحذر:
- لما أرادت الذهاب الي الجامعة؟! 
اتسعت عينا ماتيلدا بصدمة:
- لقد أتى لك انذار من مركز الشرطة! يا الهي لونا! هل بالفعل قمتي بضرب ابنة رجل الأعمال جوناس داوسون؟!
شعرت لونا ببرودة تسري في عروقها، ماذا فعلت؟! هل أخرجت الذئاب من عرينها؟! كيف لجميع المشاكل أن تتكالب عليها دفعة واحدة، وقفت بسرعة على قدميها وقالت بسرعة:
- ماتيلدا، سأحادثك لاحقاً.
وبخطوات مسرعة، ركضت لونا الي منزلها، كانت والدتها جالسة بالصالة، تمسك رأسها بين يديها، وكأن هموم الدنيا فوق رأسها، تسمرت لونا في مكانها، فهي تهورت ولم تعرف عاقبة فعلتها الا الآن، لم يخطر ببالها ابدا أن تتشكى تلك الحرباء عليها للشرطة الم تاخذ ادارة الجامعة حقها بطردها وحرمانها من الدراسة
نادت والدتها بصوت هامس قلق:
- أمي؟!
رفعت والدتها رأسها ببطىء وكانت عيناها غارقة بدموع صامتة، قالت بصوت متحشرج مليء بالحزن والألم:
- لماذا فعلتي ذلك؟! هل نسيتي ما وعدتني به!
أسرعت لونا لتركع تحت قدمي والدتها باكية، فهي لا تتحمل رؤية دموع والدتها ابدا، ولا تقوى على رؤيتها حزينة.
- أمي! ارجوكي لا تبكي! انا سأحل هذه المشكلة، اقسم لك، فقط لا تبكي أتوسل اليك!
اوقفتها والدتها على قدميها، واحتضنتها بشدة وهي تقول من بين دموعها الغزيرة:
- انتي تعلمين بأنك الامل الوحيد لدينا يا ابنتي، ارجو ان لا تخيبي أملي!
هزت لونا رأسها موافقة ومسحت دموع والدتها بابتسامة حزينة:
- لن أفعل يا امي! صدقيني لن اخيب املك ابدا، لا تقلقي.
لم تعلم لونا كيف ستحل هذه المعضلة، ولكنها كانت متأكدة بأن عليها أن تنتهي من هذه المشكلة كي تعيد البسمة الي وجه والدتها.
في الصباح الباكر خرجت لونا الى بيت فرانكو وأخذت تترقب خروجه من المنزل بفارغ الصبر، فلم يتبقى على موعد الجامعة سوى نصف ساعة فقط، وهي تنتظر منذ ثلاث ساعات، لم يتبقى أكثر مما مضى عليها أن تحتمل قليلا بعد، فقد أمضت بالأمس ليلة مضنية، لم تستطع النوم ابدا وظلت مستيقظة حتى انقشع الظلام، ارتدت ملابسها وتسللت بهدوء كي لا تزعج والدتها، كانت تشعر بجوع وبرد شديد، ولكنها لم تهتم، فما يعتمل داخلها من غضب، غطى على كل مشاعرها وتفكيرها، وهاهي الان واقفة امام قصر ذلك الثري الأحمق، الذي تسبب بكل هذه المشاكل لها، أخذت تروح إيابا وذهابا، عل الدفىء ينبعث إليها من حركتها المتواصلة، همست مخاطبة نفسها بنفاذ صبر:
- ذلك الوغد! متى ينوي الخروج من قصره اللعين!
كانت تتوق لأن تنفث نيران غضبها في وجهه المتعجرف، كم كانت تتوق لتلقى على مسامعه شتى أنواع الإهانات والشتائم، التي ستسر قلبها وتريحه، وفجأه ارتفعت البوابة الحديدية إلى الأعلى لتظهر سيارته الفيراري التي حاول أن يدوسها بها قبل عدة أيام، أخذت نفسا عميقا وتقدمت بخطوات واثقة لتقف أمام السيارة بهدوء، تحسد عليه حقا، فرانكو في البداية لم يلاحظها، ولكن حينما قاد سيارته بضعة أمتار للامام وجدها ماثلة أمامه، حدق بها بعبوس، يبدو عليها الغضب واضحا جدا، ونظراتها حادة تكاد تخترقه وترديه ميتا، فكر بنفسه، هو توقع ظهورها أمام بيته بالأمس، ولكنها تأخرت، فقد طال انتظاره له وحينما لم تأتي أخذ عهدا على نفسه أن لا يتهاون معها كي يكسر غرورها ويجعلها تدفع ثمن تجرؤها عليه، تحولت نظراته العابسة الي نظرات احتقار، وقام بقيادة السيارة دون الاهتمام لوجودها أمامه ولكنها كانت عنيدة جدا، فلم تخف ولم تهرب من طريقه بقيت واقفة شامخة بقوة، حاول إدارة السيارة للالتفاف الي الجانب الآخر بعيدا عنها إلا أنها لحقت به مجددا ووقفت أمامه معلنة تحديها، ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق شفتيه واطفأ محرك السيارة وظل بداخلها يراقبها، تقدمت لونا الي جانبه ، وطرقت فوق زجاج نافذته بحدة، كانت نظراتها تماثل نظراته احتقار وسخرية، أنزل زجاج سيارته وتشدق ساخرا:
- بماذا يمكنني أن أساعدك؟
تمالكت لونا أعصابها بصعوبة، فهو لا يعلم مدى السوء الذي مرت به طوال الامس، ذلك الوغد الذي ولد في فمه ملعقة من ذهب، لا يعرف كيف يعيش الناس البسطاء حياتهم، ولا يدري كيف يعافرون من أجل قوتهم، قالت بحدة:
- باصلاح الخطأ الذي تسببت به 
ارتفع حاجبيه بغرور متسائلا:
- أحقاً؟! واي خطأ هذا؟
كانت تعلم ما يحاول فعله، ذلك الوغد يريد اذلالها:
- فرانكو لا تختبر صبري ...ان مستقبلي على المحك....عليك  تبرئني والدكتور جون مما انسبته الينا
هز برأسه مستنكراً بإغاظة:
- هل تطلبين مني الكذب لانقاذك انت وعشيقك ...تعلمين هذا ليس من مبادئي
اتسعت عيناها بدهشة، ذلك الوغد كذب كذبة وصدقها، انتهز فرانكو تسمرها في مكانها وحاول الانطلاق بسيارته مجددا، ولكن لونا سارعت لنزع مفاتيح سيارته وتراجعت للخلف مبتعدة عنه كي لا يستطيع استعادتها، نظر إليها فرانكو مندهشا من جرأتها، وشتم بحدة وهو يخرج من سيارته:
- أعيدي الي المفاتيح!
صاحت بنظرة عناد وتحدي:
- وان لم أفعل؟!
ضاقت عيناه عليها وهو يشد على أسنانه بغضب:
- لن تجرؤي، لأنني سأجعلك تندمين!
راقبته بعناد وهو يهبط من سيارته الفيراري بعد أن نزع حزام الأمان الخاص بسيارته، وأردفت متراجعة للخلف ببطىء:
- ليس لدي ما أخسره!
تقدم نحوها وعيناه تشتعل بالغضب، فركضت مسرعة لتلقي بالمفاتيح في بركة الماء الراكدة الي جانب قصره، متجاهلة صرخته الحادة لمنعها، وأخذت تراقبه بابتسامة راضية شامتة، وهو يحاول الحصول على مفتاح سيارته قبل أن تسحبه المياه بعيدا ولكن دون جدوى.
صرخ بحدة يائسا يفرغ جام غضبه من صدره، اتجه إليها بنظراته ليزداد حنقه بعد رؤيته لابتسامتها الساخرة، جذبها من ذراعها بقوة آلمتها وانفاسه المتسارعة تحرق بشرتها:
- كيف تجرؤين؟! 
صرخت به لونا بحدة وهي تحاول نزع نفسها من قبضته المؤلمة:
- كيف تجرؤ انت على التدخل بحياتي وتدمير مستقبلي؟! من أعطاك الحق بالتلاعب بي والتدخل في شؤوني.
- لقد حذرتك مرارا وتكرارا، وانتي من تجاهلتي تحذيراتي، انت تحديتني وخسرتي!
هتفت بحدة متألمة يائسة من تخليص نفسها من يده الغليظة:
- حذرتني؟! من انت كي تأمرني وتنهاني...أيها الوغد لقد حطمت احلامي، لقد طردت من الجامعة بسببك! هل تغضب لأجل مفتاح سيارة لعين وماذا عني انا؟!
همس في وجهها بصوت كفحيح الأفعى، وهو يزيد من ضغط أصابعه فوق ذراعها:
- لا مكان للعاهرات داخل جامعتي! وسأحرص على أن لا تقبل بك اي جامعة أخرى!...انتي ستدفعين ثمن أخطائك.
قال كلماته هذه ودفعها بقوة لتسقط على الأرض، وتدمي ركبتها، ولكن لونا لم تأبه لجرحها وانقضت عليه صارخة تضربه بيديها الصغيرتين:
- لن أسمح لك بتدمير حياتي، أيها اللعين الحقير، عليك أن تكون شاهدا على برائتي مما انسبته لي، لن أدعك وشأنك ابداً، سألاحقك وكأني ظلك الي أن تعيد الي حقي!
أمسك بذارعيها الاثنتين بقوة ودفعها نحو سيارته يضغطها بين هيكل سيارته الساخن من أشعة الشمس، وجسده الغاضب القاسي مزمجراً بحدة:
- حسم الأمر! لقد نلتي ما تستحقين، والآن ان كنت تريدين إنقاذ ما تبقى من كرامتك، فارحلي ولا تريني وجهك أبدا، وإلا...ستندمين أكثر.
لم يخيفها أبدا، هذا ما كانت تفكر به! ذلك الوغد لن يستطيع ارهابها وارضاخها لما يريد، لمعت عيناها بقوة وعناد وقالت بنبرة تماثل نبرته قسوة وكرها:
- أخبرتك...لم يتبقى لدي شي أخسره، وسأحاربك حتى آخر نفس في حياتي!
احتدت نظراته للحظات، وفجأة ابتسم بخبث وهو ينحني ليحملها ويلقي بها فوق أكتافه:
- سنرى الى متى ستصمدين.
ردة فعلها المذهولة من تصرفه أتت متأخرة قليلا، وبالرغم من مقاومتها الشديدة له ومحاولة ركله بقدميها الا أنه تابع السير بها إلى داخل قصره بكل بساطة وبرود، وكأن الشيء الذي يحمله عديم القيمة لا يستحق الاهتمام، فقد تجاهل صراخها، ونحيبها، حتى ضربات يديها فوق ظهره كي ينزلها لم تؤثر به أبدا، صعد بها درجات قصره بسهولة، ولم تعلم لونا متى أو كيف وصلت إلي هذه الغرفة الواسعة، ألقى بها فوق السرير بقوة وسارع للخروج وإقفال باب الغرفة عليها، ركضت لونا بسرعة تحاول إيقافه ولكنه دفعها بكل برود واغلق الباب متجاهلا لها.
- افتح هذا الباب اللعين! ما الذي تحاول فعله أيها الوغد؟! عليك اللعنة أخرجني من هنا
صاح فرانكو من خلف الباب ساخرا:
- عزيزتي وفري طاقتك للمساء، لا أحد سيسمعك هنا، لذا توقفي عن الصراخ وانتظري عودتي.
صرخت لونا مزمجرة وهي تركل الباب بكل قوتها:
- فلتذهب الى الجحيم وتحترق به أيها الحقير...
ضحك فرانكو ساخرا وهو يخفي المفتاح داخل جيبه، ونزل الدرجات مسرعا الي غرفة مكتبه، حيث أخذ مفاتيح سيارة أخرى من السيارات التي يمتلكها، وخرج من البيت مدندنا لحن محببا الي قلبه بكل برود، دون أي اعتبار لسجينته التي تركها داخل أسوار غرفته المحكمة الإغلاق.

تابع...



تعليقات

التنقل السريع