الفصل الثاني والثلاثون
لا أريد البقاء معك
كانت قد اتفقت مع صالح على اعطائه المبلغ الذي يريده في سبيل ان يبتعد عن طريق قاسم نهائياً، فقد خططت لكل شيء معه وقد وعدها ان ينفذ ما اتفقا عليه، ولكنه هرب من أمامها ولن تستطيع معرفة ما سيقوله لقاسم، ولا تعلم ان كان بإمكانها الثقة به، فهو بالنهاية هدفه المال ليس الا، ماذا لو حاول اللعب على الطرفين، ونهب اموالها واموال قاسم أيضا، ارتجف قلبها حال تذكرها نبرة صوته الحادة الغاضبة، انها السبب في غضبه وحزنه وكل شيء سيء في حياته، تنهدت ماسة وقد شعرت بالراحة لطريقة تفكيرها، فالآن لن يعود وجودها يشكل اي غصة له، هو سيتحرر منها للابد، وهي ستعود لجذورها المتعفنة الي الابد أيضا، ارتفع رأسها حال عودة صالح الذي أخذ ينظر اليها بتفكير عميق وغموض يكتنفه، تساءلت ماسة، ترى علام اتفقا الآن؟ وقرأ السؤال في عينيها، جلس قبالتها وهو يتنفس بعمق:
لقد أخبرته ما اتفقنا عليه تماما، بالطبع لم يعجبه ان يراكي بالغد ولكن انا من يملك زمام الامور لذا، قبل على مضض.
هل أنت واثقة مما ستقومين به.
هزت ماسة رأسها بسرعة، فلا مجال للتراجع الآن، فقد اعدا كل شيء واتفقا على كل شيء، حتى انه صرف أصدقائه، واخبرهم بأنه سيأتي لهم بحصتهم من الصفقة، وبالفعل غادرو سعيدين لانهم لن يضطروا للتورط في أعمال غير قانونية قد تودي بحياتهم ومستقبلهم خلف القضبان الي الابد.
ماسة كان بإمكانها الرحيل الآن، ولكنها لم تعلم الي اين تذهب، فهي لا تعرف مكان آخر غير بيت قاسم، والبيت الآخر هو بيت والدها، تنهدت وهي تفكر بوالدها، ايعقل انه قد تغير بعد كل هذه السنوات، هل ذهب فعلا الي قاسم يطالب برؤيتها وعودته اليه، هل كان المال فقط دافعه، تنهدت ماسة بأسى، لا تعلم لما والدها يكرهها كثيرا، بالرغم من انها كانت تحبه وتتمنى رضاه عنها، ولكنه كان لا يطيق النظر اليها ودائم الصراخ بها، ويفتعل معها المشاكل دون سبب، يا الهي هل ستعود الي الذل والهوان مجددا ام ان والدها تغير بعد مرور هذه السنوات، حسنا عليها ان تتقبله كيفما كان فلا خيار امامها غير قبول هذا المصير المحتوم.
لا يعلم صالح كم غط في النوم، ولكنه يعلم ان الوقت مساءا الآن، فقد تناول برفقة ماسة العشاء ومن ثم افترقا ليخلدا الي النوم ويتابعا ما خططا اليه صباحا، ولكنه يستشعر بحركة غريبة في المنزل، وكأن هناك اشخاص غيرهما داخل البيت، نهض ببطىء وحذر شديد، وما ان وصل الى الباب حتى دفع بقوة الي الخلف ليسقط على ظهره متألما، صاح حاتم معلنا بانتصار وهو يوجه سلاحه المرخص الي صالح:
قاسم، انه هنا...
وما كاد يكمل جملته حتى اندفع قاسم من خلف حاتم، واخذ يكيل له اللكمات والركلات مزمجرا بوجهه:
كيف تجرأت على لمسها ايها اللعين الخبيث...
حاول حاتم ان يستثنيه عن فعله ولكن دون جدوى، فكل ما فعله صالح هو تلقي الضربات بابتسامة ساخرة، صابرة، متشفية، وبالرغم من عدم دفاعه عن نفسه الا ان هذا لم يشفع له عند قاسم الذي كان غضبه وصل لذروته، أخذ يصرخ على صالح بعنف:
أين هي؟! أين أخفيتها ايها اللعين؟!
اخترق صوت حاتم المحذر، ركلاته وصرخاته العنيفة، لصالح الذي تكور الي جانب سريره يحاول ان يتلقى الضربات بيديه، كي يحمي ما تبقى من معالم وجه المدمر، ولكن قاسم لم يأبه تماما لتحذيرات حاتم، فلا احد سيخلصه من بين يديه، صالح سوف ينال جزاء أفعاله ولن يرحمه أبداً.
تعلقت قبضتيه بالهواء، فقد كانت في طريقها للكم وجه صالح الكريه، ولكن جسد صغير ضئيل، غطى جسد صالح الضخم بحنان بالغ، ونظرات دامعة باكية اخترقته لتصيبه بالصميم، يا الهي كم اشتاق لهاتين العنين، كم أراد ان ينقض عليها ليأخذها بين احضانه، ليعانقها بشدة حتى تتكسر ضلوعه من قسوة العناق، حتى تدمج روحه بروحها وجسده بجسدها فيصبحان قلبان في جسد واحد، همس بصوت متحشرج ملتاع من شدة الشوق والحنين:
ماسة! حبيبتي...
هبط فوق ركبتيه الي جانبها، وامتدت ذراعاه بتوق لعناقها، فوجد تلك الايدي الصغيرة الناعمة التي تاق الي لمسها، تصده عنها وتبعده باشمئزاز وغضب، اتسعت عيون قاسم المصدومة يحاول ان يفهم سبب ردة فعلها، يحاول سبر غورها، محبوبته الصغيرة ماذا تفعل، لما تصده و تخرجه من جنة احضانها، حدق داخل عينيها وراقب تحول نظراتها، هناك شيئا غريبا في نظراتها، فقد كانت نظراتها، باردة منطفئة، لا تحمل اي شعور، اللمعان الذي كان يسطع في مقلتيها اختفى، وحل مكانه سواد غريب مخيف وبارد، اخترقت قشعريرة حادة أوصاله، وطعنة حادة غرست عميقا في صميم وجدانه.
أشارت له ماسة حانقة غاضبة:
كيف تجرؤ على ضربه، لما قلبك قاس بلا رحمة، أنا أكرهك.
قاسم كان يعلم بغضبها منه، بل توقع ثورتها عليها، وكان متقبلا لكل ما سيناله منها، فهو يستحق هذا واكثر، لكن...ان تكرهه! احتبست انفاسه بألم، وأصاب قلبه شرخ لن يندمل، فقد كان كرهها له أسوأ كوابيسه، كرهها هو الطاعون الذي طالما تجنبه، فهو يفضل الموت الاف المرات على ان يشهد نظرة كره واحدة مسددة منها نحوه، كيف تكرهه ومن اجل من ولماذا؟! لا انها لا تفهم، هذا فقط كلام عابر، قالته بلحظة غضب هي لا تعنيه أبداً.
راقبها بنظرات بائسة يائسة حانقة وهي تحاول مسح الدماء النافرة من شفتي صالح وانفه، كانت تعامله برقة، تربت عليه، وترتب هندامه، وتحاول سنده ليقف على قدميه وتجلسه على حافة سريره، وأشارت له بيدها بلطف:
هل أنت بخير؟!
قاسم كاد يفقد صوابه، ماذا يحدث هنا؟ أخبره قاسم على الهاتف بأن ماسة موجودة معه بكامل ارادتها، أخبره بأنه لم يختطفها، وأنها سعيدة جدا برفقته، وبالغد سيتفق على موعد لمقابلته، ليمحو سوء الفهم الذي وقع، قاسم ارتاب بحديث صالح، فنبرته المهددة زالت، وحل مكانها السخرية، اسلوبه الفظ المغيظ ايضا اختفى ليحل مكانه تفكيره العقلاني الحكيم، شعر قاسم بأن هناك مخطط دنيء في ذهن صالح، وانه يحاول كسب الوقت ليس الا، لهذا اتفق مع حاتم ان يقتحما المنزل هذه الليلة، كان يريد رؤية ماسة بشدة، كان يريد ان يدحض اقوال صالح ويثبت عكسها، كان على يقين بأن صالح، يكذب عليه وان ماسة لا تفقه شيئا مما اخبره به وليس لديها علم بشيء، كان واثقا بأنه سيجدها مقيده معذبة، باكية وفي انتظاره بلهفة ليخلصها من براثنه، لكن ان يراها حرة طليقة، شديدة الخوف على صالح، تحاول مساعدته، تحنو عليه وتلامسه بلطف، تبكي له وعليه ولأجله، وهو قاسم تنبذه وتدفعه بعيدا عنها وتنعته بالقسوة وعدم الرحمة، وكأنه سلبها أعز ما تملك، كيف تغيرت مجرى الامور ووصل الي هنا، هل تكرهه، حقا! هل كرهته حقا؟! ماسته الثمينة الغالية على قلبه، كيف يمكنها ان تكرهه؟!
انقض قاسم عليها يسحبها من ذراعها، جرها خلفه مبعدا اياها عن صالح، ودفعها خارج الغرفة وهو يأمر حاتم بتهديد مخيف:
ابق معه ولا تتركه أبداً حتى أعود اليك.
وخرج ليتابع سحب ماسة الي باب البيت ومن ثم الي الخارج فوق الدرجات القديمة المتآكلة، ولم يبالي بمقاومة ماسة الضئيلة الرافضة لتصرفاته العنيفة، كانت تفكر بإمكاني الصراخ عليه، اشعر بأنه يمكنني ذلك، يمكنني ايقافه عند حده وامره بتركي والخروج من حياتي، بإمكاني ان اقسو عليه وأشتمه، وازرع الكره في قلبه نحوي، بأمكاني تغذية هذا الكره ورويه حتى يتجذر داخله و يقتلني في قلبه ويطردني من حياته، اجل سأفعل ذلك وسأنجح بذلك، دون ان استخدم صوتي، دون ان أصدر ادنى صوت، عليه ان لا يكتشف بعودة صوتي، عليه ان يستمر بالاعتقاد بأني عاجزة معاقة لا نفع مني ولا فائدة، حينها سيسهل التخلي عني، سيعيدني بيديه الي حاويتي، وابدا لن يندم على فراقي ولن يفكر أبداً بإعادتي، ارتسمت على شفتيها ابتسامة منتصرة سعيدة، فهي واثقة هذه المرة من نجاح مخططها، قريبا جدا سيحصل كلاهما على حريتهما المفقودة، ماسة لن تعود أبداً الي كنف قاسم، وقاسم بنفسه سوف يتخلى عن ماسته.
اخبريني ما الذي أصابك بحق الله، ان ذلك الوغد ليس شقيقك حتى! فلما تدافعين عنه؟
كانت صامتة هادئة كعادتها، تراقبه دون حراك دون اي تبدل في ملامحها الهادئة الجميلة، قاسم كاد يفقد صوابه من برودها فهو لا يعلم ماذا يفعل؟ كيف يخرجها من هدوئها القاتل؟ وماسة ذات نفسها لم تكن تعلم من اين تبدا بخطتها، لم تكن تعلم ما هو الشيء الأكثر إيلاماً والأشد قسوة الذي عليها بدء حديثها به، ولكنها في داخلها تعلم بأنها لديها الورقة الرابحة كي تستخدمها، تعلم أين موطن ضعفه، ومكمن سره، وتعلم كيف السبيل للتغلغل عميقا داخل وجدانه، ماسة تعلم جيدا كيف تحول كل هذا الحب والاهتمام، إلى كره وإهمال وجفاء، إلا أنها أرادت أن تطيل اكثر، من مدة بقائها معه، تريد أن تتنعم بسماع صوته الشجي، الذي طالما حلمت بسماعه والتغني به، أرادت أن تطيل من لحظة الوداع، لأنها تعلم انه لن يكون هناك لقاء آخر بعد هذا اللقاء، في قرارة نفسها، علمت بأنه اللقاء الأخير، والفصل الاخير في حكايتهما معا، كان داخل السيارة يصرخ محتداً غاضباً نافذ الصبر، ينتظر ردها، ينتظر شعاع الأمل الذي سوف ينبثق من عينيها المطفأتين، ولكن لا إستجابة ولا بريق أو حرارة لمستهم، تنهدت ماسة وهي تفتح باب السيارة، خطت خارجها وأخذت نفسا عميقا بطيئا وطويلا، رائحة البحر الزكية تغلغلت داخل أعماقها، يا الهي، كم اشتاقت للبحر وامواجه المتلاطمة، كم تمنت لو امكنها النزول اليه ومهاجمته بقبضاتها القوية، كم اشتاقت لرياضاتها المختلفة التي أدمنت ممارستها، كم اشتاقت لماضيها في حضن والدتها وفي كنف قاسم الطفل الصغير العابث المشاكس، كم تمنت لو يعود بها الزمن الي الخلف، إلي ذلك اليوم الذي كان طفرة مهولة في حياتها، وصدح صوت حنان في ذاكرتها، وكأنها تسمعه الآن في هذه اللحظة:
هل تحبين ان اخذك الي المدرسة بنفسي؟
كانت ابتسامة حنان في تلك اللحظة كالشمس الساطعة التي أضاءت لياليها وايامها المظلمة، كانت ابتسامتها الحنون الرقيقة بلسم لجراحها ودواء لدائها، حدقت ماسة في ضوء القمر الساطع وكأنها تحدق في ابتسامة والدتها المحبة، وهمست ماسة بكل رقة وبصوت حالم بعيد.
أشكرك، ولكن..لا فائدة من صهر الفحم، فمهما انجلى وعلى واغتلى، وتحول الفحم ليصبح اسمه ماساً، لن يُنسى أصله أبداً.
وتركت الطفلة ماسة يد حنان العطوفة وركضت الى داخل منزلها المتهالك، الى كنف والدها الحانق الى جانب زوجة أبيها الشامتة، بالقرب من أشقائها اللدودين، ونظرت نظرة أخيرة الى حنان، كانت نظرة الوداع، وقد اضاء وجهها الصغير بابتسامة مشعة بريئة ورفعت كفها الصغير بتحية الوداع الى حنان الواقفة بعيدا تراقبها بابتسامة حزينة، وهي ترد لها التحية وتعود أدراجها، بخطوات بطيئة مترددة الى السيارة الفارغة وتصعد إليها وتنطلق بعيدا جدا عن عيني ماسة الدامعة الحزينة التي ظلت تراقبها الى ان تلاشت في متاهات عقلها وفي غياهب الوجدان.
هل تكلمت؟!هل كان هذا الصوت لها؟ أيعقل أنه سمع صوت همسها؟ ولكن هذا مستحيل فحبيبته بكماء، ذلك الصوت الذي حملته اليه نسمات الهواء الرقيقة، لا يمكن أن يكون صوت ماسته الغالية، ولكن لا يوجد أي أحد غيرهما على شاطئ البحر في منتصف الليل الحالك السواد، يستحيل أن يكون الصوت للبحر أو السماء أو حتى لهسيس الهواء، تقدم منها بخطوات بطيئة، خطوات ثقيلة مترددة متأملة، كانت ترفع وجهها نحو القمر، كان وجهها، مضيئ كالبدر المتوهج، وعيونها المرتجفة مغلقة بإحكام، وقد ارتسم الحنين والألم على محياها، وتكورت شفتاها بدعاء صامت صادق، تساءل.. .بماذا تدعو وماذا تفعل؟ وقف أمامها بقلب واجف وعقل حائر، وقف مسحورا مأخوذا بلوحته الفنية، التي لا يعرف سرها غيره، والذي لا يمتلك مفاتيحها سواه، والتي يستحيل ان يسمح لغيره ان يسلبه ما عانى سنينا كي يصل اليه.
رمشت بعينيها العسليتين الحالمتين لتجد قاسم ماثلا أمامها، محدقا بها بعبوس، حاملاً قلبه على كفيه منتظرا إشارة منها، أو توضيح يريح قلبه وعقله، أي حركة منها كانت ستشكل له أملا ولو ضئيلا، حركة صغيرة لعينة غير هذا الجمود البارد اللعين:
لا يمكنك ان تعودي الي عائلتك التي تخلت عنك وباعتك في الصغر، ماسة! لا يمكنك أن تتركي جهد والدتي يذهب هدرا.
انحدرت الدموع من عينيها كالسيل الجارف، فقد تأججت مشاعرها، داخلها واندفعت خارجة من جسدها، على شكل دموع ماسية براقة، وهمست بألم وشجن يعتصرها بشدة:
أكرهك كثيرا! لما تركتها ترحل دون ان تسمح لي بوداعها؟
تسمر في مكانه من هول الصدمة، ماسته تحدثت اليه، ان ماسته تتحدث حقا! يا اله السموات والأرض، انها لمعجزة تمناها من أعماق قلبه ان تحدث واصطدمت فرحته العارمة بصدمته الشديدة القاتلة، وطغت على ملامحه الواجمة، هل قالت بأنها تكرهه؟ إنها نت المرة الثانية على التوالي، ترمي هذه الكلمة المقيتة، البغيضة على مسامعه، انقبض قلبه بألم، أولى كلماتها له أولى همساتها التي تاق أن يسمعها يوما، كانت (أكرهك) يا الهي! ما هذا الألم الذي غرس عميقا داخل قلبه، ما تلك الطعنة الغادرة التي لم يتوقعها أبداً! كيف يمكن لقلب، حملته بين ضلوعي طوال سنوات عمري، كيف له ان يحمل الكره لي ومتى واين حدث هذا؟!
متى عاد اليك صوتك؟! منذ متى بدأتي بالكلام؟ أو هل يعقل...هل، كنت تخفين حقيقة انك تستطيعين التحدث، طوال تلك السنين؟
هزت برأسها نافية، هل تسمع أذنيه ما ينطق به لسانه، أيعتقد فعلا اني من الممكن ان أخدعه، هو ووالدتي طوال تلك السنين، ام انه لم يعد يعرفني، لم يعد يثق بي، بعد ان اخترت صالح ونبذته، تنهدت بعمق وهمست:
لن ألومك أبداً، يمكنك التفكير كيفما شئت، هذا لم يعد يهمني.
صوتها سلب لبه، فقد كان اجمل من خيالاته كلها، هي لا تعلم كم تمنى وتخيل سماع صوتها الشجي الحزين، كم تمنى ان يسمع صوتها، يصرخ مناديا باسمه، كم كانت له العديد من الاحلام والخيالات التي رآها فيها تحادثه برقة ولطف، ولكن الحقيقة فاقت تخيلاته وهزمتها، لدرجة انه ما عاد يتذكرها امام جمال وروعة الواقع.
لا اصدق بأنني أتحدث اليكي، أشعر بأنه حلم جميل وأخشى ان يقوم أحد بإيقاظي.
همست برقة:
يجب عليك سماعي، اريد العودة الي عائلتي الحقيقية.
لا أرجوكي لا تفعلي، لا تقتليني ببطء، لن احتمل هذا، حاول معها مجددا، عله ينجح في استعطافها:
أتريدين لأمي أن تتعذب في تربتها، لو كانت حية هل كنت ستجرؤين على طلب هذا منها؟!
هزت أكتافها بانهزام:
لا استطيع اجابتك على هذا السؤال...فهي ليست حية للأسف، سأدعو لها في كل صلاة، لن انسى ما فعلته لأجلي أبداً، وليشهد علي خالقي ان حبها سيبقى خالدا بقلبي وامتناني لها أبداً لن يزول، ولكن...
حثها لتكمل بشوق بأمل بلهفة:
لكن...
اتسعت ابتسامتها البريئة:
انه أبي! لا يمكننني لومه او عتابه او حسابه، انه ابي! بعيوبه بندوبه بأخطائه، لا يمكنني الا ان اغفر وأنسى أو اتناسى هفواته، والدي الكهل العجوز الذي لم يستطع إعالة طفلة خرساء معاقة، لا يعلم لما ابتلاه الله بها في حين أنه صحيح البدن مكتمل الخلقة، خالي من أي عيب، لن الومه فهو من البشر يخطأ ويذنب، والله يغفر، فمن انا كي لا اغفر له زلاته.
لم يعلم كيف يرد او يجيب، فقد افحمته بردها، ولا يملك ردا يضاهي ما ردت عليه به، ولكنه يعلم جيدا مدى خبث والدها، واثق من نواياه الانانية الدنيئة، وابدا لا يمكنه ان يسمح لذلك الجشع بأخذها الي كنفه مجددا، فلو استشعر ولو قليلا من الصدق في مسعاه لرؤية ابنته الوحيدة، لربما حينها وثق به، ولكنه يعلم هدفه جيدا، ولكن ما يمنعه هو عدم رغبته برؤية ماسته تنال خيبتها العظيمة مرة تلو الأخرى، لا يمكنه ان يتسبب في حزنها مجددا، ولربما كانت هذه مجرد أفكاره وتهيؤاته، لربما والدها، يرغب حقا بإعادة الوصل مجددا، وهذا لن يعرفه على الفور، فعليه المجازفة كي يتأكد من صدق نواياه.
ولكنه أبداً لن يجازف بمحبوبته، وضع يديه فوق اكتافها وادارها نحوه محاولا اقناعها، وان لم تقتنع فهو على استعداد لإخضاعها، فلا شيء سيجعله يتوانى او يتخاذل حينما يتعلق الأمر بحب حياته السرمدي.
والدك بإمكانه ان يأتي لزيارتك في الوقت الذي يشاءه، وأنتي مكانك ما زال محفوظا وبانتظارك.
ابعدت يديه عنها، وقد عادت نظرة الاشمئزاز تغرق ملامحها، وقالت ببرود:
لا مكان لي داخل بيتك يا قاسم، فنحن الآن أغراب، وما كان يجمعنا قد انتهى، لا رابط بيني وبينك.
شعر قاسم بغضب شديد يجتاح كيانه، ماذا تفعل به تلك الغبية، كيف سيعدل قرارها، لا يمكنه تركها تتصرف على هواها، حدق اليها مجددا ليرى الاصرار والعزيمة في عينيها، وحينها أدرك أن خوضه معركة معها الآن ستكون نهايتها فاشلة بالتأكيد، لذا تنهد باستسلام قائلاً:
ان هذا الكلام سابق لأوانه، دعينا نعود الى منزلنا الآن، وفي الصباح سنعيد النقاش بهذا الشأن؟
تعود معه؟! الي بيته! أنت واهم يا قاسم، زفرت ببطىء وهي تشدد على كل حرف تقوله:
تقصد منزلك! لا، سأعود الآن إلى...
لم تكمل جملتها اذ ان يديه القويتين امسكتا بها بشدة لتهزها بقوة وهو يصرخ بها بحدة:
توقفي عن اختبار صبري يا ماسة! ستعودين معي الى البيت الآن وغدا سنتابع حديثنا، هل هذا واضح؟!
نظرت ماسة بنفاذ صبر، عليها ان تثبت له، بأنها الوحيدة التي تمتلك قرارها، عليها ان تنهي رحلة عذابها معه بيديها، وان لم تفعل ذلك الآن، فلن تفعل ذلك ابداً.
انتزعت نفسها من بقوة، وصبت نظراتها القاسية عليه صبا، وقالت بصوت عالي اخترق سكون الليل واختلط بصوت الامواج المتلاطمة:
لا يحق لك لمسي أو الصراخ علي، لا يحق لك فرض أوامرك ولا يمكنك الزامي بطاعتك، وبالتأكيد ذلك البيت بجدرانه وزواياه وذكرياته الحلوة والمرة منها، ليس بيتي ولا علاقة لي به ابدا، كل هذا أصبح من الذكريات، الآن انت حر، بإمكانك العودة الي. خطيبتك، اتمام زواجك وعش حياتك، فنحن بالنهاية لسنا شقيقان، ولا علاقة تربطنا.
ضحك قاسم بسخرية حين تغلغلت كلماتها الي ثنايا عقله، انها واهمة، تلك البلهاء الغبية لم تعرفه ولم تفهمه يوما، هي لا تعلم بأنها بعد وفاة والدته أصبحت مرتبطة منه برباط مقدس، رباط أثيري، قوي ومتين.
اتجهت ماسة الى سيارته وصعدت اليها وهي تحدق به تتحداه ان يعترض على كلماتها تفرض عليه تصرفاتها وتتوقع منه ان يرضخ ويستجيب، ولكن قاسم لم يرد استعجالها، أراد ان ينهي أموره العالقة اولا ومن ثم سيتفرغ لها ومن أجلها.
صعد الي جانبها وجلس خلف المقود شاخصا بالنظر أمامه، وأخذ يطرق بأصابعه فوق المقود ضربات رتيبة خفيفة، ولم يتحرك او يشغل السيارة، نظرت له ماسة بعبوس:
ماذا تفعل؟!
قال ساخرا بشدة:
أنتظر أوامرك انستي؟! أين علي الذهاب؟!
اتسعت عينا ماسة بصدمة وأجابته بكل بساطة:
خذني الى صالح، ذلك المسكين من يعلم كيف أصبح حاله الآن؟
هذا لا يمكن.
عبست ماسة، وحدقت به متسائلة، التف قاسم اليها بجسده ليواجهها، واجاب سؤالها العالق في حنجرتها، وهو يكز على اسنانه لتخرج كلماته غاضبة، متقطعة من أثر تشديده على كل حرف ينطقه، بغيظ حاول كتمه بجهد خارق وبالرغم من ذلك ظهر واضحا جليا في كلماته:
ان صالح أيضا ليس شقيقك، ولا يمكنك البقاء معه داخل شقته وحدكما والشيطان ثالثكما، لذا...اختاري جحراً آخر غيره لتهربي مني.
وبالنهاية ولأن الوقت متأخرا جدا، رسي الأمر على ان يذهب برفقتها الي بيت صالح، ويبيت معهما هذه الليلة حتى الصباح، وماسة لم تستطع الرفض طبعا، فلو رفضت لبقيا طوال الليل على شاطئ البحر يتناقشان دون نتيجة.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم