الفصل الثالث
* دان*
أنهم صاخبون جدا، ولا يعلمون ما الذي يدور بخاطره، كان يشعر بالراحة لانه تمكن من إنقاذ حبيبته السابقة، وتمنى أن تأخذ درسها ولا تعيد الكرة مرة اخرى، سرح بخياله يتذكر شقيقه الأكبر (مايكل)، لقد مضى على فراقهم عشرة أعوام ، عشرة أعوام لعينة شاقة، يحاول البحث عن شقيقه دون أن يجده أو يسمع خبرا منه، وعاد بذكرياته إلى أخيه الكبير، كيف اعتنى به في صغره بعد وفاة والدته من قسوة العمل والفقر المدقع، كان والده رجلا سكيرا، لا يهتم بعائلته ابدا، كان يبرح والدته ضربا واهانة، ويأخذ كل ما جنته من مال ليصرفه على سكره وعربدته، وان عصت أمره وعادت مرة وحيدة دون مال، كان يجن جنونه ويضربها ويعذبها دون رحمة، لقد كان موتها فاجعة لأخيه الكبير، الذي أخذ على عاتقه العناية به وهو طفل صغير، و إنقاذه من والده حينما يفقد عقله ويتصدى لضرباته كي لا تؤذي دان، كان أخا حنونا جيدا، وطيبا إلى أبعد حد، كان من شيمه العطاء دون حدود ودون انتظار مقابل، كان اخ افضل من دان بكثير، بينما دان منذ صغره، نشأ على العناد والقسوة، فقد كان دائما يتصدى لوالده السكير، ويتهمه بأنه سبب موت والدته المسكينة، فتثور ثائرة والده وينقض عليه ليبرحه ضربا، ولكن مايكل كان يتلقى الضربات عنه ويحميه بجسده طالبا من والده الغفران، لطالما صرخ به والده بأنه يشبه والدته كثيرا، وأنه اسوأ ابن في الدنيا، ولا يستحق الحماية أو الاحتواء، لذا حينما توفى والده بسبب فشل كلوي تسببت به الخمور التي كان يبتلعها دون هوادة، لم يشعر دان بالحزن أو الالم، وعينه لم تذرف الدموع عليه ابدا، فقد كان رحيل والده بالنسبة له بداية حياة جديدة له ولشقيقه الحنون، فقد استطاعا العيش بسلام بعد موته، وجابهوا مصاعب الحياة يدا بيد، ومن هنا بدأت سعادتهما، ارسل ذراعه من نافذة الفان الصغير الذي كان يجلس في مؤخرته ومدد أصابعه ليستشعر ملمس الهواء الذي يتخلل اصابعه، وأخذ يدندن في عقله كلمات الأغنية التي كان يدندن بها شقيقه الكبير ويسترجع لحظات السعادة في كنفه ولم ينتبه لذلك الفان الفخم الذي كان يسير بموازاته ولم ينتبه لتلك الجميلة التي كانت تحاول الوصول إلى يده لتعانقها😓
*ماريانا*
وقفت تتأمل مظهرها بالمرآة، كان الفستان الذي ترتديه من اشهر الماركات وأثمنها، بالطبع فهي قد وقعت عقد عمل حصري مع أرقى الشركات وأشهرها في صناعة السيارات، كان العمل لصالح هذه الشركة ضربة حظ لمريانا، إذ أنها ستزيد من اتساع شهرتها عالميا، كما ستساهم في انهيال عروض العمل عليها من كل حدب وصوب، عدا عن الأرباح التي ستحصل عليها مقابل العمل لصالحهم، هتفت( سيرا) مديرة أعمالها بحماسة وهي تضع اللمسات الأخيرة على مكياج ماريانا.
- مذهلة حقاً...سوف تديرين رؤوس جميع الحاضرين...نحن سوف نذهلهم.
ابتسمت ماريانا بحزن، فقد كانت تتمنى لو كان مايكل الي جانبها في هذه اللحظات السعيدة، فهي وصلت إلى هنا بسببه، فقد كان يساندها بكل خطوة ويدافع عنها بلا هوادة، كان شخصا طيبا جدا، لا وجود للأنانية في طبعه، لم يبخل عليها يوما بمال أو حاجة أو خدمة طلبتها منه، مايكل كان لها كالاسطورة، شخص لن يتكرر ابدا، ولن تستطيع تعويضه مطلقاً.
التمعت عيناها بالدموع، ففي كل مرة تتذكره، تغشى عينيها الدموع، أنها تشتاق إليه كثيرا وتفتقده بشدة، وتتمنى لو يعود للظهور في حياتها مجددا، فهي حتى الآن لا تعلم ما الخطأ الذي اقترفته كي يتخلى عنها ويتركها.
- لا ...لا تفعلي...سوف تفسدين عملي المتقن...اياك والبكاء والا ضربتك ضربا مبرحا.
حذرتها سيرا بنبرة غضب، وعلى الفور تداركت ماريانا دموعها، وغيرت اتجاه افكارها، نعم هذه الليلة ستذهلهم، وحينما تلتقي بمايكل مجددا، سوف يفخر بها لأنها لم تخيب أمله ولم تضيع تضحياته سدى، رسمت ابتسامة واسعة فوق شفتيها المخملتين ذات الطلاء الوردي، بلون فستان سهرتها الطويل، وقالت بفخر وهي تنظر إلى سيرا:
- هيا...لنذهلهم معا.
*دان*
- اعلم انكي تملكين المال...فانتي ترسلين المال لابنك كل شهر...انا اريد مالي.
تالا خطيبة دان وحبيبته المتربعة على عرش قلبه، أو هكذا كانت تعتقد هي🥲 .
كانت تجمع الديون من السوق والمحال التجارية، ولكنها دائما تواجه المصاعب عند استردادها لمالها من الناس، فهم يتهربون من السداد دوما، ويرمون الحجج الواهية والمبررات التافهة لعدم الدفع، لو كان دان برفقتها كعادته، لما عانت بهذه الطريقة، فوجوده دائما كان يسهل كل أعمالها وتجري بسلاسة، تنهدت تالا بضجر وهي تستمع إلى رد المرأة العجوز:
- انا لا املك المال الان لما لا تصدقينني...سأدفع لكي بالمرة القادمة، لما تجادلين امرأة عجوز مثلي، هيا اذهبي ولا تكوني عنيدة
آي..تلك المرأة...فكرت تالا...سوف تأخذ تسترد مالها منها حتى لو اضطررت لخوض شجار معها، تلك المرأة العجوز صعدت الي الشاحنة غير مبالية لتهديدات تالا لها، وأمرت زوجها بالقيادة بعيدا عن تالا الغاضبة. هتفت بعناد موجهة كلامها إلى المرأة الشمطاء:
- عليكي أن تدوسي فوق جسدي إن رغبتي بالرحيل...لن تغادري دون أن أحصل على مالي.
واتبعت قولها بالفعل، إذ أنها تسطحت أمام الشاحنة في الشارع الطويل الضيق ووضعت قدميها فوق مقدمة الشاحنة مانعة اياها من التقدم، ووضعت أسفل رأسها حقيبتها الصغيرة التي تجمع المال بها، وراحت تدندن بلامبالاة مثيرة غيظ تلك الشمطاء.
زفرت العجوز بغضب وهي تأمر زوجها بالتراجع إلى الخلف كي يتجنب جسد تالا المسطح أمام الشاحنة وسط الطريق، ولكن زوجها أشار لها أن تنظر خلف الشاحنة وترى سبب عدم انصياعه لطلبها، وفوجئت برؤية صديقا دان كانا مسطحان وسط الطريق خلف الشاحنة وقد اشارا لها بتحية ساخرة بينما ابتسامتهما تشق وجهيهما، لردة فعل العجوز المصدومة.
نزلت العجوز وهي تلعن وتشتم غاضبة من تالا واصدقائها، وصرخت بها بغيظ:
- هاي انتي...إن لم تبتعدي انتي ورجالك عن الطريق، فسوف تتلقون الضرب بالعصي ودون رحمة.
تالا لم تحتمل تعنت هذه الشمطاء، لما لا تعيد لها المال فقط، فهي تعلم أنه بحوزتها، قفزت على قدميها غاضبة وأخذت تلوح بيدها مهددة:
- أن كنتي تعتقدين بأنك تخيفينني بهذا الكلام فانتي مخطئة، مستحيل أن أغادر هذا المكان دون الحصول على أموالي.
أتى زوج المرأة من خلفها وهم بامساك تالا من ياقتها، الا أن صوت عصاة حاد ارتطم بقوة في إحدى الأعمدة القريبة، اتجهت جميع الأنظار نحو الصوت، وكان دان يقف هناك بشموخ، بيده عصاة عريضة مدببة، ويده الأخرى تحمل تفاحة مأكول نصفها، خصلات شعره تهدلت فوق جبينه من أسفل قبعته الصوفية، وكعادته قد عقد قميصه المهترىء حول خصره، ووقف براحة مرتكزا على العمود وقال بصوت جهوري حاد اقتحم السكون الذي أحاط بالمكان عند ظهوره:
- المسها وسوف اكسر لك يدك والفها حول عنقك.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم