القائمة الرئيسية

الصفحات

 

الفصل الأول

كان جالسا فوق غصن الشجرة يراقب المارة امامه، كم هو سريع تقدم الحياة، فقد عاصر الماضي والحاضر، وما زال بانتظار المستقبل، طوروس ذلك الفخور بنفسه، لقد عاش حياته الطويلة تلك كي يكفر عن ذنبه الذي ارتكبه منذ بدء الحياة فوق سطح الأرض، لا يعلم لما اختاره جوثوم هو بالذات ليسدي له تلك الخدمة المشؤومة والتي كانت سببا في طرده من النعيم الدائم الي الأبد، عاش طوروس فوق الارض يحاول التكفير عن ذنوبه، تنهد طوروس وهو يبصق ورقة الشجر من فمه، وامعن النظر إلى الطريق أمامه، فهو بعد أن دار وجال في أنحاء بلاده وأنقذ العديد من الموت وحل الكثير من المشاكل، قرر أن يرقد على غصن هذه الشجرة ويراقب البشر من زاوية اخرى، لن يتدخل في اقدارهم ولن يغيرها، فلم يستفد طوال حياته من الخير الذي كان يقدمه للبشر ولو مقدار ذرة، فأمر السماء نافذ وقرارها لا تراجع فيه مهما فعل، ومصيره قد كتب وقدر منذ ذلك اليوم المشؤوم الي نهاية كوكب الأرض، كان طوروس يستطيع التشكل على هيئة اي شيء يلمسه، سواء طير ،حيوان، أو بشر.

كان أحيانا يحب أن يلهو مع الاطفال الصغار فهم الوحيدين الذين يسمح لهم برؤيته، كان يداعبهم ويبتسم لهم، وكان الاطفال يتفاعلون معه ويردون الابتسامات ويناغون بأصواتهم الناعمة الهادئة، طوروس أحب الأطفال كثيرا، كان يكره رؤيتهم يبكون أو يتألمون من أمورا لا يستطيع أن يتكهن بها البشر فقد كان يضع كفه على رأس الطفل الصغير فيهدأ ويستكين وينام بعد دقائق قليلة من صراخه المتواصل جراء رؤيته لشيء خارق عن الطبيعة، أو رعب جال في نفسه، فمخاوف الاطفال الصغار تختلف تماما عن مخاوفهم وهم كبار.

طوروس مغروراً جدا بنفسه، واثق ومتعجرفا، ويرى الجميع أقل شأنا منه، وهو أيضا في غاية الأنانية لا يفعل شيئا دون مقابل أبدا، والخير الذي يفعله للبشر كان ينتظر عليه غفرانا وتقديرا من الهه ولكنه فقد الأمل الآن وعليه التعايش مع قدره المكتوب.

لفتت انتباهه تلك السيدة، كانت تجر أقدامها جرا مع بطنها المنتفخة، يبدو أنها في شهرها الأخير من الحمل.

تابع مراقبته لتلك السيدة التي كانت تمسك ببطنها تارة متألمة وتارة صارخة، نظر حوله فلم يكن هناك أي بشر غيرها في المكان، لا يوجد احد ليساعدها، وهو بالتأكيد لن يقدم لها أي مساعدة، تلك السيدة ظهرت في الوقت الخطأ من سوء حظها.

كان الوقت باكرا جدا، وقد بزغت خيوط الشمس تدريجياً، ولكن طوروس يعلم جيدا بأن الحياة لن تدب في هذا المكان الا بعد عدة ساعات، وهذا يعني أن تلك السيدة سوف تعاني لوقت أكثر دون أن يكتشف أحدا وجودها، شتم بحدة حينما توقفت المرأة فجأة عن السير، وهي تتفجر بالصراخ والبكاء حينما اجتاحتها نوبة ألم حادة، سقطت على أثرها فوق الأرض الصلبة، اقترب منها طوروس بسرعة وأخذ نظرة قريبة جدا الي وجهها، كان هناك بعض الكدمات في وجهها، والعديد من الجروح المنتشرة فوق ذراعيها وساقها، يبدو أنها تعرضت لضرب مبرح، دون رحمة أو شفقة، تنهد طوروس مفكرا، هل يقوم بمساعدتها للمرة الأخيرة، ثم ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق شفتيه، فهو يعلم بأنه إذا ساعدها لن تكون المرة الأخيرة ابدا، وستتوالى عليه المصائب، لا لن يساعدها سوف يتركها لمصيرها، أن شاء الإله أن يساعدها فسوف يفعل، فهي إحدى مخلوقاته، مثله تماما لا تفرق عنه أبدا.

أقنع طوروس نفسه بذلك ومن ثم انسحب متراجعا الي حيث غصن شجرته المفضل، سوف يتصرف وكأنه لم يصادفها ابدا، وسوف يتجاهل وجودها تماما، وفي هذه اللحظة ازداد صراخ المرأة واشتد ألمها، وصاحت بصوت معذب:

- ساعدوني...يا الهي ساعدني! انقذ طفلتي أرجوك.

التفت اليها طوروس ببطىء، تلك السيدة تطلب المساعدة من الهه، رفع بصره الي السماء، وكأنه كان يتوقع أن يحدث أمرا ما، أو أن يستجاب رجائها، وانتظر فعلا بضع دقائق، ولكن لا شيء حدث، ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق شفتيه، كيف للالاه أن لا يساعدها ويتجاهل ندائها وهي إحدى مخلوقاته الضعيفة، فرد ذراعيه بقلة حيلة وهو يفكر بغضب:

- ماذا تنتظر؟!...أفعل شيئاً!...لا تكتفي بالمشاهدة فقط.

وهنا زمجرت السماء بغضب وهدر الرعد وبرقت السماء، وتجمعت السحب، وهطل المطر بغزارة، اتسعت عينا طوروس بشدة، كيف هذا؟! ليس هذا ما انتظره ابدا، تلك السيدة بحاجة إلى انقاذ، وليس إلى البرد والمطر، شتم طوروس بقوة وصاح بأعلى صوته ساخرا:

- أهذا كل ما يمكنك فعله!

وهنا ضربت صاعقة برق قوية شجرة طوروس المفضلة لتقسمها نصفين مشعلة بها النيران القوية، وعلى أثرها ارتد طوروس عدة أمتار للخلف كي يرتطم جسده بقوة فوق الأرض المبللة بمياه الأمطار.

لقد أغضبه مرة أخرى، طوروس لا يجيد شيئا سوى اغضابه، ولكنه لم يعد يبالي، فهو الآن غاضبا جدا، ويشعر بالظلم والقهر، خاصة بعد رؤية ما أصاب شجرته الغالية، وقف على أقدامه وراح يشتم دون هوادة. وبينما هو على هذه الحال، شق صوت طفل رضيع الأمطار المنهمرة، ليدرك طوروس بألم بأنه انشغل عن تلك السيدة المسكينة بنفسه ونسي أمرها تماما، سارع طوروس لرؤية ما أصابها، ولكن الأوان كان قد فات على انقاذها، فقد لفظت أنفاسها الأخيرة، بعد أن أنجبت طفلتها الصغيرة، طوروس بحياته لم يحزن أو يشفق على أحد ابدا، فقد كانت مشاعره دائما باردة وسلبية، ولكن حينما وقعت عيناه على تلك الطفلة الصغيرة، شعر وكأن سهما اخترق قلبه، شعر وكأنه السبب في موت والدتها، وسبب تيتمها، كانت الطفلة تبكي بشدة، وترتجف من البرد وزخات المطر التي غسلتها وطهرتها من دماء المخاض. 

لم يعلم كيف يتصرف في هذا الوضع، الذي زاد من حدة غضبه وحقده على كل ما يحيط به، فالحياة ليست عادلة أبدا، وهو ممتن جدا كونه ليس بشريا ضعيفا، وقوانين البشر المجحفة لا تنطبق عليه أبدا. 

من البعيد سمع صوت عجلات سيارة قادمة، وهنا شعر بأن الهه قرر أن يغير مصير هذه الطفلة، فالأم لم يحالفها الحظ بالنجاة ولكنه رأف بالطفلة الصغيرة، وأرسل إليها من يساعدها، راقب اقتراب السيارة من جسد المرأة الملقى على قارعة الطريق، وشعور بالارتياح غمره حينما ترجل من السيارة رجل وسيدة متوسطة العمر، واقتربا من المرأة بحذر، وقد لفت انتباههما صوت الطفلة الباكي، وقفا فوق رأسها وانحنى الرجل ليجس النبض في عنق المرأة بينما حملت زوجته الطفلة الصغيرة وقد دثرتها بوشاحها الدافىء، نظر إلي زوجته وهز رأسه يمينا ويسارا قائلا:

- أنها ميتة.

أومأت زوجته برأسها وسبقته الي السيارة، بينما سحب الرجل الجثة بعيدا عن الطريق، كان المطر قد توقف فجأة مع ظهور هذين الزوجين، وعادت خيوط الشمس لتخترق السحب السوداء وتعلن عن شروق الشمس من جديد، راقب طوروس ذلك الرجل وهو يقوم بتفتيش جيوب المرأة ليجد قرط ذهبي وضعه داخل جيبه، ونزع من اصبعها خاتم زواجها، ومن ثم تركها واسرع ليلحق بزوجته التى كانت بانتظاره داخل السيارة.

طوروس لم يتردد لثانية واحدة، فقد أثار ذلك الرجل ارتيابه، وهو لا يمكنه أن يتخلى عن الطفلة الا حينما يتأكد من أنها آمنة تماما، وما أن انطلقت السيارة حتى تعلق طوروس بها وصعد ليجلس متربعا فوق سقفها، بينما تابع الرجل قيادته للسيارة بسرعة كبيرة، بعد نصف ساعة من القيادة المتواصلة، توقفت السيارة قرب حانة صغيرة، كان يصدر منها صوت الهرج والمرج، وكانت الحانة في مكان بعيد على أطراف المدينة، قفز طوروس خلف المرأة التي حملت الطفلة إلى الداخل بينما زوجها أخذ ينقل البضائع من السيارة الي داخل الحانة، تضايق طوروس وقد أيقن بأنه فعل خيرا بمطاردتهم وعدم ترك الطفلة وحدها، فلو كان هذا الثنائي ينوي الخير للطفلة لأخذاها فورا الي مركز شرطة كي يبلغوا بالحادثة ولكنهم تصرفوا بطريقة مغايرة لما يجب أن يحدث.

راقب طوروس المرأة برضا وهي تعتني بالطفلة وتنظيفها وقامت بتدفئتها جيدا، وأعدت لها حليبا لاطعامها، دخل الزوج على زوجته بعد انتهائه من عمله في الخارج، قبل زوجته وهو يراقب الطفلة الصغيرة ترضع الحليب بنهم، همس بفخر وهو ينظر إلي زوجته بسعادة:

- أعتقد بأننا سنحصل على الكثير من المال بفضلها.

تأملت المرأة الطفلة وابتسمت ابتسامة خبيثة قائلة:

- أعتقد اخيرا بأن الحظ قد حالفنا هذه المرة.

نامت الطفلة بهدوء وقد انتظر طوروس فوق رأسها إلى أن تأكد من استغراقها بالنوم. خرج طوروس الى الحانة حتى يرى ماذا يحدث في هذا المكان، كانت الحانة عبارة عن مسرح صغير به العديد من الأعمدة، بينما أحاطت به المقاعد والطاولات من جميع الجوانب، وموسيقى هادئة تصدح من إحدى الاسطوانات بينما يترنم السكارى ويتمايلون على انغامها، اتجهت أنظار طوروس الي البار ليجد الزوجين يقومون بإعداد كؤوس الخمر والنبيذ لتوزيعها على الزبائن، ضاقت عيناه على زوجة الرجل التي ابدلت بملابسها السابقة الي ملابس مكشوفة تظهر مفاتنها، بينما راحت تدور بين الطاولات تتمايل بحركات مغرية وتتلفظ بألفاظ خادشة للحياء، وتتلقى المغازلة الجريئة والوقحة من الرجال دون أن يهتز لها جفن، صاح أحد السكارى بزوجها سايروس، الذي أخذ يراقب زوجته باستمتاع وهي تتمايل وتغوي كل من تمر به بحركاتها الفاضحة:

- هاي يا رجل متى سيبدأ العرض، لقد مللنا الانتظار.

ضحك سايروس بفظاظة مشيرا إلى زوجته اللعوب:

- عليك أن تكتفي بما لديك الآن، فالفتيات لم يستعدو بعد.

تذمر ذلك السكير معارضاً:

- زوجتك الشمطاء لم تعد تثيرنا يا رجل عليك أن تقدم لنا الأفضل، والا لن نعود إلى حانتك القذرة هذه أبدا.

انحنت زوجة سايروس وقد أمسكت ذقن الرجل بقوة لترغمه على النظر اليها، وقالت محدقة به النظر بحدة:

- أيها السكير العجوز، إن ناديتني بالشمطاء مرة أخرى سأقطع لسانك وأطعمك اياه.

ودفعت وجهه بعيدا عنها بقرف واشمئزاز، وهي تهتف بصوت عال مرح بجميع الحاضرين الذين صفقوا لها لتشجيعها:

- اليوم سأقدم لكم انا العرض وجميع المشاريب على حسابي،(وأشارت للشاب المسؤول عن الموسيقى، لتصدح في الأجواء موسيقى حماسية راقصة، وبدأت ڤيكي بأداء بعض الحركات الراقصة المغرية متنقلة بين الأعمدة الموجودة في وسط المسرح، وهي تهتف وتغني بصوتها الجذاب وتبدأ تدريجيا بنزع قطعة من ملابسها تلو الأخرى أمام صرخات المشاهدين وهتافهم التشجيعي المستمر لتتابع ما تفعله بمهارة وإتقان اعتادت عليه طوال سنوات ماضية).

تابع...

تعليقات

التنقل السريع