الفصل الرابع
لم يستطع طوروس أخذ الطفلة بعيدا عن هولاء الاشقياء لسببين الأول الاتفاق الذي بينه وبين جاثوم وهو أن يترك الطفلة هنا حيث اختار لها هذا المكان وقادها إليه بقوته الخارقة ولم يفصح ل طوروس ما الذي يخطط له بشأن هذه الطفلة، لذا خشي عليها من بطش جاثوم وابقاها حيث يريد ولكنه لن يتركها تترعرع وتأخذ طباع والديها الفاجرين بالتبني فهو سوف يحميها للنهاية بل هو مضطر لحمايتها فقد أخذ عهدا على نفسه لحمايتها.
راقب طوروس الطفلة الصغيرة الجميلة تنمو تدريجيا بشكل لطيف جعله يتعلق بها أكثر ففي كل مرة تبكي أثناء غياب فيكي كان يقترب ويهدهدها إلى أن تهدأ وتغدق عليه ابتساماتها الجميلة ونظراتها البريئة ...كانت بالفعل تراه وهو كان سعيدا بذلك فهذا يشعره نوعا ما بالانتماء لعالمها الفاني.
أتت فيكي بعد وصلة رقص فاجرة مع زبائنها السكارى متعبة متعرقة لتجد الطفلة تحبو على الأرض القذرة وكأنها لم تنظف لأعوام ...نفخت بتذمر وهي تحمل الطفلة لتضعها فوق السرير
- برينتا...برينتا...اين انتي ايتها العاهرة
ركضت طفلة في الثالثة عشرة من عمرها تلبي النداء وهي التي كانت مسؤولة على العناية بطفلته الصغيرة أثناء انشغال فيكي
- أجل سيدتي ...اسفة فقد كنت في دورة المياه.
صرخت فيكي بغضب
- انتي مهملة وكسولة جدا ...لا تفيدين بشيء ابدا....ربما علي بيعك لذلك الاحمق فالنتينو
هزت الفتاة راسها رافضة متوسلة
- ارجوكي سيدتي لا تفعلي...اقسم لك سوف استمع لكل ما تقولينه جيدا ولن اعصي لك أمرا ...فقط لا ترسليني إلى فالنتينو
هزت فيكي راسها بضجر وهي تنزع ملابسها لتغتسل
- لن افعل لانه لا يريدك فهو يعتقد بأنك قبيحة ولا تصلحين سوى للتنظيف....اعدي لي المياه الساخنة اريد جلسة مساج تهدأ جسدي المنهك.
هزت برينتا راسها بالايجاب واختفت في الحال لتنفيذ ما أمرت به ....كان طوروس يراقب بعبوس ما يحدث أمامه ...فقد كانت فيكي امرأة سيئة وحقيرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى واي شخص يقع تحت طائلها يعيش في جحيم لا نهائي...راقبها طوروس وهي تدثر جسدها الآثم بمنشفة بالكاد تستر...ولكن الأمر لم يكن يعنيها بشيء فلم يبقى رجل في المدينة إلا وعبث بجسدها النحيل...كان طوروس يندهش من رغبة البشر وسعادتهم في امتلاك جسد مثل جسدها البالغ من العمر أربعون عاما....فهي امرأة عفا عليها الزمن ولم يبقى لديها ما تقدمه سو جسدها الآثم تصبر به السكارى إلى أن تعد لهم مفاجئتها الساحرة إلا وهي الفتيات القاصرات اللواتي اعتاد زوجها خطفهم أو تبنيهم كي يوسع أعماله من حانة للتعري إلى حانة للدعارة والفسوق.....كانت حانته تجلب اسوأ انواع البشر الفاسدين المفسدين في الأرض ....فمعاشرة القاصرات جريمة يعاقب عليها القانون وكانت هذه الحانة في أطراف المدينة بعيدة عن الأعين يحاول زبائنها حمايتها من أعين الشرطة كي تظل وكرهم وملجأهم الآثم الأمن عن العيون ...لذا لا يعرف طريقها الا المجرمون والفاسدون قطاع الطرق وتجار المخدرات والمغتصبون...أنها فعليا ليست حانة بل هي مكب نفايات بشرية لا تصلح إلا المفسدين.
اخترق صوت فيكي الساخر شروده ليعيده إلى أرض الواقع
- انتي طفلة غريبة حقا ....لم ارى طفلة بجمالك قط ...كلما كبرتي ازددتي جمالا....يبدو أن القدر وضعك في طريقي لاني لا انجب أطفالا....آه لو كان لدي ابنة بجمالك لما سمحت لبشر بالاقتراب منها.
عبس طوروس مدركا كلماتها....إلى ماذا تخطط تلك الفاجرة...أنه ليس مطمئن ابدا لنواياها السيئة.
اقتحم زوجها الغرفة وكان يبدو منتشيا....أدار طوروس عينيه بضجر ....أنه يتمنى لو يرى هذا الرجل ولو لمرة واحدة بكامل قواه العقلية.
- زوجتي الجميلة اشتقت اليكي كثيرا
تذمرت فيكي من احتضانه لها محاولة ابعاده عنها
- اوه ابتعد عني الان انا منهكة.
نظر إلى جسدها شبه العاري برغبة مشتعلة
- ولكني اريدك ...جسدي يشتعل شوقا اليك
سخرت فيكي وهي تنزع المنشفة لتلقيها على وجهه
- واضح جدا الجزء المشتعل بك ...عليك أن تغتسل بعد أن انتهي والا لن تلمس شعرة واحدة مني فقد كان يومي عصيبا مع رائحة السكارى والمدمنين ولن احتمل رائحتك الكريهة أيضا.
القت بكلماتها واغلقت على نفسها لتأخذ حماما بعيدا عن نظراته المتطفلة
أتت برينتا بالمياه الساخنة وقامت بإدخالها إلى فيكي وسألتها أن كانت تريد مساعدتها بالاستحمام إلا أن فيكي رفضت عرضها بنفاذ صبر
ـ اذهبي...زوجي سوف يقوم بمساعدتي بالاستحمام والمساج أيضا ....لست بحاجتك الان انصرفي.
خرجت برينتا لتتلقفها ذراعي سيدها الذي سارع بكتم صرختها المفاجئة كي لا تسمع زوجته ما يحدث
- اششش ...الليلة سآتي اليكي...تزيني واتركي الباب مفتوحا ....وبنبرة مهددة تابع ....كوني بانتظاري
اومأت برينتا بالايجاب وسارعت للخروج مهرولة بخوف بعد أن صفعها بقوة على مؤخرتها.
بدأ زوج فيكي يشعر بالاحباط....بخيبة أمل اقترب من الطفلة التي كانت تراقب بهدوء لأن طوروس كان إلى جانبها يداعبها ويملس شعرها الذهبي القصير وهي كانت تكافئه بابتسامات دافئة وأصوات طفولية فرحة.
- هاي انتي ..إلى ماذا تنظرين والى من تبتسمين؟
أتاه صوت زوجته الساخر من خلف الباب المغلق
- الن تتوقف عن حماقاتك ...أخبرتك بأن الاطفال يستطيعون رؤية اشياء خارجة عن الطبيعة ...تتصرف بغباء وكأنها ستجيبك!
راح يتأملها الزوج بنظرات غريبة مفكرا
- ماذا لو كانت الفتاة مجنونة أو غريبة الأطوار ...لا اعلم لماذا ولكن منذ قدومها للمنزل وانا اشعر باشياء غريبة....وكأن هناك عيون تترصدنا في كل زمان ومكان.
خرجت فيكي عارية تماما أمام زوجها الذي استغل الفرصة ليقترب منها ويحتضنها بشهوة
- لما لا تأخذ حماما قبل أن تأتي العيون التي تراقبنا و تزيلك من الوجود
واتبعت كلماتها بدفعه بعيدا نحو الحمام وأغلقت خلفه الباب ....نظرت إلى الطفلة واقتربت منها بينما طوروس كان يحاول تغطية عينين الصغيرة كي لا ترى المشهد الفاضح أمامها
- حينما تكبرين ستسرقين الأنظار....انتي لست طبيعية حقا ....هل انتي ساحرة
ضحكت الطفلة ببراءة وهي تنظر إلى فيكي الواقفة أمامها دون خجل
- آه لما أشعر انك تفهمين ما اقول بل وتسخرين مني أيضا.
أمسكت فيكي بخصلة من شعرها الأشقر القصير هامسة بتفكير.
- لقد انغمست في عملي حتى نسيت أن أطلق عليكي اسما....ما الاسم الذي يمكن أن يناسبك
فتحت الطفلة عيونها على اتساعها ورفعت اصبعها باتجاه فيكي مناغية بحروف غير مفهومة ....ابتسمت فيكي بخبث قائلة
- انتي جميلة جدا ....اتعرفين ما هو الشيء الاجمل في هذه الحياة .....أنها الخطيئة....أجل الخطيئة هي الأكثر جمالا في الوجود....وانتي جميلة تماما كالخطيئة هذا الاسم يناسبك كثيرا ويناسب ما ستكونين عليه في المستقبل.
واتسعت ابتسامتها تدريجيا بتفكير شيطاني فاسق ومن ثم انفجرت ضاحكة وهي تلقي بجسدها العاري فوق السرير سعيدة بما توصلت إليه أفكارها الشيطانية القذرة
بينما طوروس تجمد مكانه عند سماعه لكلماتها الخبيثة...خطيئة؟!....طفلته الجميلة البريئة ذات الملامح الملائكية سميت خطيئة!!...كيف تكون خطيئة وهو لم يتوقف عن مناداتها بملاكه الصغير ....كيف تجرؤ على نعتها بالخطيئة بينما هو منذ وجدها وجد معها صلاحه ورشده وعودته إلى الطريق الصحيح....لا هي ليست خطيئة بل هي الفضيلة بحد ذاتها ولن يسمح لقذر نعتها بغير ذلك
كان طوروس دائما يحوم حول الطفلة ولا يتركها للحظة فاهمال برينتا لها وانشغال والديها بالتبني طوال الوقت يعرضها لخطر دائم وهو قد عاهد نفسه على ان يعتني بها حتى يكتشف ماذا اراد جاثوم من طفلة رضيعة صغيرة ....كان يمضي اغلب الاوقات معها يلاعبها يداعبها وهي كانت تنظر اليه مباشرة في عينيه وتغرد بصوتها الطفولي معبرتا عن سعادتها بوجوده كان يحملها حين تبكي ويهدهدها الى ان تنام وحينما تشعر بالجوع يجلب لها ما لذ وطاب سواء من بيتها او من البيوت والمحلات المجاورة فهو خفي لا احد يستطيع رؤيته سوى طفلته الصغيرة فيرتشو ....كانت تنمو ببطء ولكنها كانت تنمو بصحة وجمال هادىء لا مثيل له ونادر وجوده بين البشر الان قد بلغت فيرتشو الثالثة من عمرها فقد استطاعت لفظ بعض الكلمات الصغيرة كانت تنادي فيكي ب ماما وبرينتا باسمها ولكنها حينما كانت تراه كانت تناديه الطائر وكان هذا يزعجه كثيرا لذا حاول تعليمها ان تناديه بابا لان ذلك السكير لا يقترب منها او ينظر اليها حتى بالرغم من انها كانت تحبو اليه وتناديه بابا وتصفق له بيديها كلما رأته وهذا جعل توروس يشعر بالغيرة ولكنه لم ينجح بأن يجعلها تناديه بابا ....تنهد وهو يراقبها تلعب في ساحة المنزل بفستانها الاخضر القصير وشعرها الذي يشبه خيوط الشمس الذهبية ....ستغدو شابة خلابة لا مثيل لها ...نادته
- بيرد ( الطائر)
نظر نحوها متأففا ليجدها تنظر اليه فوق غصن الشجرة وبكفها الصغير شيء يشبه الحشرة تتلوى بين اصابعها.
رفعت يدها بابتسامة
- لك...انت جائع
اتسعت عيناه بصدمه انها تدعوه الى الطعام ....لقد احضرت له طعاما ولكن....ماذا....هل تعرض عليه دودة ليتناولها.
هبط بجناحيه الضخمين الى جانبها
- ما هذه؟!
نظرت الى الدودة بدهشة واجابت وكأنه غبي
- طعام....خذ تناولها.
زفر طوروس بغضب قائلا
- لما لا تأكلينها انتي!
هزت رأسها نافية.
- انا لا اكل الديدان
- وما الذي جعلك تعتقدين انني اكلها؟!
ابتسمت بسعادة وكأنها تفوقت عليه بمعلومات لا يعرفها
- برينتا....اخبرتني ان الطيور تأكل الحشرات والديدان ..اريد ان اراك تلتقطها بمنقارك.
قال طوروس من بين اسنانه
- كم مرة اخبرتك بأنني لست طائر...انظري حتى اني لا املك منقارا.
اعترضت فيرتشو بعناد
- ولكنك تملك جناحان ضخمان....وتطير مثل الطيور انت بالتأكيد تاكل الديدان مثل الدجاج والديوك والبط
رفع عينيه بنفاذ صبر متوعدا الغبية برينتا
- ان استمرت بسرد تلك الترهات عليها فسأضطر للتخلص منها .
نظر الى فيرتشو التي اسقطت الدودة ارضا وتحاول الان التقاطها فقام بدعسها بقدمه حتى دفنت في التراب امام نظرات وصرخات فيرتشو...حملها بين ذراعيه ليهدئها :
- اهدئي ....استمعي لي يا طفلتي انا لست طائر ....انا ...انا ملاك....اجل انا ملاكك الحارس....كوالدك تماما ...مهمتي هي القيام بحمايتك ومساعدتك ....لذا توقفي منذ الان فصاعدا عن مناداتي بالطائر....ما رأيك هل تناديني الان ملاكي الحارس او بابا ...ماذا تفضلين؟
عبست فيرتشو وهي تداعب شعره الاسود الاملس قائلة
- لدي بابا ...انت لست بابا...انت طائر مثل الدجاجة
كاد طوروس ان يقتلع شعره من جذوره
- لا تشبهيني بالدجاجة الغبية....هل تستطيع الدجاجة ان تحملك او تداعبك ....هل تتحدث الدجاجة اليكي.
هزت فيرتشو راسها نافية فصاح طوروس بانتصار
- هل رأيتي الان ...انا لست طائرا....انا ملاكك الحارس...ما انا....هيا كرري ذلك
- م...ملا...كي....ملاكي
وهنا شعر طوروس بفرحة عارمة اخيرا ستناديه بحقيقته فهي لم تتنازل وتعتبره والدها لوجود ذلك السكير الاحمق حولها وبالقرب من والدتها
بعد مرور عدة سنوات اجتمع طوروس بجوثوم فوق سطح جبل عال كالعادة، فقد حدد جوثوم هذا المكان للقاء طوروس، فقد كان يغيب عنه بالأشهر ليعود مجددا بأوامر جديدة، وليطلع على أخبار طفلته العزيزة، التي كان طوروس يوما عن يوم يتعلق بها أكثر، لدرجة أنه لا يستطيع تخيل حياته بدونها.
كان نتاج تعاون طوروس مع جوثوم أن يعطيه بعض الامتيازات، كأن يظهر للبشر بشكله الحقيقي والذي كان يتمثل بمظهر شاب طويل القامة عريض المنكبين وقوام ممشوق وممتلىء في المناطق الصحيحة، لطالما اغتر طوروس بشكله الجذاب فهو يعلم بأن جاذبيته تسحر اي أنثى تصادفه، لذا لم يكن يعيرهم اي اهتمام، فقط يكفي أن يطرقع باصبعيه لترتمي الفتاة التي تعجبه بين ذراعيه، وأيضا تمكن طوروس من من تسخير بعض عفاريت الجن لخدمته، كان يستطيع التنقل من مكان لآخر بلمح البصر، كان بإمكانه الطيران والتحليق بالسماء الواسعة، وأيضا بإمكانه أن يشعر بالخطر الذي يحدق به وبمن يحب، كان طوروس سعيدا بهذه القدرات الخارقة، ولكن كل ما كان يرغب به فعلا هو العيش حياة طبيعية بسلام، كان يتمنى أن يصبح من بني الإنسان فعلا، أن يحب ويحب، أن يكبر ويشيخ ويهرم مع من يحب، أن ينجب اطفال وينشأهم أفضل مما نشأ هو، كان يتمنى أن ينال رضا خالقه، لينعم بالجنة مثل جميع البشر لاحقا في الحياة الأبدية، برقت السماء بقوة وهبط جوثوم حيث كان طوروس بانتظاره.
- هل تأخرت عليك؟!
ابتسم طوروس ساخرا:
- كالعادة!
هز جوثوم رأسه بعنجهية:
- هناك موضوع هام بشأن ( ليشري) لذا استدعيتك!
لوى طوروس شفتيه بازدراء، لم يحب هذا الاسم ابدا لطفلته المحبوبة، فهو يعمل جاهدا على تنشئتها بأفضل خلق، ولكن يفعل ذلك بالسر، بعيدا عن أعين جواسيس جوثوم، فقد رأى طوروس بأم عينيه درب الحياة التي يخطط جوثوم أن يضع فسق عليها، لذا اخذ على نفسه عهدا، بأن تكون ( ليشري) عكس ما يريدها جوثوم تماما، فهو يؤمن بأن زرع الخصال الحميدة في الطفل منذ الصغر هي التي تحدد طريقه في الكبر، لذا كان سعيدا جدا بأنه استطاع خداع جوثوم ونيل ثقته طوال هذه السنوات، وفي نفس الوقت لم ينصاع لأوامره وخططه الدنيئة، فهو لم ينادي طفلته بهذا الاسم ابدا، ولن يناديها اطلاقا، فهي ملاكه الجميل الهادىء، هي السبب الذي يعيش من أجله ولأجله ولن يسمح لأي شخص بالاقتراب منها وتدميرها، لذا اختار لها اسما يناسبها( بيور) وقد أخبرها بأن لا تستجب، لأي شخص يناديها بذاك الاسم السيء( ليشري)
ضاقت عيناه على جوثوم وهو يضع يديه داخل جيبي بنطاله:
- ماذا بشأنها؟!
ابتسم جوثوم ابتسامة شريرة وقد لمعت عيناه الحمراوان بخبث مطلق:
- أريد أخذها في جولة الي عالمي، أريد أن اريها ما سوف تصبح قادرة عليه، أريد أن ابهرها بقوتي واعلمها عن قوى الشر في قبيلتي، سوف ادربها واعلمها سوف تكون حليفتي على الأرض وبجمالها وذكائها سوف نهزم سكان الأرض جميعا، وحينها سأثبت للجميع بأني على حق وأن البشر لا يستحقون كل هذا التعظيم والتبجيل الذي وهب لهم.
كان طوروس يستمع إليه بوجل، لا يعلم لماذا ولكن نوبة قشعريرة حادة اجتاحت جسده من مجرد التفكير بما ينوي الوصول إليه ذلك الشيطان الخبيث، طوروس يعلم جيدا بأنه تحدى خالقه أن يتغلب على جميع مخلوقاته، ولكن طوروس لم يكن يرغب بأن ينجح جوثوم في مسعاه، فقوانينه والحياة التي يعيشها قومه ماجنة فاجرة فظيعة، ولا يتخيل ابدا ان تكون بيور من بينهم، وهنا خطر له سؤال لطالما اجتاح تفكيره وتجاهله طوروس بارادته، ولكن الآن سيعرف إجابة هذا السؤال؛
- لماذا هي؟! لماذا وقع اختيارك عليها؟
ارتفع حاجبا جوثوم الكثين الطائرين من طرفيه بشكل مخيف، واقترب من طوروس كثيرا، وربت بكفه ذات الاظافر السوداء الطويلة على وجنته وهمس بغموض مريب:
- ليس الان يا صديقي! هذا السؤال ليس وقته ابدا! هل نسيت اتفاقنا ام علي تذكيرك به ؟!
اشاح طوروس بوجهه بعيدا عن كفه الخشنة وقال متنهدا متهربا من طلب جوثوم:
- لم انسى ابدا! ولكن على ما يبدو أنك نسيت بأن ليشري ما زالت صغيرة جدا، وليست مستعدة لمواجهة شياطين عالمك بعد، انا مسؤول عنها وانا الذي سيقرر متى ستكون مستعدة لرؤية قبيلتك.
ضحك جوثوم بحدة وقد صدح صوته وتردد صداه في الفضاء الفسيح، امتعض طوروس من صوته المقيت الفاجر، ووضع سبابته داخل أذنه وكأنه يحاول تنظيف مجرى سمعه من التلوث الذي اجتاحه، هز جوثوم رأسه موافقا وهو يمعن النظر إلي وجه طوروس بارتياب:
- حسنا! سوف انتظر، ولكن لن انتظر طويلا، عليك أن تسير حسب الاتفاق الذي بيننا.
واقترب من طوروس وهو يتابع بصوت خفيض محذراً:
- أرجو أن تلتزم باتفاقنا، فالغدر عواقبه وخيمة جدا يا صديقي.
حدق طوروس إليه بثقة، فطوروس لم يخف بحياته قط، ولم ينجح احد بزعزعة ثقته بنفسه ابدا ، ولكنه لا يخشى على نفسه، فقد أصبح الآن في حياته شخص يخاف عليه أكثر من روحه، اختفى جوثوم من أمامه وهو يشير بيده إلى طوروس وقد شقت وجهه ابتسامة واسعة مقيته، جلس طوروس متنهدا بارتياح فقد انتهى هذا اللقاء السيء دون أي اضرار، وعاد ليسرح بصغيرته البالغة من العمر عشرة أعوام، ( بيور ) لم يعتقد طوروس طوال سنينه التي عاشها بأنه سيحب أحدا ويتعلق به كما تعلق بها، فهي فتاة مميزة، لا يعلم ما هو الشيء الذي يجذبه اليها، ولكنه يعلم بأنها مختلفة عن جميع بنات جيلها، فهي نقية صافية بريئة، وحكيمة، لا تحب الجور والظلم، وتحب الجميع دون استثناء، حتى الطير والحيوان ترفق بهم وتطعمهم وتزجر كل من يحاول اذيتهم، طوروس لم يواجه مشكلة ابدا في تعليمها الاخلاق الحميدة والخصال الحسنة، بل الفتاة جبلت بهم حين كانت نطفة صغيرة، كل ما كان يفعله طوروس هو احاطتها بالحماية وإبعاد الأذى عنها وتحصينها، كانت الفتاة مباركة حقاً، فهو لم يظهر لها ابدا منذ أن بلغت الرابعة من عمرها، ولكنها كانت دائما تشعره بأنها تعلم بوجوده حولها، كانت دائما تقول لجميع من حولها، لدي صديق خفي يحميني ويبعد عني الأذى، والجميع صدقها، لأنه بالفعل لم يترك أذية أي بشر تطالها، فقد تعرضت لحوادث كثيرة ولكنها كانت تنجو منها بأعجوبة منذ صغرها، حتى هناك من حاول التنمر عليها ولكن طوروس كان يتشكل بأشكال مخيفة ويظهر لهم دونها ويرعبهم مما يجعلهم يفرون من أمامها حال رؤيتها ولا يعترضون طريقها، أجل تلك الشقية تعرف بأنه دوما إلى جانبها وفي ظهرها ولن يسمح بأذيتها أبدا.
تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم