القائمة الرئيسية

الصفحات




 

الفصل السابع والثلاثون

لا تبحثي عني



كان قاسم يروح جيئة وايابا في غرفة مكتبه، كان في انتظار لطيف على احر من الجمر، فقد شعر بأن لطيف قد سافر الي المريخ ولن يعود ابدا، بالرغم انه لم يمضي على غيابه عنه سوى نصف ساعة، ولكنها كانت نصف ساعة مريرة قاتلة، اطول نصف ساعة في حياته، القى بجسده المتعب فوق مقعده وهو يصرخ بحدة:

_ اللعنة عليك يا لطيف، لما كل هذا التأخير؟!

وهنا لمع السؤال بعقله، ماذا يفعل؟! بل ماذا ينتظر؟! فرسالته التي ابلغها الي لطيف ليوصلها الي ماسة لا تحتاج ردا ابدا، رسالته لم تكن سوى اعلان بانتهاء كليهما، اعلان بموت ماسة وقاسم الي الابد، لا تحتاج ردا ابدا، فماذا تنتظر ايها الاحمق، وهنا هتف قلبه صارخا متألما، لعلها تنقذنا، علها ترفض هذه الرسالة علها تنكرها، وتأتي اليه راكضة بمليء ارادتها، فتعيد قلبه الي الحياة بنظراتها بهمساتها بلمسة صغيرة منها، اجل هذا ما كان قاسم بانتظاره، كان اختبارا لها، بل لهما معا، اختبار ليمتحن قوة حبهم، فهو لم يرغب بفرض نفسه عليها، فقد أقسم لوالدته ذات مرة ان ماسة لن تتزوج الا من شخص تختاره هي، وهو لن يفرض حبه وسيطرته عليها، يريدها ان تبحث عنه بنفسها، يريدها ان تقبل عليه بقدميها دون ضغط او الزام، تمنى لو انها تفعل، تمنى لو انها تقتحم عليه البيت صارخة به،( كيف تجرؤ على هجري، كيف لك ان ترمي بذكرياتنا معا في وجهي، كيف تجرؤ على بيع بيت طفولتنا واحلامنا الصغيرة، كيف هان عليك ان تتركني وترحل لأجل أخرى...كيف وكيف...)

كان قاسم غارقا في خيالاته، مسترسلا في احلامه، ولم ينتبه لوصول لطيف الذي وقف امامه محدقا به منتظرا رده عليه، بدا قاسم في عالم آخر، عالم يبدو انه يعجبه كثيرا، فقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة حالمة اظهرت للطيف بأنه موجودا معه بجسده فقط، وبعد لحظات قصيرة، انتبه قاسم لوجود لطيف امامه، اعتقد بأنه وصل للتو، فنهض مسرعا، ليستقبله، نهض ليستأنف حلمه على أرض الواقع، ولكن... الاحلام ليس دائما من السهل تحقيقها، فقد لاحظ عبوس لطيف وضيقه، لاحظ انه لا يوجد أثر لماسته خلفه، حتى انه لا يشتم رائحتها في المكان، وهذا يعني ان رسالته لم تحقق الهدف المنشود، عاد ليجلس مكانه خلف المكتب وتظاهر بالصمود قائلا ببرود:

_ لما هذا العبوس يا لطيف؟! هل ابلغت رسالتي الي ما...(شعر بغصة تخنق كلماته، فهو حتى لا يستطيع ذكر اسمها دون ان يشعر بالألم) اليها.

هز لطيف برأسه وقد شعر برغبة عاتية بالصراخ معترضا عما يفعلانه بنفسيهما، فالحياة قصيرة جدا، لما عليهما ان يعيشاها بعذاب:

_ انها تبلغك سلامها، وتتمنى لك سفرا موفقا، وتدعو لك بالسعادة الزوجية الي الأبد.

مان ممسكا بيده قلما، كان يشد عليه بتوتر، وما ان انتهى صالح من كلامه، حتى كسر القلم بين يديه، مما سبب جرحا صغيرا في كفه، تمالك نفسه وهو يتظاهر بالبرود ويلف فوق جرحه قطعة شاش صغيرة وقال ساخرا:

_ لقد تأخرت كثيرا، هل استضافتك لشرب الشاي.

هز لطيف رأيه نافيا:

_ فقد ساعدتها لنقل الاغراض الي الداخل، ارادت ان ابقى ولكني رفضت.

قال قاسم بصوت متحشرج متظاهرا باللامبالاة:

_ كيف كانت؟ اعني بالتأكيد هي سعيدة جدا في كنف عائلتها الجديدة؟!

فهم لطيف الام يلمح قاسم، فهو يكاد يموت من الغيرة والغضب، الا انه يكابر، لا يعلم لماذا، واضح على الاثنان حبهما الشديد لبعضهما البعض ما الداعي لكل هذا الكبرياء الذي يحطم كليهما دون رحمة، اراد لطيف ان يبوح له ما رأى، اراد بشدة ان يخبره ملاحظاته على الاشياء التي رآها وسمعها، ولكن ماسة قد انتزعت منه وعدا ان لا يخبره شيئا مما رآه او سمعه، فقط طلبت منه ان يرسل له رسالته تماما كما قالها:

_ لقد بدت لي سعيدة جدا، فلم تفارق الابتسامة وجهها، حتى حينما تلقت رسالتك لها، لم تفعل شيئا سوى الابتسام والتمني لك بحياة سعيدة.

وكان صالح يكذب، فقد رأى لمعان الدموع في مقلتيها، لاحظ ارتجاف شفتيها، وسمع صوتها المهزوز،الضعيف يكاد يقسم ان فور ابتعاده عنها، أغرقت نفسها بالحزن والدموع، ولكنه لم يجرؤ على اخبار قاسم بما يظنه ، فماسة ارادت ان تظهر عكس ما رأى، ولكنها لم تستطع اخفاء ألمها وحزنه عنه، لذا شعر وكأنه سيخونها لو أخبر قاسم ما احس به وليس ما ارادت اخفاءه وبالرغم من ذلك كان واضحا له كعين الشمس.

تابع قاسم بهدوء قاتل وغضب شديد حاول اخفاءه:

_ هذا الصالح، هل كان معها في المنزل؟!

اجاب لطيف بأدب جم:

_ أجل، فهو على حد علمي يعيش معهم بنفس المنزل.

وهذه الاضافة كانت متعمدة من لطيف، قال قاسم على مضض يحاول كظم غيظه واخفاء مشاعر الغيرة التي اجتاحته:

_ حسنا، شكرا لك يا لطيف بإمكانك الذهاب.

وحالما التفت لطيف مغادرا المكتب، اتاه صوت قاسم مناديا بحده:

_ لطيف؟! 

وقف لطيف مكانه وانتظر بفضول كبير سؤال قاسم القادم، والذي قد بدا واضحا جدا معاناته في في طرحه وبالنهاية، سأله باستسلام نافذ الصبر:

_ماذا فعلت بدمية الدب؟! هل القتها بالنفايات؟!

أكد له لطيف بسعادة خفية كتمها بصعوبة، وهو يجيبه بخبث:

_ لم تهتم بأي شيء آخر غيرها، فقد كانت سعادتها بها اشبه بلقاء طفل صغير بوالده بعد طول غياب.

تنفس قاسم الصعداء، وبابتسامة سعيدة أخفاها عن عيني لطيف قال مصرفا اياه بهدوء:

_ هذا كل شيء، شكرا لك يا لطيف.

وحالما غادر لطيف الغرفة، اتسعت ابتسامة قاسم منتصراً، لن يفارقها ابدا سيلازمها كظلها، لن تعرف ولن تشعر ولكنه، بكل تأكيد لن يتركها، ليس لأنه لا يريد، فبداخله تمنى لو يستطيع التخلي عنها، الا انه لم يستطع، فهي الاكسجين الذي يتنفسه، مهما بدر منها نحوه، لن يستطيع ابدا ان يكرهها، اخرج جهازا صغير من درج مكتبه، وأخذ يقلبه بيديه هامساً:

_ معا للابد ماستي، لن اتخلى عنكي أبدا.

لم تعلم ماسة كيف نامت او لكم من الوقت نامت، حينما استيقظت وجدت بأن أشيائها اختفت، التفت حولها فوجدت بعضا من كتبها، صورة تجمعها برفقة عائلتها، القليل من الاقلام والنوتات التي كانت تحتفظ بهم للتعبير عما بداخلها، ولكن لا وجود لاي شيء آخر على الاطلاق، والذي لم تهتم لغيابهم اطلاقاً، كل ما كان يهمها هو دبدوب الباندا الصغير، اين ذهب، فهي ستتهاون بفقدان اي شيء الا هو، بعد ان دارت قليلا في الغرفة بحثا عنه ولم تجده، سارعت الي خالتها، ففوجئت بها تختال بالثوب الذي أهدتها اياه هناء، فقد بدا مناسبا جدا، على زوجة ابيها وكأنه صمم لأجلها، ولكن ذكرى ارتدائها هذا الثوب، اثارت القشعريرة بجسدها، وتذكرت كلمات قاسم وكأنها حدثت بالأمس فقط: 

- ارتدي هذا الثوب اللعين مجددا وسوف امزقه عليكي!

صدرت عنها شهقة حاولت كتمها متأخرة، فاتجهت العيون اليها وقد اعتلى وجوههم التساؤل عما بها، وزوجة والدتها اعتقدت بأنها غاضبة لارتداء ثوب من أثوابها، فقالت بانتقاد شديد لماسة وهي تحدق بنظرات مستنكرة:

_ لم يبدو انه يناسبك لهذا ارتديته! لو علمت انك ستغضبين لأجله لما وضعته على جسدي أبدا، سأبدله الآن.

سارعت ماسة باعتراض طريقها:

- لا تفعلي، انه جميل عليك جدا، اذا اعجبك بإمكانك الاحتفاظ به.

ابتسمت خالتها برضى وهي تلتف حول نفسها بسعادة، ووجهت الكلام الي صابر:

- ما رأيك! يليق بي كثيرا اليس كذلك؟!

هز زوجها برأسه موافقاً، وعاد للعبث بهاتفه، اقتربت ماسة من خالتها بتردد وسألت بحرج:

- كان هناك دمية دب باندا من ضمن الأغراض التي وصلتني، بحثت عنها ولم اجدها!

عبست خالتها بتفكير ومن ثم هتفت بلامبالاة:

- ذلك الدب المشوه، لقد قمت بإلقائه بالقمامة، فوجوده لا...

قاطعتها ماسة بصدمة:

- اية قمامة؟! أين مكانها ؟!

أشارت ببرود نحو النافذة، خلف المنزل، وركضت ماسة مسرعة الى الخلف كيف تستعيد دبها المسكين، يا الهي، كيف القته خالتها بالقمامة، الا تعلم قيمته لديها، فهو صديقها الوحيد وكاتم أسرارها الأزلي، والرفيق الذي المخلص الذي عاش معها أفراحها وأتراحها، كيف القت به بالقمامة.

نظرت خالتها الى زوجها صابر، وقالت بحدة مندهشة من ردة فعل ماسة.

- هل هي طفلة، ليس الا دمية مهترئة، يبدو ان ابنتك قد جنت!

هزت رأسها بضيق وهي تعود لغرفتها لتبدل ملابسها.

يتبع...

تعليقات

التنقل السريع