![]() |
| رواية لم أحبك قط |
الفصل الأول
كان متجها نحوهم يمشي بخطوات ثابتة، عيناه تنظر بالفراغ، نظرات باردة مغروروة لا مبالية، نظرات كان يبخل ان يوليها لمن هم أدنى منه، كان معتدا بنفسه كثيرا، فوالده أكبر داعم لهذه الجامعة، لا أحد يستطيع مواجهته او التقليل من شأنه
حتى لو كان مخطئا، فمؤسس الجامعة نفسه يوليه احتراما فائقاً، ليس لشخصه طبعا، بل لماله الدافق، حتى انه في السنة الماضية، قام المدير بطرد عشرة دكاترة محاضرين، واثنا وعشرون طالبا، من نفس تخصصه، وهذا فقط لأنهم قالو عنه بأنه مغرورو متعجرف، يا للسخرية ان المال يحكم بالفعل.
، بإمكانه شراء الاحترام والحب حتى العلم أيضاً، يمكنه أيضا شراءه، ففي كل سنة يكون هو الأول على دفعته، بالرغم من أن هناك من هم أفضل منه، وأذكى منه، ولكن لا داعي للشرح يكفيكم أن تعلموا بأن والده بإمكانه شراء الكرة الأرضية بماله وثراءه الفاحش، اذن فالاحترام والعلم وحتى الادب والأخلاق، أشياء ثانوية لن يهتم أبدا بشرائها ولكن الناس تقدمها بالمجان له، حتى يحصلوا على القليل من فتات هذه الثروة الفاحشة.
آه، كم هو وسيم!
نظرت (لونا) ذات العيون الخضراء الواسعة، والبشرة البيضاء الناعمة، الي (كاتي)ساخرة:
أخبريني ؟! متى انتقدتي رجلا قط؟! جميع الرجال لديك "أوه يا الهي كم هو وسيم، كم هو طويل، كم هو مثير" حقاً لا أذكر انتقادك لأي ذكر مر بحياتك.
نظرت اليها (كاتي) بدلال وعبوس زائف:
هاي! لا أدري كيف تصمدين أمام وسامتهم، انظري كم من المثيرين يحيطون بنا!
واستدارت حول نفسها وهي تفرد ذراعيها بحماسة، واقتربت من (لونا) هامسة:
لن أخرج من هذه الجامعة الا وبرفقتي زوج ثري ووسيم!
وقبلت اصبعيها وبصمت بالهواء بما يشبه القسم، لتؤكد على كلامها، واتبعتها بغمزة من عينيها العسليتين، وركضت ضاحكة نحو قاعة المحاضرات.
هزت (لونا) رأسها فاقدة الرجاء من تعقل صديقتها، فهي طوال الوقت تحلم بزوج ثري وأولاد وراحة أبدية، بعكسها تماما، فكل ما تريده ان تتخرج من هذه الجامعة وتحصل على وظيفة ومن ثم المال لترحل بعيدا عن هذه الحياة الشاقة، تنهدت بأسى وهي تتجه الي قاعة المحاضرات، فموعد المحاضرة قد حان ولا يجب أن تتأخر، وإلا طردت من القاعة.
كانت(لونا) في سنتها الدراسية الجامعية الأولى، فقد أخذت منحة دراسية مجانية لتفوقها في الثانوية العامة، فقد كان حلمها أن تصبح طبيبة، فلديها عائلة لشدة فقرهم تناولتهم جميع الأمراض، ومنهم من توفي ومنهم من ترك المرض آثاره عليهم مما شكل لهم اعاقات دائمة في حياتهم، والدها الحبيب توفى نتيجة نوبة قلبية حادة، فقد كان يهمل صحته، ولا يملك ثمن أدويته، ويحفظ المال من اجل دراسة ابنته الحبيبة، كان يفترض به القيام بعملية قلب مفتوح، ولكنه فضل ان يدفع نقوده لتعليم ابنته، فقد اعتاد ان يقول لها" أنا رجل عجوز، لا فائدة ترجى مني، انتي هي أهم ما في الوجود".
بعد موت والدها عانت والدتها من مشاكل صحية عديدة، لذا أقسمت ان لا تخسر والدتها كما خسرت والدها، لذا دأبت على العمل في وظائف متعددة بعد موت والدها كي تساعد في تحسين وضعهم المعيشي، وقاربت على جمع مبلغ من المال كي تستأجر بيت غير بيتهم الذي يعاني من سوء التهوية وفي فصل الصيف لا يطاق بسبب شدة الحرارة، جدرانه متآكلة وسقفه مشقق، كما انه في فصل الشتاء يغرق بمياه الامطار الباردة، كيف يمكن ان تنجو عائلتها من الأمراض في بيت يعتبر موطئا لشتى الأمراض، لديها شقيقتان توأم أصغر منها، (سارة) وتعاني من الربو، و(ثريا) وتعاني من فقر الدم بسبب التغذية السيئة، تبلغان من العمر عشرة أعوامً.
هي الوحيدة التي نجت من المرض، وهذا لان وضعهم المادي تدهور بعد ان طرد والدها من عمله كسائق خاص، بعد ان تعرض سيده لحادث طفيف أدى الي اهتزازه في مكانه مما سكب فنجان القهوة الذي يحتسيه فوق ملابسه، وكان السبب في ذلك توقف والدها المفاجئ لظهور طفل متشرد يقوم بمسح السيارات مقابل المال، لقد اعتذر والدها لمديره السابق كثيرا، وتوسل اليه ان يعيده للعمل من اجل عائلته الصغيرة، كانت (لونا) تبلغ من العمر ثمانية أعوام في ذلك الوقت، وكانت ذكية جدا ومن المتفوقات في فصلها.
والدها لم يبخل عليها ابدا، ولكن بعد طرده من وظيفته عانى من الشح والفقر، ولم يجد له وظيفة اخرى، والوظائف العديدة التي عمل بها كانت مجهدة وشاقة، وجعلته يشيخ ويهرم قبل أوانه، عائدها المادي بالكاد يكفي قوت يومهم، وكانت والدتها حاملاً بشهرها السابع، وقد انجبت ذلك التوأم الذي ملأ حياتهم بلحظات من السعادة والفرح، بالرغم من حزنهم لعدم مقدرتهم تلبية كل احتياجاتهم، الا ان احدا لم يشكو او يتذمر وكانوا قانعين جدا بما لديهم. فقد مضى على موت والدها عاما واحدا فقط، المسكين لم يعيش فترة كافية ليحصد ما جناه ويفرح بتميز ابنته ودخولها الجامعة، ولكنها اخذت عهدا على ان تتقدم وتحقق حلم والدها، وان لا تدع فقرها او الظروف او كائنا ما يكون يعترض طريقها.
كانت المحاضرة شيقة جداً، فقد استمتعت (لونا) بكل لحظة، فلطالما عشقت امور الطب والدواء، لأجل ان تفيد شقيقاتها في تجاوز آلامهم حينما تداهمهم.
آي كم أشعر بالجوع! هل نذهب لتناول وجبة سريعة؟
نظرت (لونا) الي (كاتي)، الحقيقة انها لديها بعض العملات المعدنية القليلة، ورغبت بتوفيرهم لشراء كيكة صغيرة لشقيقتيها، فقد طلبتا ذلك من والدتهم، وقد صنعت لهم كعكة في البيت، الا ان تعابيرهم الرافضة أعربت عن عدم قبولهم لها، الا انهما لم تقولا ذلك قط، نظرت الي (كاتي) مبتسمة.
لا أشعر بالجوع، سأكتفي بفنجان من القهوة.
ابتسمت (كاتي) بسعادة، وتأبطت ذراع (لونا) وتوجهتا معا الى المطعم الخاص بالجامعة.
جلست تحتسي قهوتها ببطىء وهي تراقب من حولها تهافت الشباب الي الفتيات، كان تراقب كيف يتظاهرون ويمثلون وينافقون في سبيل الحصول على اعجاب الفتيات الجميلات، كانت (لونا) تشعر بالاشمئزاز من المحيط الذي يحيط بها، فهو عالم آخر غير الذي عرفته في حيها، او في مدرستها، فقد نشأت في حي بسيط متواضع، ومدرسة عادية ذات شأن قليل مقارنة بالمدارس الأخرى، ولكن معلمتها كانت طيبة جدا، وحينما رأت مدى جدها واجتهادها في دراستها، ولأنها تجاوزت بذكائها العديد من فتيات جيلها، رشحت اسمها في قائمة المنح للطلاب المتفوقين.
وبالفعل حصلت على منحة دراسية مجانية في أضخم وأقوى الجامعات، فقد وجدو ان علامتها المكتملة في كل المواد تستحق تقديرا من نوع آخر، وانها الأحق بهذه المنحة فأكثر الطلاب الذين يدرسون في هذه الجامعة، اما دخلوها بنقودهم الفاحشة، او بوساطتهم لأناس ذو نفوذ وشأن في الدولة، فقد املت (لونا) أن تنهي سنوات دراستها بسلام، دون ان يعترض طريقها احد الأثرياء المتنمرين، او احد الذئاب متنكراً بملابس بشرية، أتى خصيصا ليصطاد الفتيات الساذجات، فقد أوصتها أمها كثيرا، وحرصت الي توعيتها لمخاطر تكوين الصداقات الكثيرة، والعلاقات الحميمة، أخبرتها ان نهاية هذا الطريق أشواك دامية لن تستطيع منها خلاص.
ان والده يملك بلايين المليارات، محظوظة تلك التي أوقعته بحبالها، سوف تعيش ملكة الي ولد ولدها.
ترامى الي مسامعها صوتهم وضحكاتهم، وحسرتهم الشديدة لأن اي منهن لم تستطع ايقاعه في شباكها، نظرت اليهم (لونا) كانو فتيات من الدفعة الرابعة، لربما كانو زميلاته وبنفس تخصصه أيضا، شعرت بالأسف عليهم، لماذا يدور حلمهم وسعادتهم، حول رجل فقط، لما لا يحققن احلامهم دون الرجل، ألا يمكن لفتاة دون رجل في حياتها ان تنجح وتحقق أحلامها، وشعرت بالسعادة لان تفكيرها ليس سطحياً مثلهم.
أتى..أتى! يا إلهي! كيف لرجل واحد ان يحظى بكل هذا الكمال؟!
أجل أنتي محقة! فهو كامل الى درجة مرعبة، لديه المال والجمال والسلطة، والاثارة...انظري الى كبريائه وعنفوانه! كم هو محظوظ!
لن أنظر! هكذا نهرت (لونا) نفسها بغضب، ذلك الثري المدلل أدار رؤوس جميع الفتيات حتى بدون جميعهن كما لو ألقيت عليهم لعنة، تكاد تقسم لو ان النار اشتعلت فيهم لن يشعروا بها ابدا، خاطبت نفسها ساخرة:
كيف لطفل مدلل يبذر أموال والده الطائلة أن يكون له هذا التأثير، هذا حقا غباء!
كانت تخاطب نفسها، أو هكذا اعتقدت، ولسوء حظها أخطئت فقد كان صوتها أعلى من الهمس حتى أنه وصل إلي مسامعه، لا تدري كيف اصطدمت عينيها بعينيه حالما رفعت رأسها لتحدق أمامها، كانت انهت عبارتها الساخرة لتوها، هل يعقل انه سمعها؟! لوهلة بسيطة شعرت بالخوف، فنظراته اليها كانت قاتلة، فقد شعرت بسهام غضبه ترديها ميتة في مكانها، وأخذت تدعو في سرها أن لا يكون قد سمعها، وانتظرت بخوف وأمل ان يتجاهلها ويتابع طريقه، كما لو ان كلماتها لم تستوقفه أبدا.
تقدم منها بخطوات جريئة تحذيرية، وانحنى فوق مقعدها ليحدق بعينيها الخضراوين بعمق، لم يتفوه بكلمة، فقط امعن النظر إليها بعمق، وكأنه يتحداها ان تبادله النظرات، وبالرغم من خوفها، وكتمانها لنفسها، الأ انها لم تخفض نظراتها أولاً، بينما عم الهدوء المكان، وجميع الأنظار تركزت عليهما، حتى كادت ان تسمع صوت أنفاسه الغاضبة، انحدرت نظراته الى صدرها حيث علقت بطاقة عضويتها بالجامعة، والتي لا يمكنها دخولها بدونها، قرأ اسمها بصوت خفيض ممزوجاً بتهديد مخيف:
لونا غونزاليس!
صاح بصوت عالٍ وهو ينسحب خطوة للخلف مبتعداً عنها:
ترحيبا بطلاب السنة الجديدة، جميع المشروبات على حسابي!
انتزع عينيه عنها انتزاعا حينما تعلقت بعنقه احدى الفتيات الجميلات، تقبله بدلال مصطنع:
كم أنت لطيف حبيبي! هذه الجامعة محظوظة لوجودك بها.
لم يبدو عليه السعادة مطلقاً وذراعه تلتف حول خصرها ليأخذها بعيدا الى طاولتهم حيث ينتظر باقي رفاقه.
يا الهي كم أنتي محظوظة! أخبريني بماذا همس لكِ؟!
ابتلعت(لونا)ريقها بصعوبة، هي نفسها لا تعلم ماذا حدث للتو، وذلك الأخرق...أشاحت نظرها عنه بسرعة حالما وجدت نظراته تلاحقها بحدة، اللعنة! نظرت الي(كاتي) هامسة على عجل:
سأغادر أولا، أراكي غدا.
وأخذت حقيبتها بيد وكتاب الطب الضخم، ضمته الى صدرها لترحل بهدوء، وسط الحشد الهائل الذي امتلأ به المكان، لحظة سماعهم بأن المشروب مجاني،(كاتي) حاولت ان تثنيها عن قرارها ولكن (لونا) بطبعها العنيد لم تستمع اليها، واختفت بين الحشود الوافدين.
كانت الجامعة تبعد كثيرا عن بيتهم، لذا كان عليها ان تسير أميال طويلة، لتوفر بنسات قليلة، كان الأمر شاقا ومجهدا عليها، ولكن لم يكن لديها خيار، أرادت العودة بالكعكة لشقيقتيها، وبعد ان ترتاح لساعة او اثنتين، تذهب للعمل المؤقت، الذي تقدمت له، وهو عبارة عن غسل الصحون والاواني المتسخة في المطاعم، تنهدت (لونا) ومسحت أثار التعب عن وجهها، ورسمت ابتسامة جميلة واسعة، وخطت لداخل منزلها المتهالك بخطوات واثقة وقوية:
مساء الخير!
أهلا بكي يا ابنتي، أخبريني كيف كان يومك؟!
ابتسمت(لونا)بسعادة مطلقة وقالت وهي تحتضن والدتها وتقبلها:
رائعاً جدا لأنه انتهى برؤيتكم! أين التوأم؟! لا اراهم!
تنهدت والدتها وهي تنظر الي قالب الكيك الذي وضعته لونا فوق الطاولة حال دخولها المنزل، وقالت بعتب وأسى:
عند ماتيلدا يلعبان مع لورا، هل سرتي كل هذه الأميال سيرا فقط لتجلبي كعكة، الم أصنعها لهم قبل أيام؟!
وضعت حقيبتها فوق الأريكة وكتابها الضخم الثقيل، وهتفت بحماسة:
لم أسر كثيراً! فقد كان لدي نقودا أكثر من المعتاد، سأذهب وأناديهم، متشوقة لرؤية ردة فعلهم.
ركضت(لونا) الي بيت جارتها أمام نظرات والدتها المشفقة.
لقد أخذتي الهم من بعد والدك يا حبيبتي! سامحيني لأني جعلت الأمور أصعب عليكي.
بعد لحظات كانت والدتها قد أعدت الطاولة وأعدت الاطباق في انتظار عودة بناتها، وحالما دخلوا المنزل وقد رافقتهم ماتيلدا البالغة من العمر ثمانية وعشرون عاما، وابنتها لورا التي كانت تصغر شقيقتا(لونا) بعامين، بدأوا بالتهليل والهتاف بحماسة وسعادة:
هل هذه كعكة حقيقية؟! انها حقيقية، هذا رائع، لونا أنتي رائعة!
أخذت(لونا) تراقبهم بسعادة، وهي تلقي بجسدها المتعب فوق الأريكة، ولم تعلم كيف او متى غطت بنوم عميق.
هتافات وتهاليل اخترقت أذنيها، انه اليوم الموعد، سوف تستلم شهادتها وتتخرج، سوف تصبح طبيبة وتحقق حلمها وحلم والديها، كانت تنتظر بفارغ الصبر سماع اسمها ينادى بالمكبرات الصوتية، معلنا نجاحها وتخرجها بعد سنوات من الدراسة والاجتهاد، كانت واثقة من نفسها ومؤمنة بأن الرب لن يتخلى عنها، فهي نالت كل شيء بجهدها، حانت اللحظة وتقدمت بخطوات واثقة سعيدة، تقدمت لاستلام شهادة احلامها،وتذكرة نجاتها من هذه الحياة الشاقة البغيضة.
والتي لا يهنأ فيها ولا يعيش سوى أصحاب المال والنفوذ، كانت تتقدم والجمع يتفرق من حولها مفسحاً لها الطريق، كانت ابتسامتها تشق وجهها بفرحة عارمة، وحينما اقتربت أكثر لاح لها خياله، كان واقفا في نهاية طريقها، ممسكا بشهادتها بيده، ويحدق اليها بنظرات شيطانية ساخرة، أعادت النظر الي الجمع الذي تفرق من حولها، منهم من كان مبتسما بسخرية، ومنهم من كان شامتا، والقلة القليلة من أطلت بعيونهم، نظرات من الاسى والاشفاق، وبالرغم من الشعور السيء الذي اجتاحها الا انها تابعت التقدم، لنيل شهادتها من ذلك المتعجرف البغيض، وقفت أمامه بتوتر، وقد ترامت اليها الأصوات القريبة منها:
المسكينة! انها في موقف لا تحسد عليه!
أجابت اخرى بسخرية:
تستحق هذا! تلك الحقيرة لا يمكنها السخرية من أسيادها!
اقترب منها خطوة واحدة، ليحدق اليها باحتقار واشمئزاز، كان ينظر اليها من رأسها حتى أخمص قدميها، ومن ثم صاح بصوت عالٍ:
لن نقبل بفتاة وضيعة كطبيبة ؟! لن نؤمن على أرواحنا بيديك! هل انتم على استعداد للمخاطرة بحياتكم وأرواحكم وأبنائكم على يد فتاة كهذه؟!
انطلقت اصوات الاعتراض من الجميع خلفها، يصرخون ويرفضون حتى وجودها بينهم، يطالبونها بالخروج من جامعتهم، ان تذهب لمكان يليق بها، جميع الهتافات كانت ضدها، اعادها اليه بصوته الساخر:
أرأيتي؟! لا أحد يرغب بوجودك هنا! كيف تجرأتي ان تدرسي الطب في مستواكي الحقير هذا، لو أنك حفظت لسانك السليط، لما وصلتي الى هذا الحال.
وأمام عينيها الدامعتين، مزق شهادتها، وحطم أحلامها في التخلص من حياة الفقر والمرض التي تعيشها، والقى بقايا شهادتها بوجهها وقد تعالت الضحكات الساخرة من حولها والكلمات المهينة الشامتة، وامتدت الأيادي اليها تدفعها خارج القاعة وخارج الجامعة كلها.
لا...لا، ابتعدوا، اتركوني، لن ارحل دون الحصول على شهادة تخرجي!
وبدأت تنتزع الايدي التي تدفعها للخارج، وتبعدها عنها، ليخترق مسامعها صوت والدتها القلق، وصوت ماتيلدا التي أخذت تتلو عبارات من الإنجيل، وفتحت عينيها بسرعة وهي تجلس مفزوعة، تنظر بذهول الي امها وجارتها العابستين، وبعد لحظات قليلة ادركت انها كانت تخوض كابوسا نهاريا سيئاً، عكر نومها الهادئ، تناولت كأس الماء من شقيقتها الصغيرة وشربته بتمهل وهي ما زالت تعاني من آثار حلمها السيء.
هل انتي بخير حبيبتي؟!
هزت (لونا) رأسها وقد شعرت بعدم الراحة بعد هذا الحلم، وكأنه سيكون هناك فعلا أثر سيء لما حدث معها في الجامعة، نظرت الي الساعة بسرعة، لم يتبقى لديها الكثير من الوقت، عليها ان تسرع للحاق بعملها، بدلا من توبخ بشدة من مدير المطعم، قبلت والدتها سريعا وركضت وهي تسحب حقيبتها.
أمي لا تسهري بانتظاري فقد أتأخر، وداعاً.
تنهدت والدتها بحسرة وهي تراقب اختفاء ابنتها المسكينة خارج اسوار المنزل، فبالأمس فقط كانت طفلة، والآن تحمل مسؤولية عائلة بأكملها.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم