الفصل الثاني
طوروس شعر برجفة قوية سرت في أوصاله كالكهرباء، هذه المرأة لا تصلح ابدا كأم لتلك الطفلة الصغيرة، وذلك الرجل الديوث الذي يراقب زوجته بفخر واعتزاز كأنه عمل يشاد به لا يستحق ابدا ان يكون والدا لطفلة صغيرة بريئة، ذهب طوروس الى مهد طفلته وأخذ يراقبها بأسى، ماذا يفعل بشأن هذه الطفلة، هل يتركها تواجه مصيرها المشؤوم، أم عليه أن يتدخل ويخطفها من هذه العائلة السيئة ويهرب بها. وحينما استقر رأيه على الخيار الآخر وبدأ بتدثير الطفلة جيدا كي لا تتعرض للبرد عند خروجه، قوة خفية دفعته لتلقي به بعيدا عن الطفلة، ليصطدم جسده بالجدار ويسقط فوق الأرض متألما، حاول طوروس الوقوف على قدميه متألما، وهو ينظر حوله بغضب باحثا عن شخص آخر غيره داخل الغرفة:
- اللعنة! من أنت وماذا تريد أيها اللعين!
ضحكة مخيفة صاخبة اخترقت مسامعه، ومن العدم ظهرت له كتلة نار صغيرة أخذت تكبر تدريجيا وتتشكل على هيئة رجل ضخم مخيف، شعره أبيض كثيف ولحيته سوداء طويلة تزعج الناظر اليها، بينما أذنيه طويلتان بارزتان من خلف شعره الذي وصل طوله الي منتصف ظهره، اتسعت عينا طوروس وهو يراقبه، كم مضى عليه من السنون دون أن يظهر له مجددا، منذ ذلك اليوم المشؤوم وقد اختفى ذلك الخبيث ولم يعد لرؤيته مجددا، شعر طوروس بالغضب يتسلل إلى عروقه، لما ظهر الآن، ما الذي يريده منه، وكيف عرف مكانه، هل كان يراقبه طوال تلك القرون دون أن يحرك ساكنا لمساعدته، ذلك اللعين، هذه المرة لن يرضخ له ابدا، سوف يحاربه وبكل قوته لن يجعل الشر يهزمه هذه المرة:
- عزيزي طوروس لقد مضى وقت طويل لم نرى فيه بعضنا!
شد طوروس على أسنانه بغضب وهو يحدق بجوثوم الذي برزت أنيابه الحادة والتمعت عيناه الجاحظة وهو يراقب طوروس باستمتاع.
طوروس بعد أن استدرك الأمر تغلغل الغضب الشديد بداخله ولم يحتمل سخرية جوثوم منه فأنقض عليه ليكيل له الضربات إلا أن جوثوم اختفى من أمامه بسرعة وضحكاته الصاخبة تعلو وتشتد ليظهر في زاوية أخرى خلف طوروس الغاضب.
- أيها الوغد اللعين، سأجعلك تندم على ما فعلته بي!
استمات طوروس في محاولته للامساك بجوثوم الذي كان ينساب بين يديه كالسراب ويختفي بسرعة البرق ليظهر في زاوية أخرى بعيدة عن قبضة طوروس الذي أخذ يلهث بشدة وهو يراقب سخرية جوثوم منه ومن قوته الضئيلة في مواجهته.
- يبدو أنك لم تتعلم قط طوال هذه السنوات يا طوروس، ما زال ينقصك الكثير!
تكلم طوروس من بين أنفاسه المتسارعة:
- ما ينقصني فعلا هو رؤيتك ميتا أيها الشيطان الخبيث.
ضحك جوثوم وهو يحوم حول طوروس باشمئزاز وحقد دفين:
- لست سوى كائن حقير ضعيف، لا يمكنك أن تتغلب علي أبدا، أنا اقوى وأذكى منك وما أنت إلا مخلوق ضعيف لا أهمية له.
استفز طوروس من أسلوبه المتغطرس، يا الهي كيف خدع به بالماضي، كيف استطاع إقناعه بالنعيم والخلود الأبدي وهو قام بتصديقه والخضوع له كالأحمق، كان في منتهى الغباء حقا، صرخ طوروس غاضبا من نفسه ومن جوثوم ومن كل ما يحيط به وعاد للانقضاض على جوثوم مرة أخرى، ولكن قبل أن يصل بيديه إلى عنق جوثوم تجمد في مكانه ولم يستطع الحراك ولو لخطوة واحدة وتعلقت يداه الممتدتين إلى عنقه في الهواء، وكأن هناك حاجز خفي يمنعه من الوصول إليه، جلس جوثوم مقابله وابتسامته المقززة تتسع ببطىء بينما نفث في وجهه كلماته السامة:
- انت من رفض أن تكون من اعواني، انت من جعلتني اتخلى عنك بسبب غبائك، ما كان يجب أن تستمع إلى كلام هزار، وتتآمر معه ضدي، ما يصيبك الآن هو نتاج اختياراتك الخاطئة، عليك أن تتحمل نتيجة أخطائك.
قال طوروس من بين أسنانه بعد أن استسلم من محاولته الفاشلة في النيل من جوثوم :
- وهذا ما احاول التعايش معه طوال هذه السنين، فلماذا عدت لتظهر في حياتي الآن.
قال جوثوم ساخرا:
- لم أكن لأفعل ذلك لو لم تحشر أنفك الغبي فيما يخصني!
سخر طوروس مستنكراً:
- أنا؟! ومتى فعلت ذلك؟! ام أنك تحاول ايجاد مبررا سخيفا لمثولك أمامي.
انقض جوثوم فجأة ليمسك بعنق طوروس بينما أظافره السوداء الطويلة تنغرز في رقبته بشدة مؤلمة:
- لست بحاجة لأي مبرر كي أوقفك عن تصرفاتك الغبية طوال تلك السنين( وصاح بقسوة غاضبا متسببا بأنفجار ضوء المصباح الذي كان ينير الغرفة الصغيرة) أتعتقد بأن الهك سيغفر لك أخطائك، أيها الأحمق لا شيء سيغير مصيرك مهما فعلت، انا وانت مصيرنا واحد، علينا أن نتحد سويا، كي نستطيع أن نحكم الأرض ونسيطر عليها أو نبيدها على بكرة أبيها.
حينها أدرك طوروس بأن هناك شيء فعله، جعله يوقظ الشيطان من نومه، هناك بالتأكيد أمرا خطيرا دفع هذا الشيطان للظهور بحياته مجددا، فهذا الشيطان لا يظهر إلا إذا تعلق الأمر بمصيره المحتوم، ومع إدراكه بهذه الحقيقة السعيدة، شعر بالحماسة تغمره، وتسللت ابتسامة منتصره الي شفتيه تحولت إلى ضحكة صاخبة، جوثوم بنفاذ صبر وصرخة مدوية القى بجسد طوروس الضعيف ليصطدم مرة أخرى بالجدار ويسقط فوق الأرض دون أن يتوقف عن الضحك الهستيري الذي تأجج داخله، بينما راح جوثوم يحوم في المكان ذهابا وإيابا وصوت زمجرته الغاضبة تصل إلى سمع طوروس الشامت كسمفونية موسيقية:
- فلتستمع لي أيها الكائن الحقير، دع هذه الطفلة لمصيرها، فأنا امتلك روحها واتحكم بها، لا يمكنك التدخل بأي شيء يخصها، أن رأيتك تحوم حولها بأي شكل من الأشكال سأقتلك وأقتلها.
توقف طوروس فجأة عن الضحك وقال بحقد وهو يمعن النظر الى جوثوم:
- يبدو أنك نسيت بأنني ملعون إلى نهاية كوكب الأرض ولا يمكن لك او لغيرك قتلي، علي أن أشكرك على هذه اللعنة الأبدية فالفضل يعود لك بذلك.
التمعت عينا جوثوم بغضب وحقد، فهو بالفعل لا يستطيع قتل طوروس، ولكن إذا استطاع إقناعه بالانضمام إليه سوف، يعيثون في الأرض فسادا، وسوف يحقق مراده ووعيده بايقاع ذرية أدم اشملها في الجحيم، فهو لن يدخل الجحيم وحده. اتبع جوثوم استراتيجية جديدة في التعامل مع طوروس، وقال له بكلمات ساحره تسلبه عقله وتجعله يتحكم به.
- طوروس أنا لم أتركك للحظة واحدة، فأنا كنت أراقبك طوال هذه السنين، رأيت محاولاتك الحثيثة لنيل الرضا، ولكن الهك قاسيا جدا ولا يحبك أبدا، بالرغم من أنه يغفر جميع أخطاء البشر، الا انه استثناك انت ولم يغفر لك أخطائك ولم يقدر جهودك، أنا أعلم بأنك تستحق الأفضل، سوف أهبك القوة التي تشاء، واجعل لك من اعواني خدما تحت أقدامك، سيكون بإمكانك الحصول على الحياة التي أردت، سوف تتمكن من الحب والزواج والانجاب، وستعوض كل ما فاتك على سطح الأرض، ولكن علينا أن نتحد سويا، دعنا نوحد قوانا ونعمل كشخص واحد.
قطب طوروس حاجبيه، وقد أصاب كلام جوثوم مراده فعلا، أنه عرض مغري حقا، وفي النهاية هو لن يعود إلى الجنة وسيخلد في الجحيم الي الأبد، إذن لما لا يستمتع بحياته ويعيش بها مادامت النهاية واحدة، وقف طوروس على قدميه وقال بغموض وثقة:
- أنا موافق، إذن أخبرني ما المهمة التي علي القيام بها كي احصل على النعيم في الحياة؟!
افترت شفتا جوثوم عن ابتسامة نصر شيطانية وهتف وهو يحتضن طوروس بين ذراعيه الطويلتين:
- لن يستطيع أحد التغلب علينا، فأنا وانت معا سنتغلب على الجميع وننتقم ممن تسبب في طردنا من جنة الخلود.
كانت يد جثوم التي تربت على ظهر طوروس ثقيلة مقيتة، وللحظات شعر طوروس بالغثيان من شدة احتضان جوثوم له، فهو لم يرتاح له ابدا ولا لعرضه ولكن عليه أن يتظاهر بالإذعان ليعرف هدفه وماذا ينوي بخصوص هذه الطفلة المسكينة، فهو لن يثق به مجددا أبدا، فقد تعلم درسه ولن يعود لنفس الخطأ مرتين..

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم