القائمة الرئيسية

الصفحات

 

الفصل الرابع

راقبت لونا الوافدين والجالسين والسكارى الهائمين، وهي مشمئزة من جميع ما يحيط بها، اقترب رجل بدى في العقد الرابع من عمره، يحمل بيده زجاجة نبيذ وباليد الأخرى سيجارة مهترئة، مال إليها هامسا:


- راقصيني ايتها الجميلة!


نظرت لونا بسرعة الي توماس، تحاول الاستنجاد به، ولكنه لم يعرها اي اهتمام فقد كان منهمكا جدا في التركيز على العجلة الدوارة التي ستمكنه من الفوز، عادت لونا بنظرها إلى الرجل الاربعيني، قائلة بأدب جم:


- أشكرك سيدي، ولكني لا أرغب بالرقص.


ضحك الرجل ساخرا، ومد أصابعه الغليظة ليمسك بذراعها ويسحبها لتقف بمواجهته، قائلا بثقة وغرور:

- هيا يا فتاة! سأدفع لك الثمن الذي تريدينه، فقط كوني رفيقتي.


وبالفعل انتزعها من مقعدها بسهولة وجرها خلفه الي ساحة الرقص، لونا كادت تموت من الخوف، وكانت نظراتها مركزة على توماس الذي لم يلاحظ شيئا مما حدث، وهي كانت تحاول أن تحل الموضوع بعقلانية، كي لا تلفت الإنتباه اليها، وقفت في ساحة الرقص الواسعة، تنظر إلى الراقصين الذين يتمايلون حولها، بمجون واستهتار، ومن ثم عادت بنظراتها لرفيقها الغليظ، وقالت بصوت عال، كي يستطيع سماعها:


- ٱسفة! أنا لا أستطيع الرقص، بالاذن منك.


واستدارت عائدة الي طاولتها، الا ان الرجل الغليظ أحاط بها من خاصرتها وسحبها نحوه لتصطدم بصدره بغتة، شهقت لونا بصدمة، فقد تجاوز هذا العجوز كل توقعاتها، وهي كانت تحاول تفادي المشاكل في هذا المكان المريب، ولكن على ما يبدو أن المشاكل لا تتفاداها، وكان ذلك الرجل يضمها بشدة إليه من ظهرها، وبدأت يديه تحومان فوقها بجرأة وقحة، مما دفع لونا لأن تدوس فوق قدمه بقوة، وفي الحال شهق الرجل متألما شاتما، وانتهزت.


لونا الفرصة لتحرر نفسها من بين ذراعيه، ولكن يديه انطلقنا مجددا كي تمسك بها، فتملصت لونا منه بسرعة وقد بلغ غضبها ذروته، والتفتت اليه، توجه له صفعة حادة حملتها كل غضبها ومقتها نحوه ونحو المكان الذي اضطرت لدخوله، وعلى أثر الصفعة عم الهدوء المكان، وتوقف جميع الراقصين عن اللف والدوران، وتركزت الأنظار عليهم، ما بين مصدوم ومندهش، وساخر، والقلة القليلة آسفون، على ما سيصيب هذه الفتاة، الا ان لونا لم تهتم، فقد حاولت معه بالذوق، ولكن هو من أراد هذا، رفعت اصبعها بوجهه، محذرة مهددة:


- اياك ولمسي أو الاقتراب مني! كان يجدر بك الاستماع إلي اعتراضاتي بدلا من ارغامي على رفقتك، حاول لمسي مجددا وأعدك بأنك سوف تندم!


ألقت كلماتها بوجهه وعادت إلى طاولتها، لترى توماس يضم النقود التي ربحها إلى صدره فرحا مختالا، نظرت إليه باشمئزاز، ذلك الوغد لا يوثق به ابدا، نظرت إلى المبلغ الذي يحتضنه بذراعيه، وسحبت منه رزمة كانت أكثر بقليل مما سرقه من شقيقته، وقالت لتوماس بحدة قبل أن تنسحب من أمامه:


- إن عدت الي حينا مجدداً، سأبلغ عنك الشرطة بتهمة السرقة، وساتاكد بأنك لن تخرج أبداً هذه المرة.


خرجت تلاحقها الأنظار المصدومة والمعجبة بشجاعتها، خرجت وهي لا تعلم باي مأزق أوقعت به نفسها، خرجت شامخة منتصرة مرفوعة الرأس وقد حصلت على ما أرادته.


كانت فرحة ماتيلدا لا توصف بعودة مالها اليها، وكانت فرحة لونا تماثلها بل أضعافا مضاعفة، فماتيلدا؛ كانت خير عون لها بعد موت والدها، ولطالما شعرت لونا بالامتنان لها لوجودها بقربهم في تلك الأوقات الصعبة، وقد كانت سعيدة لأنها استطاعت مساعدتها والوقوف إلى جانبها في محنتها، في تلك الليلة نامت لونا الجميلة مرتاحة قريرة العين، وقد شعرت بأنها قامت بإنجاز كبير وخطير، وخرجت منه بأقل الأضرار.


كانت المحاضرة شيقة جدا وبها كم كبير من المعلومات التي تاقت لها لونا، وقد نالت إعجاب جون ببراعة للحد الذي لم يستطع انتزاع عينيه عنها، فقد كانت طالبة مجتهدة وقد لاحظ ذكائها ونباهتها وتعطشها للعلم وجمع المعلومات، وفي نهاية المحاضرة طلب منها انتظاره قبل أن تفر هاربة كعادتها، وعلى مضض بقيت لونا في مكانها وقد شعرت بنظرات زملائها تخترقها مستنكرين طلب دكتورهم الصريح بالاختلاء بها، وبخيبة وإحراج راقبتهم يبتعدون حانقون وعلامات الاشمئزاز ترتسم على وجوههم، كان بإمكانها رفض طلبه بكل بساطة ولكنها لم ترد أن تسبب له الاحراج أمام طلابه، ولكنها الآن ستتحدث معه بشكل مباشر وواضح، فهي لا تريد أن يساء فهمها، اتجهت إليه بخطوات واثقة وهي ترسم ابتسامة مهذبة فوق شفتيها، وقالت برسمية شديدة:


- المحاضرة كانت شيقة جدا دكتور، لقد استمتعت بها حقا.

أجابها جون بحبور وفخر:


- صراحة الطلاب المجتهدون امثالك فقط من يلاحظون ذلك، انتي بالفعل طالبة مثالية واتوقع لك مستقبلا باهراً.


قالت لونا باحراج:


- هذه شهادة اعتز بها حقا، إذن سأغادر الآن، اذا لم يكن هناك أمرا هام...


عبس جون بضيق وقال وهو يمعن النظر إلي تعابيرها الجادة:


- أشعر وكأنني افرض نفسي عليكي، اذا كنت منزعجة مني...


قاطعته لونا بسرعة، فهي لا تريد أن تكسر خاطره، وعليها أن تكون صادقة معه كي تتجنب المشاكل لاحقا:

- لا ازعاج على الاطلاق، الحقيقة أنا احترمك كثيرا واقدرك، كل ما في الامر...لا اريد أن يساء فهمنا...انت تفهمني أليس كذلك؟!


راقب جون تعثرها بالكلمات وفهم تماما ما أرادت أن توصله اليها، وهي محقة بلاشك خاصة وأنه لم يستطع انتزاعها من رأسه من أول لقاء، ولكن فكرة أن تتجنبه أمرا لم يعجبه مطلقا، قال بجدية:


- بالتأكيد أفهمك، ولكن أن يجتمع دكتورا مع طالبة متفوقة مثلك في دروسها ليس بالأمر الذي يساء فهمه.

وبلحظة إدراك سألها، وهو واثق من اجابتها:


- هل ازعجك أحد بهذا الشأن؟! هل قام أحدهم بالإساءة إليكِ.


سارعت لونا بالنفي، انه موضوع شائك وهي تفضل تجنبه تماما:


- ابدا، على الاطلاق، ولكني آخذ حذري فقط ليس إلا.

هز برأسه متفهماً، هي ما زالت في بداية الطريق وبالتأكيد هناك من يزعجها، وهو تكهن من هو فعلا، لذا لن يضغط عليها كثيراً وسوف يحل الأمر بينه وبين ذلك المدلل رجلا لرجل.


- لا بأس، انا أفهمك تماماً، حسنا أعطني هاتفك سأجل رقمي لديكي كي نستطيع التواصل بشأن الدروس المستعصية.


عضت شفتيها بحرج، فهي لا تملك هاتفا، ولكنها تنوي الحصول على واحد قريبا:


- ليس لدي هاتف! ولكن أعطني رقمك، واذا احتجت شيئا بخصوص المحاضرات، سأتصل بك بالتأكيد.

سارع بإخراج قلمه من جيبه، وخط رقمه سريعا وأعطاه لها مبتسما:


- اياكي والتردد بشأن اي سؤال، سأكون موجودا دائما لاجلك.


أخذته لونا شاكرة ومحرجة في نفس الوقت، فهي بدأت تشعر بعدم الراحة حياله، فهو بدى واضحا جدا، لدرجة لا يمكن أن يساء فهمها.


وما أن خطت خارج القاعة، امتدت يد بحركة سريعة تسحب الورقة من يدها، التفتت بسرعة متذمرة واصطدمت عينيها بعيناه الرماديتان الساخرتان، تشدق وهو يقرأ رقم جون:


- قلبي الصغير لا يتحمل! انتي سريعة جدا، حقا تغلبتي على سابقاتك من الفتيات.


حاولت سحب الورقة من يده ولكنها لم تستطع فقد رفع يده عاليا، ونظر إليها من فوق بتعجرف وغرور:

- اعدها إلي! ليس من حقك التدخل في شؤون الغير.

ضحك فرانكو ساخرا، وهو يتراجع مبتعدا عنها، ووضع الورقة بجيب سرواله الجينز:


- خذيها بنفسك أن استطعتي!


زفرت لونا بغضب، يبدو أنها لن تستطيع التخلص منه بسهولة، لحقت به إلي الخارج وراقبته وهو يتجه الي مقهى الجامعة، اختار طاولة منعزلة، وجلس إليها واضعا ساق فوق أخرى، ونظر نحوها بابتسامة خبيثة على جانب فمه الغليظ، وأشار لها بيده أن تأتي وتأخذ المقعد الذي يقابله.


وبخطوات يائسة نافذة الصبر اتجهت اليه، ومن بين أسنانها المغلقة قالت بغيظ:


- ماذا تظن نفسك فاعلا؟!


ابتسم ببراءة كادت تفقدها صوابها:


- أدعوك لفنجان من القهوة! هل هذا خطأ فادحاً؟!

ألقت لونا نظرة سريعة حولها، تتأكد أن الأنظار ليست منصبة عليهم، ولكن لسوء حظها، يستحيل أن يتواجد فرانكو في مكان لا تحيط به النظرات، تنهدت باستسلام حينما أشار لها بعينيه أن تجلس لتشاركه فنجان القهوة، جلست مغلوبة على أمرها فهي لا تريد أن تثير جلبة لا داعي لها، ليس وكل هذه الأنظار تحيط بهم، ابتسم فرانكو بانتصار، ورفع يده مشيرا إلي النادل أن يجلب فنجانين من القهوة، بينما لونا كانت تراقبه بغيظ وضجر، قالت بحدة:


- ماذا تريد؟!


- أنتي!


كانت إجابته سريعة، فظة، وفي غير محلها ابداً، جعلت عينيها الخضروات تتسعان بصدمة، وضربات قلبها تكاد تقفز خارج صدرها، ولم تعي أبداً أنها كانت تكتم أنفاسها، ارجع ظهره للخلف قليلا ساندا ظهره بوضع أكثر راحة، يراقبها بابتسامة ساخرة في عينيه، وأصابعه تدق فوق الطاولة بضربات رتيبة مزعجة، اخرجتها من ذهولها المفاجىء لرده الصريح الوقح، أطلقت نفسها المكتوم، وهي تهرب من نظراته المتفحصة، وشعرت وكأنها مكشوفة جدا وواضحة أمامه، حاولت استدراك الموقف وتجاوز تلك اللحظة الثقيلة بابتسامة ساخرة تماثل ابتسامته:


- هل يجدر بي ان أشعر بالغرور أو الاطراء؟!


علت وجهه تعابير الغرور والاشمئزاز وهو ينحني بجسده نحوها:


- لا هذا ولا ذاك!


وانحدرت عيناه على جسدها بنظرة مهينة متابعاً:

-  فلا يوجد بكي ما يثيرني.


لمح في عينيها الخضراوان اللامعتين ارتباكها لرده القاسي، بينما حاولت التماسك أمامه وتظاهرت بأن إهانته لم تؤثر بها على الاطلاق، ولم تفتها نظرة الانتصار في عينيه الحادتين، فقد أصابها في مقتل، وجرح مشاعرها، وهز ثقتها بنفسها، تراجعت للخلف بمقعدها، ونظرت إليه ببرود وهي ترسم ابتسامة جافة فوق شفتيها الجميلتين:


- لحسن الحظ مشاعرنا متبادلة، إذن ما دمنا متفقين على ذلك، دعنا ننهي سوء الفهم بيننا، ولا يعترض أحدنا طريق الآخر.


أتى النادل بفنجانين من القهوة وضعهم على المائدة أمامهما وانسحب بهدوء حالما لاحظ الجو المشحون بينهما، تناول فرانكو رشفة من فنجانه، وتنهد بسعادة وهو يستمتع بطعم القهوة المر اللاذع:


- لا شيء يضاهي فنجان قهوة في يوم عصيب.


عبست لونا، وهل لامثاله أيام عصيبة، كالتي تمر بها كل يوم، يا للسخرية، لاحظ فرانكو تعابيرها الساخرة كردة فعل على عبارته، تفحصها بنظرات باردة مستنكرة، وقال بحنق ظهر واضحاً جدا في طيات كلماته الحادة:


- نحن أيضا بشر ونعاني من أوقات صعبة أحياناً سواء صدقتي ام لم تصدقي.


اللعنة، لما يكون بإمكانه دائما ترجمة تعابيرها وقراءة أفكارها، أن التواجد معه في مكان واحد يوترها ويعيث خرابا في داخلها، فكيف حينما تكون مضطرة للجلوس أمامه وتبادله أطراف الحديث وكأنه الأمر الأكثر طبيعية على وجه هذه الأرض، زفرت لونا بنفاذ صبر قائلة:

- لا اعتقد بأنك جلبتني الي هنا لتحدثني بهذا الأمر، أعد الي ما هو لي ودعنا نفترق بسلام.


ابتسم فرانكو ساخرا وهو يخرج الورقة من جيبه، ومزقها أمام عينيها والقاها فوق الطاولة بلامبالاة أمام عيونها المتسعة باستنكار.


- في هذه الجامعة لا يحدث شيء دون معرفتي، علاقة المعلم بطالبته المراهقة وحصولها على اعلى الدرجات، بينما يظلم من يستحق، هذا أمر لن أسمح به أبدا.

شعرت بنوبة غضب كبيرة تجتاحها، من هو كي يأخذ عنها قرارتها، ويفرض عليها اراداته، ذلك الأحمق من يظن نفسه ليحشر نفسه فيما لا يعنيه، كظمت غيظها منه وعدت حتى عشرة وهي مغمضة عينيها ومن ثم زفرت أنفاسها الغاضبة وفتحت عينيها تحدق به، ومن ثم رسمت ابتسامة جافة واسعة على شفتيها، بالكاد وصلت إلي عينيها، وقالت ساخرة:


- حسنا يا روبن هود، أتمنى أن تكون مسرورا لتخليصك الجامعة من من لا يستحقون.


وقفت بهدوء وهي تحمل حقيبتها، وتابعت بنفس السخرية:


- اعتقد انه لا حاجة لأن ادافع عن نفسي لانك لن تصدقني بكل الأحوال، شكرا على القهوة.


اتجهت بخطوات ثابتة واثقة وهي تشعر بالانتصار فقط لأنها تغلبت على غضبها واخفته جيدا، فقد قاومت رغبة قوية داخلها بسكب فنجان القهوة في وجهه، ذلك المتغطرس لقد تمادى كثيرا بوقاحته.

تابع...


تعليقات

التنقل السريع