القائمة الرئيسية

الصفحات

 

الفصل السابع

انسحبت (لونا) من أمامهم متعبة منهكة، فقد تحقق أسوأ كوابيسها، فرانكو فعلا قام بتنفيذ تهديده، ولم يترك لها منفذا واحدا تخلص نفسها به، حتى لو طلبت مساعدة جون نفسه، فهذا لن يفيد لأنهم وضعوه بنفس مكانتها واتهموه باختراق القوانين ومخالفة مبادئ واخلاق مهنته، لذا لن يستطيع مساعدتها أو الوقوف بجانبها وإثبات براءتها، بل إنها ستتسبب بالمزيد من المشاكل له، وربما تدمر عمله ومستقبله تماما كما فعل بها فرانكو، فرانكو! هل ستتركه ينجو بفعلته الدنيئة؟! سيعتقد بأنها خائفة وسوف يصفها بالجبن و الخنوع إن لم تقف لمواجهته، وربما يتمادى ويمعن في إيذائها أكثر، ذلك الوغد، بإمكانها معرفة مكانه بسهوله، سوف تذهب إليه وتواجهه، لعلها تستطيع إكمال دراستها، فبكلمة واحدة منه سوف تنتهي مشاكلها، ذلك الحقير سوف تحاسبه على أعماله وتكون له بالمرصاد.

اصوات مكابح سيارة سحبت بشدة ليعلو صوت عجلاتها فوق الرصيف الاسود محدثا شرارات نارية صغيرة، لتصطف أمامها بصرير صاخب مزعج، تراجعت (لونا) للخلف متفادية ارتطامها بالسيارة التي ظهرت أمامها فجأة من العدم، أنزل السائق الزجاج الأمامي للسيارة ليظهر توماس بجانبه وقد كان فاقدا وعيه و كان وجهه مشوهاً مدميا، وكأنه كان كيس ملاكمة معلق لتلقي اللكمات فقط، اتسعت عيناها بذهول، فهي لا تحب توماس مطلقا، ولكن التمثيل الرهيب الذي كان بوجهه جعلها تشفق عليه وترغب بمساعدته، اقتربت من زجاج النافذة المجاورة له ولكن السائق اغلقها اوتوماتيكيا بسرعة، وطلب منها بكل برود:

- السيد يرسل اليكي تحياته! وقد طلب مني بنفسه أن أخذك اليه!

وبخطوات واثقة اتجه يفتح لها باب السيارة منتظرا صعودها بصبر فارغ، تنهدت (لونا) بأسى، فهي لم تعد تملك ما تخسره، لذا لن تخاف من رجل عصابات وضيع، سوف ترى ماذا يريد منها ومن ثم تفارقه وينتهي الأمر إلي الابد، اقتربت (لونا) من السيارة وصعدتها بكل شجاعة وثقة، وهي ترمي السائق بنظرات غاضبة حانقة، نظرت إلي توماس المسكين فقد بدأ في حال يرثى لها، حاولت ايقاظه لتتحدث إليه وتطمئن عليه إلا أنه لم يجيب، وضعت يدها على عنقه تجس نبضه، فسارع السائق لتهدئتها ساخرا:

- لم يمت بعد، بفضلك حصل على فرصة أخرى للحياة.

اتجهت بأنظارها إليه غاضبة:

- لقد طلبت من توماس أن يسأل رئيسك عن المكان والزمان لأقابله، ما كان الداعي لهذا؟!

نظر إليها السائق بحدة واخبرها بسلاسة وهو يؤمن ابواب السيارة:

- ولهذا أرسلني وحدي!

وبعد لحظات قصيرة جدا انتشرت داخل السيارة رائحة نفاذة، لم تعرف (لونا) من اين مصدرها ولكنها لم تلبث سوى ثوان قصيرة وفقدت وعيها تماماً.

استيقظت (لونا) بعد فترة لا تعرف كم مدتها بالزبط، كانت ممددة على سرير أبيض واسع ووثير، بالحال اعتدلت في مكانها وانزلت قدميها الي الارض، وأخذت تحوم بنظراتها في زوايا الغرفة الكبيرة الواسعة، كانت مؤثثة بأثاث فاخر وثمين لم ترى له مثيل ابدا، وفي سقف الغرفة علقت كرة كريستال ضخمة لامعة، ولكن ما أثار دهشتها أكثر هو تعدد المرايا في الغرفة، فأينما كانت تلتفت تجد نسخة لها في كل جهة، نظرت إلي السجادة البيضاء الكثيفة التي ابتلعت قدميها الصغيرة، وعادت بذاكرتها الي سبب وجودها في هذا المكان، واستعر الغضب في عيونها حينما استدركت بأنها خدعت وسحبت الي هنا رغما عنها بالرغم من أنها امنت جانبهم ووثقت بصدقهم، واندفعت بكل قوتها متجهة إلي باب الغرفة الضخم محاولة فتحه الا انها لم تستطع زحزحته ولو لدرجة واحدة، اتسعت عيناها برعب، أنها محتجزة، ذلك الوغد قام بخطفها واحتجازها بكامل ارادتها، وهي كالغبية سعت الي هذا الكمين بقدميها، أخذت تضرب الباب بقوة ألمت يديها ولكنها لم تبالي أخذت تركل وتضرب الباب بشدة وهي تصرخ بأعلى صوتها:

- افتحوا الباب، عليكم اللعنة افتحوا هذا الباب اللعين والا جعلتكم تندمون!

كانت كلماتها بلا فائدة، وضرباتها وركلاتها بلا طائل، وكأن وجودها هنا  أمرا مخططا 

له مسبقاً، كانت مغفلة، اعتقدت بأنها ستحل الأمر بشكل ودي وتعود من حيث أتت، ولكن ما حدث كان عكس توقعاتها تماماً، فعلى ما يبدو ذلك الرجل ينتوي احتجازها لما تبقى من عمرها، ولاح في خيالها صورة لوالدتها المريضة تبكي وتنوح غيابها المفاجىء وقد اشتد عليها المرض وانهارت من الارهاق والتعب، وصورة أخرى لشقيقتيها المريضتين وقد خرجتا للبحث عنها في كل مكان وهما تعانيان من الجوع والفقر والمرض دون أن يجدو من يمد يد العون لهم، شعرت وكأن يدا باردة تعتصر قلبها وتزهق روحها ببطىء شديد، لا يمكنها أن تدع هذا يحدث لعائلتها الصغيرة، عليها أن تبقى قوية لأجلهم لن تضعف ولن تنهار وبعزيمة اكبر اشتدت ضرباتها فوق الباب المغلق بإحكام، وعلى صراخها أكثر مطالبة برؤية الزعيم الذي احتجزها هنا دون رحمة أو شفقة.

استمرت على هذا الحال ساعتان متواصلتان، الي أن انهارت في مكانها ملتصقة بباب نجاتها وقد ارتكزت بظهرها الي الباب ممسكة برأسها بيديها، كانت الدموع قد انسابت منها دون ارادتها، ليس خوفا على نفسها بل حزنا على عائلتها التي لن تتمكن من النجاة دونها، ضمت ركبتيها الي صدرها بتنهيدة يائسة وشهقات مكتومة، غير راغبة بإظهار ضعفها وخوفها، أخذت عينيها تدور بالغرفة التي عاثت فيها خراباً، فلم تدع شيئا بمكانه ابدأ، ولا أبقت شيئا على حاله اطلاقا، فقد حطمت كل ما طالته يداها وكل ما هو قابل للتحطم، الا المرايا لم تستطع حتى خدشهم، فقد شعرت بأن هناك من يراقبها خلف هذه المرايا ويتلذذ برؤية عذابها وتخبطها، واملت بتحطيمها لاشيائه الثمينة أن يأتي راكضا إليها ليمنعها ويوقفها عند حدها، ولكن ولخيبة أملها لم يظهر أحدا أمامها ولم يفتح الباب ابدا.

لم تعلم كم مضى عليها من الوقت وهي متقوقعة على نفسها، و حينما دار قفل الباب محدثا جلبة حادة قفزت واقفة على قدميها المرتجفتين وراحت تحدق بالباب برعب وكأن وحشا ضاربا سيخرج من خلفه، تراجعت بضعة خطوات للخلف وهي ترى الباب يفتح على مصراعيه، واتسعت عيناها بترقب وخيالاتها المرعبة تعصف بها وقد وضعت يديها أمامها باستعداد لمواجهة القادم المتطفل كائن من يكون.

- آه، لبوتي الشرسة! ماذا فعلتي بغرفتي الجميلة؟!

كان هو رئيس العصابة المزعوم، ولكنه بدأ مختلفا تماما عما رأته آخر مرة، كان ساخرا واثقا معتدا بنفسه، وكان مظهره أنيقا مهندما حليق الذقن والشعر مما أعطاه سنا أصغر عما اعتقدته في البداية، ربما هو في منتصف الثلاثينات من عمره، ولكنها ليست واثقة، تقدم بخطوات واسعة سريعة الي منتصف الغرفة بينما هي تراجعت للخلف مسرعة وهي على أهبة الاستعداد لمواجهته والعراك معه، الا انه لم يقترب منها وحافظ على مسافة مترين بينهما، وراح يحدق بالدمار الذي حل بغرفته، بالطبع لم يعجبه ما رأى. 

نظر إليها ساخرا وقال بابتسامة ملتوية:

- أعتقد بأنك ستعوضينني عن هذه الاضرار، أليس كذلك يا حلوتي؟!

أجابته بشجاعة، بذات النبرة الساخرة:

- سأفكر بهذا الأمر حال خروجي من هنا.

ارتفع حاجبيه بإعجاب خفي، وضع يديه في جيب بنطاله وراح يمعن النظر بوجهها المرهق.

- بالتأكيد ستخرجين من هنا يا حلوتي، ولكن...حينما أقرر انا ذلك. 

عبست (لونا) بقلق، فلا يبدو عليه أنه هين، حينما اعترض طريقها لأول مرة في ذلك البار، لم تبدو عليه الهيبة أو الجبروت بعكس ما تراه الآن، لم تتصور ابدا أنها ستقع يوما في هذا النوع من المشاكل التي طالما حاولت تجنبها، ولكن سوء حظها رغما عنها يقوم بجذب المشاكل لها كالمغناطيس، اولا توماس، ومن ثم فرانكو، والان هذا البغيض، يجب عليها أن تجاريه، ليس لاجلها بل لأجل عائلتها الحبيبة، سألته بهدوء ظاهري:

- أخبرني! ماذا تريد مني الآن؟!

صاح منتصرا وابتسامته تتسع على آخرها:

- آه الآن بدأنا نتفاهم، لقد كنت باجتماع عمل طارىء وقد عدت لتوي، دعينا نتناول الغداء سويا وبعدها سنتحدث، فأنا لست أنا وانا أشعر بالجوع.

كانت تتمنى لو يبدأ بالتحدث الآن فهي لا تريد البقاء معه فترة أطول، بل هي تتوق لتجد فرانكو وتصب جام غضبها عليه، فهو الذي يستحق أن يحرق ببركان الغضب الذي في يهيج في داخلها، عليها الآن أن تكتم غضبها وتسيطر عليه كي تستطيع الخروج من هنا بسلام، أخذت نفسا عميقا وهزت رأسها موافقة:

- لا بأس، فأنا أيضا جائعة!

ابتسم سعيدا وهو يصفق بيديه، ونظراته الخبيثة تسكن داخلها أفكار قذرة، لطالما كانت العينين مرآة الروح، اقترب منها محاولا احاطة كتفيها بذراعه، فتراجعت بسرعة بعيدا عن مرماه وهي ترميه بنظراتها المتشككة المرتابة رفع يديه باستسلام ساخر، وأشار الي الباب:

- كوني ضيفتي!

تقدمت خارج الغرفة بخطوات حائرة مترددة، هي لا تعلم ما ينتظرها ولكن عليها أن تكون قوية في كل الاحوال، كان يسير الي جانبها يرشدها إلى الاتجاه الصحيح للوصول إلي صالة الطعام، كان هادئا مريبا غير مريحا أبدا، نزلت السلم الدائري ببطىء وهي تشعر وكأنها تقترب من حافة جرف عميق، ولكن لم يكن لديها خيار، انتهى بها الأمر الي قاعة واسعة تتوسطها طاولة سفرة كبيرة وطويلة وقد ملأت بأطيب أصناف الطعام، كانت جميعها أطعمة باهظة الثمن بحياتها لم تتذوق مثلها حتى اسماء اغلب الأطعمة لا تعلم ما هي ومما تتكون، رائحة الطعام ملأت أنفها لتصرخ معدتها محتجة مطالبة بالقليل من الطعام، فهي منذ الأمس لم تتناول لقمة واحدة، عدا أن مرض شقيقتها ومبيتها بالمشفى، لم يترك لها وقتا لتهتم بوجباتها التي فوتتها بتعمد لأجل الاعتناء بسارة، وضعت يديها فوق معدتها وهي تعض على شفتيها حرجاً، من النظرات الساخرة التي تركزت عليها، وبكل أدب ولطافة سحب لها مقعدا لتجلس بجانبه على رأس الطاولة، جلست وهي تشيح بوجهها بعيدا عنه كي تخفي وجهها المحمر من شدة الحرج، قال بسعادة وهو ياخذ مكانه الي جانبها:

- لقد جعلتهم يعدون سفرة مميزة لأجلك، تصرفي وكأنك داخل بيتك، واياكي أن تشعري بالحرج.

بطرقعة بسيطة من اصبعيه ركض الخادم مسرعاً ليضع الطعام في اطباقهم، كانت تضع يديها في حضنها، لم تعرف اي حديث تبدأه معه بالرغم من الأسئلة الكثيرة التي تكدست فوق شفتيها الا انها لم تسل شيئا، فقد خشيت إثارة غضبه، لذا التزمت الصمت، وبنظرة جانبية إليه رأت كم هو مرتاح سعيد ويستمتع بوجبته، بينما هي منكمشة بمقعدها مرعوبة خائفة من أن ترتكب اي زلة، تسبب لها الاذى، حثها لتناول الطعام حين رأى نظراتها الحائرة المترددة:

- تناولي طعامك يا حلوتي، انتي نحيفة جدا وانا أفضل نسائي ممتلئات دافئات.

غصت (لونا) بريقها، واتسعت عيناها بدهشة وهي تجلو صوتها المتحشرج، فهي لن تسمح له بالتفكير ولو لحظة أن بقبولها تناول الطعام معه يعني أنها قبلت ما فرضه عليها، فهي لن تتوانى عن الفرار عند أي فرصة تتاح لها، صدحت صوت ضحكته الساخرة في قاعة الطعام لردة فعلها المبالغ فيها بنظره، وقال بلطف محاولا تهدئة روعها:

- لا تخافي يا حبيبتي، أعدك اني سأكون رقيقا جدا معكي .

وقفت بسرعة على قدميها ذلك الرجل اساء فهمها تماما واعتبر سكوتها خضوعا، نظرت له بعناد وتحدي.

لست حبيبتك، كما أني لست خائفة اطلاقا، كلما أسرعت باخباري بما تريده كلما انتهينا اسرع من هذه المعضلة.

أخذ يمضغ طعامه بهدوء وببرود وكأن ما تقوله ابدا لا يعنيه، وكي يمعن في اغاظتها، هتف بحبور مصطنع:

يا الهي كم اشتهيت هذه الوجبة، فأنا أحب أن أحصل على وجباتي طازجة ساخنة، فأنا انتقائي جدا حينما يتعلق الأمر فيما احب وأشتهي.

سرت القشعريرة بعروقها كمجرى الدم في الشرايين، فهي تفهم تلميحاته جيدا وتعرف ما يقصده، تابعت تحديها له محاولة اخفاء ضعفها وخوفها خلف قناع شجاعتها الزائف:

أتعلم؟! انا حتى الآن لا أعرف ما هو اسمك، وأعتقد بأنني لا أرغب بمعرفته أبداً، كل ما تخبرني به لا يهمني مطلقاً، وبالرغم من أن توم سبب تواجدي هنا، الا أن هذا لا يعني أبدا بأنني راغبة بتواجدي معك ولو للحظة واحدة، وما دمت تلف وتدور حول الموضوع ولا تدخل به أبداً، فاسمح لي أن اخبرك بأنني فقدت الاهتمام ولا رغبة لي بسماع المزيد من تفاهاتك.

وبكل ثقة وغرور اتجهت الي خارج غرفة الطعام وهي نفسها لا تعلم الي أين تذهب تماما، والمدهش في الموضوع أنه تركها تذهب وتابع طعامه وكأن شيئا لم يحدث مما أشعرها بأن الأمر لن يمر على خير أبدا، نظرت في أنحاء القاعة التي خرجت اليها، وكان بها العديد من الأبواب التي لا تعرف لونا ماذا يوجد خلفها، شتمت في سرها:

تباً! كيف اعرف اين الباب الذي يؤدي الي خارج هذا القصر الضخم!

وبعد لحظات قصيرة من التفكير، اتجهت الي أكثر الأبواب ضخامة، وحاولت دفعه الا انها لم تستطع زحزحته ولو قليلا، زفرت بضجر، واتجهت إلي باب تلو الآخر عل أحدهم يفتح، ولكن لم ينصاع اي باب لها، بدأ الشعور بالإحباط ينتابها، وفكرت( ذلك الوغد يعرف جيدا بأنني لن أستطيع الخروج من هنا، لذا لم يحاول ايقافي أو منعي) اتجهت بأنظارها الي النوافذ الزجاجية الضخمة المنخفضة، ربما إذا استطاعت فتحها سيكون بإمكانها القفز والهرب بسهولة، وركضت الي النافذة وقد استساغت هذه الفكرة، حاولت رفع النافذة بشدة للأعلى( يا الهي! لما لا يمكنني زحزحتها، اللعنة) أتاها صوته من خلفها:

اسمي( ميخيل بانديراس) ولقبي هو الكوبرا.

التفتت لونا بسرعة لتراه يتقدم منها بخطوات بطيئة مهددة، بينما اتسعت نظراتها برعب حينما رأت يديه تتجه الي ربطة عنقه لتنتزعها وألقى بها بعيد على الأرض ومن ثم تابع بخلع قميصه الأسود لينتزعه ويلحقه بربطة عنقه، ابتلعت لونا ريقها بخوف وهو تابع بابتسامة شريرة ساخرة نزع الفانيلا الداخلية التي كان يرتديها أسفل القميص، وقال بصوت هامس كفحيح الأفعى وهو يقترب منها كثيرا الي أن شعرت بألم في ظهرها لالتصاقها بالنافذة الضخمة القابعة خلفها:

هل أثرت اهتمامك؟! ام أنك ترغبين بمعرفة المزيد؟!

تابع...



تعليقات

التنقل السريع