الفصل الخامس والثلاثون
عائلة جديدة
ماسة لم تجرؤ على النظر الي الخلف ابدا، خافت ان تضعف فيما لو نظرت اليه لحظة وداعهما، فهي الآن راحلة دون عودة، انتهى ماضيها بحلوه ومره واستعدت لتصنع حياة جديدة، لا تعلم كيف ستتقبلها أو تتعايش معها، ولكن لديها مخططاتها، ولن يعرف بها احد سواها.
ذهبت ماسة برفقة صالح الي البنك وقد أتمت اجراءات تحويل المبلغ المطلوب الي حسابه، وقد اخذ صالح على نفسه عهدا بأن يعتبرهم دين عليه ويردهم الي ماسة، فقد كانت صادقة معه ولم تحاول ابدا خداعه ولو للحظة، لا يعلم متى نمت لديه هذه المشاعر نحوها، فلطالما امتلك قلبه ولم يسمح لأي فتاة العبث به، لما كان لماسة وقع خاص على قلبه، تمنى لو انه لم يكن بحاجة لهذه النقود، تمنى لو بإمكانه رفضها واعادتها الي ماسة، ولكنه لم يكن يجرؤ على ذلك فحياته بخطر، ليست حياته فقط، بل حياة عائلته أيضاً، فتلك العصابة التي تورط معها لا ترحم وقد هددوه بوضوح بأنه ان تخلف عن سداده للدين، فأذاهم سوف يطال كل عزيز وغال لديه، حدق في ماسة الجالسة بهدوء في مقعدها تفكر فيما ينتظرها في بيت والدها، وكيف سيكون استقبالهم لها، وهل سيرحبون بعودتها حقا ام انه كان تظاهرا من والدها، لينال مبلغا آخر من المال، كل اجابات اسئلتها هذه ستجد اجاباتها عند وصولها الي ذلك البيت الذي عاشت فيه أسوء ايام حياتها.
كان صالح قد هاتف والدها، واخبره بمجيئه برفقة ماسة الي البيت وانها اتت لتبقى، وحذره بأنه لو حاول جرحها بأي كلمة فسيكون حسابه معه عسيرا، فقد كان زوج والدته رجل سيء ذو ماضي رهيب، وقد اكتشف صالح هذا الماضي، لطالما اعتاد تهديده بفضح اسراره اذا رفض ان يعطيه المال او يساعده في امرا ما، لذا اعتاد صابر على الانصياع لطلبات صالح، وهذه المرة صالح سوف يأخذ على عاتقه حماية ماسة من والديه، ففي الماضي كان طفلا، والان هو رجلا ويعرف خبايا الامور، وكما يوجد داخل كل انسان بذرة شر ضئيلة، يوجد بداخله أيضا بذرة خير، لذا من الان فصاعدا سيروي هذه البذرة وينميها ويحافظ عليها حتى تترعرع ويصبح داخله انسانا صالحا تقيا، ليس لأجله فقط بل لأجل ماسة ايضا، ذلك المخلوق الجميل الهادئ الذي دخل حياته لينيرها، سوف يكون لها سندا، فالمسكينة لا سند لها، لا والد ولا شقيق ولا اية أقارب، تنهد صالح وهو يشعر براحة لاتخاذه هذا القرار الجديد الذي سيغير منحى حياته كلها.
وصلت ماسة الي المنزل، لم يكن المنزل القديم ذاته، كان منزلا آخرا، وتذكرت انهم قبضوا من والديها بالتبني مبلغا كبيرا من المال، لذا بالتأكيد استفادوا منه في تعمير المنزل، فهي لا تذكر من منزلها القديم سوى جدرانه المتهالكة وسقفه الذى كان يغرقهم بماء المطر كل شتاء، كانت ذكرياتها مشوشة تماما، كانت فقط تتذكر كوابيسها التي كانت تجتاحها كل مساء أثناء نومها، لذا كل ذكرياتها السيئة كانت تعشش في عقلها بسبب كوابيسها التي لازمتها طوال فترة طفولتها وعيشها مع قاسم وعائلته، كانت تبكي وتنتفض، حينما تمر لها صورا وهي تضرب، او يهزأ بها، او والدها وهو يشتمها وينعتها بابنة الزانية، كان يشدها من شعرها ويلقى بها خارج بيته الحقير صارخا:
لا تعودي الى هنا ما دمتي لا تملكين النقود، عليكي ان تكدحي لتعيشي.
انتابتها قشعريرة باردة وهي تتذكر كلماته هذه، تنهدت وهي تنفض تلك الافكار السيئة من عقلها، لا داعي ابدا لنبش الماضي الاليم، فما دامت تنوي فتح صفحة جديدة مع والدها فلا داعي ابدا لفتح الجروح القديمة، تنهدت ورسمت ابتسامة اخفت وراءها كل همومها وآلامها وقالت لصالح برقة:
دعنا ندخل، انا مستعدة.
حالما دخلت ركض اليها بدر البالغ من عمره الحادية عشرة، قال لها بسعادة صادقة:
انتي شقيقتي اليس كذلك؟!
ابتسمت ماسة برقة وهي تنحني قليلا لتواجهه:
أجل كذلك، سعيدة برؤيتك.
أخذ يقفز فرحا وهو يتشبث بذراعيها هاتفاً:
انتي لي إذن، لن تتركيني لحظة واحدة ابدا، ستبقي الي جانبي للابد.
وبالرغم من ان ماسة لم تتأكد ما هو الابد بالنسبة الي بدر ولكنها حينما رأت فرحته لم ترغب بإفسادها، وهتفت له بتأكيد:
معا الي الابد.
اتاها صوت زوجة والدها مرحبا بحبور:
ماسة طفلتي الجميلة، يا الهي كم كبرتي وصرت سيدة رائعة.
وقامت باحتضان ماسة بقوة، كان ترحيبها حار جدا ومبالغ فيه جدا جدا، ولكن ماسة لم تبالي، فبادلتها السلام والعناق، ومن ثم سحبتها من ذراعها الى الداخل، وهي تنادي زوجها بصوت عال:
تعالي يا ابنتي تفضلي! صااابر، ها قد وصلت ماستك.
تابعت وهي تدخل المضافة برفقة ماسة تجلسها وتجلس مقابلة لها:
لا تعلمين كم هو سعيد لعودتك، فمنذ ان علم بقدومك، وهو يعد لك سرير آخر الي جانب سرير شقيقتك سمر.
ابتسمت ماسة برقة، وقالت بحرج:
اسفة لم أقصد ازعاجكم ولكن...
صاحت زوجة ابيها مقاطعة:
لا ازعاج ابدا، لا تقولي هذا مرة اخرى، فهذا البيت هو بيتك، نحن سعداء حقا بعودتك الينا.
دخل والدها العجوز، يحمل بيده عكازا يتكأ عليها، كان والدها مختلفا عن السابق، فقد بدا اكثر وقارا وتعقلا، فتلك الصور التي رسمتها كوابيسها وخيالاتها، كانت تصور والدها كوحش سكير قذر، ولكن هذا الرجل بملابسه النظيفة وذقنه الحليقة، بدا وكأنه محترم فعلا ولا يمت بصلة ابدا لذلك الشخص الذي يعشعش في ذاكرتها.
ابنتي الحبيبة، كم اشتقت لكي يا صغيرتي.(احتضنها والدها بشوق وحنين، ماسة لم تعهده ولم تكن بانتظاره ابدا، الا انها تجاوبت معه، فهي تريد ان تبدأ صفحة جديدة، فلا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب) اجلسي يا عزيزتي، دعيني اراكي جيدا واسمع صوتك الجميل، حينما علمت بأنك استطعت الكلام لم اطق صبرا، فقد جلست اعد الدقائق والساعات للقائك.
ابتسمت ماسة بحرج، فهي لا تعلم ماذا تقول، ولكنها تعلم شيئا واحدا فقط، وهو انها لا تشعر مثلما يشعرون هم اطلاقا.
سعيدة لرؤيتك بخير أ...أبي.
تنهد والدها حسرة والم، وهو يشد على يديها بحزن وأسى:
كنت على استعداد ان ادفع نصف عمري، لأعيد لك صوتك المفقود، ولكن لم اكن املك المال ابدا، اسف يا طفلتي اني تخليت عنكي في الماضي، ولكن صدقيني هذا كان لأجلك.
هزت ماسة برأسها موافقة، لم ترغب بسماع المزيد من الاكاذيب والنفاق، فهي تعلم بأنه لم يهتم لأمرها يوما، وهي لا يهمها اي شيء حدث بالماض، فكل ما يهمها الان هو حاضرها ومستقبلها.
اعلم هذا، انت كنت على حق يا ابي، شكرا لك، فبفضل قرارك هذا استطعت التعلم، والتطوير من نفسي.
شعر صابر بنشوة عارمة، فقد اعتقد بآنه سيعاني وقتا عصيبا في اصلاح علاقته بها، ولكن لحسن حظه انها تقبلت الماضي وتجاوزته.
كانت ماسة متعبة لذا اخذت منهم الاذن لترتاح بغرفتها قليلا، أوصلها صابر الي غرفتها، وبعد ان اطمئن على حالها، خرج منسحبا من الغرفة.
كان ينظر الي الحقيبة التي وضعت بها اشيائها، ترى ما هي الاشياء التي ارادت أخذها معها، الفضول دفعه للتفتيش في اغراضها، اخرج الكتب التي اهدتها اياها والدته في الماضي، ساعدة يد بسيطة وصغيرة، واوراق العديد من الاوراق، ومن ضمنهم الرسائل التي خطها لها، حينما تظاهر بإن والدته تراسلها، دهش لما اخذتهم معها وهي تعلم جيدا بأن والدتهم لم تكتب لها ابدا، اذن ، لما تحاول الحفاظ على هذه الرسائل، وراودته فكرة صغيرة عن ما هيه ان يكون السبب، الا انه عاد لينفض افكاره السوداء، فماسة مستحيل ان تحبه، فلو احبته يوما، لما قست عليه الي هذا الحد، لما تركته وذهبت الي العائلة التي خذلتها في طفولتها، وحينما تذكر عناقها لصالح في ساحة البيت، عاد الغضب يجتاحه، واخذ يصرخ ويلوم نفسه، لما تركها تذهب معه، اين كان عقله، وكيف سمح لها بالخروج من بيته وحياته، ولكن ألم يكن هذا اختيارها، ألم تتوسله لأجل ذلك، لا يعلم كيف او لماذا كرهته، لطالما اعتقد بأنه سيمتلكها بإشارة من يده، عاد لقراءة ما خطته يداها مرات ومرات، وكان هناك اعتراف منها بالشوق والحنين اليه، ولكن كل هذا تغير، ماسته القديمة لم يعد لها وجود، فالفتاة الغريبة التي هربت منه لترتمي بين ذراعي رجل آخر، لا تمت له بصلة، بالرغم من الصلة الوثيقة التي ربطتهم بها والدته، الا انه لن يستطيع فرض نفسه على فتاة لا تريده، الأيام كفيلة اما بجمعهما مجددا، أو تفريقهم الي الابد.
بالرغم من تعبها الشديد الا انها لم تستطع النوم، فقد كان عذرا لتهرب من نظراتهم لتتفرد بنفسها قليلا، لتفكر ماذا ستفعل في حياتها وأيامها القادمة، ولكن رغما عنها كل ما فكرت به هو تلك القبلة، وعادت لها الذكرى، كانت قبلته عنيفة وموجعة ففمها ما زال يؤلمها من ضغط شفتيه، راحت تتحسس شفتها مستشعرة الالم واللذة القصيرة التي اجتاحتها، وحينما ارتعش قلبها حباً وعشقاً، تذكرت كلماته المهينة التي أعقبت قبلته، وشعرت بشدة الكره الذي يكنه لها، لقد كسبت كراهيته وبجدارة، ولكن أليس هذا ما ارادته هي؟ وعادت لتشعر بوخز نظراته الحادة التي اخترقتها وهي بين أحضان صالح، وكأنها تعود لاختراقها مجددا، لتؤلمها وتوجع قلبها، انتفضت، واعتدلت في مكانها بسرعة، ومازالت نظراته تلاحقها، وتخزها بحدة، صرخت بأسى وهي تمسك رأسها بين يديها تحاول انتزاعه من أفكارها المتدافعة:
كفااا، أتركني وشأني، أخرج من حياتي.
طرقات صغيرة متتالية، توالت على باب الغرفة، نظرت ماسة بتوجس بعد ان ادركت بأنها لم تعد وحدها، وربما ازعجت أهل البيت بصراخها، عضت فوق شفتها محرجة، واتجهت الي الباب لترى من الطارق، كان بدر، بابتسامته البريئة الرائعة، ابتسمت ماسة براحة حالما رأته، وهمست:
تفضل بالدخول.
خطا سعيدا الي الداخل، وقال بسذاجة:
خشيت ان اوقظك، لكن حالما سمعت صراخك، عرفت انك مستيقظة، لهذا أتيت.
ابتسمت ماسة بسعادة وهي تمسك بيده وتأخذه الى سريرها ليجلس مقابلها وهمست بسعادة:
هل أخبرك سرا؟!
اجابها بهزة سريعة برأسه، فتابعت ماسة وابتسامتها تتسع و دنت منه اكثر كي لا يسمع احدا غيره ما تقوله:
أنت الشيء الوحيد الحقيقي في حياتي.
عبس بدر دون فهم ما تقوله، وكانت نظراته مضحكة وهو يتفقد نفسه متسائلا:
كيف حقيقي؟ لم أفهم؟
قالت ماسة وهي تقوم باحتضانه متنهدة براحة:
انت الشقيق الحقيقي الذي املكه، انت سندي الوحيد في هذه الحياة، انت من سيخرجني من هذه الدوامة.
كان بدر سعيدا جدا بوجودها، فذلك الطفل بدا وحيدا جدا، ويتوق لأحد يجالسه ويسامره، فقد أخذ يشرح لها كل صغيرة وكبيرة في حياته، وصدمت ماسة حين اخبرها سبب وحدته وعدم مخالطته لأبناء جيله:
أخذو يسخرون مني وينعتونني بالمسعور، انا لم ارغب بأن بأذية احد منهم، ولكن هم من دفعوني لضربهم، لهذا فصلوني من المدرسة.
عبست ماسة مفكرة، ترى ما الذنب الذي اقترفه والدها في حياته، كي يعاقبه الله بأبناء معاقين، فقد اعتقدت ان المشكلة بوالدتها، ولكن بدر ولد من امرأة أخرى غير امها، وهاهو مريض بالصرع، اذن فبالتأكيد المشكلة من والدها، تنهدت ماسة حزنا على حاله، وسألته:
إذن انت لم تدرس سوى عامان فقط بالمدرسة؟!
هز برأسه موافقا، وتابع بلامبالاة وهو يعبث بشراشف السرير النظيفة:
اجل! ولكن هذا لا يهم، فأنا لا احب الدراسة على كل حال فهي مرهقة.
هزت ماسة رأسها مستنكرة، وهي تمسك يديه لتثبتها مكانهما، وهمست:
ان الدراسة ليست مرهقة ابدا، ان الدراسة هي كيانك الآخر، ستجعل من حولك يحترمك، ستعلو من شأنك، وتجعلك تحقق احلامك، حتى لو اتعبتك قليلا فعليك ان تتذكر بأن ما ستجنيه منها كثيرا جدا.
نهض من مكانه غاضبا، وقال وقد التمعت عينيه بالحزن والالم:
انتي الوحيدة التي تخبريني بهذا، امي ابي وصالح حتى سمر، أخبروني بأن الدراسة لا تجلب الا التعاسة، وان المال فقط هو من يجلب السعادة، لا شيء غير المال.
نفت بسرعة كلامه، فقد زرعوا برأسه أفكار خطيرة وخاطئة:
هذا ليس صحيحا ابدا، اسمع أنا سوف أعلمك كل ما فاتك، سوف نبدأ من الصفر، انا واثقة انك ستكون طالبا ذكيا، سوف تنجح ونثبت للجميع بأن الدراسة هي من تجلب السعادة والمال معاً، ما رأيك؟!
التمع الامل في عينيه، ولكنه اختفى بسرعة كما ظهر، وقال بثقة ضعيفة مهزوزة:
هذا كلام فقط، انتي ستملين مني بعد ايام قليلة، ستتخلين عني كما فعل الجميع، ستنعتينني بالغبي ذو الرأس الفارغ، لا أريد ذلك!
هتفت برقة وهي تشد على يديه وتبثه الحماسة التي تشتعل داخلها:
أبدا! مستحيل ان أتخلى عنك، فأنا لا احد لي سواك، بدر ان ساعدتني سوف ننجح ونثبت للكل بأنك خارق الذكاء وان رأسك الجميل هذا، يملك أكثر العقول ذكاءا وتفوقاً.
وبعد لحظات قليلة كانت قد نجحت بنيل موافقته، واتفقا على ان يبقى هذا سرا بينهما، حتى لا يعترض احدا مخططهم.
أطلت زوجة والدها من خلف الباب عابسة، ونهرته بغضب:
انت هنا وانا ابحث عنك بكل مكان، الم اخبرك ان لا تخرج من غرفتك دون اذني.
ابتسم بدر بعذوبة قائلا:
كانت ماسة مستيقظة، أنا لم ازعجها ابدا، أليس كذلك ماسة؟!
هزت رأسها مؤكدة بابتسامة رقيقة:
ما من ازعاج ابدا.
امتعضت زوجة ابيها وهي تسحبه من يده خارجا، طالبة من ماسة ان تستعد لتناول الغذاء، واغلقت الباب خلفها.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم