القائمة الرئيسية

الصفحات

 




الفصل الثالث والاربعون

زوجة دون علمها



فكر قاسم اين يمكن ان تكون، وتذكر لطيف، اجل لطيف، وفي الحال قام بالاتصال به، وكان لطيف على الطرف الآخر:

- سيد قاسم! متى عدت؟!

اجابه قاسم بعد تحية مقتضبة:

- منذ ساعات ليس الا، كيف حالك؟! ما هي الأخبار؟!

لمس لطيف ترددا في صوته، وعلم بأنه لا يسأل عن اخباره هو بالتأكيد، اعتدل لطيف في مكانه ونظر الي الساعة ليجدها منتصف الليل:

- هل اوقظتني من نومي لتسأل عن اخباري!؟

صاح قاسم غاضبا، فهو يعلم جيدا مراوغة لطيف، ولكنه ليس بمزاج يسمح له للنقاش والجدال الآن، لذا قال بنفاذ صبر، وغضب حاد:

- لطيف لا تختبر صبري! هل هي الي جانبك؟

تنهد لطيف مستسلما، وهمس بلطف:

- انها نائمة في الصالة فوق الأريكة!

وقبل ان يجيبه قاسم بأي كلمة، تابع ممازحاً:

- بإمكانك القدوم لنقلها الي السرير فانا كهل عجوز، بحاجة لمن ينقلني.

واتاه الرد على صوت صفارة انذار تنبئه بقطع المكالمة، ابتسم لطيف بسعادة، على ما يبدو ان الطيور المهاجرة، ستعود الي اعشاشها قريباً.

كم الساعة الآن، يا الهي متى وكيف نامت في مكانها، يا الهي كم شعرت بالإحراج، كيف سقطت نائمة دون ان تدري، قامت ببطىء لتتجه الى المطبخ، فقد كانت تشعر بعطش وسارت فوق اطراف اصابعها كي لا تزعج أهل البيت وأيضا كعادتها لم تشعل الضوء، ملئت كأسها، وما ان رفعته الي شفتيها لترتشف القليل، حتى غمر الضوء المكان، شتمت بسرها، مهما حاولت ان تكون ضيفة لطيفة، رغما عنها تنقلب الي ضيفة ثقيلة سئيلة، التفتت بابتسامة محرجة تحاول تبرير تسللها في منتصف الليل، لتصطدم عينيها بعيني قاسم الحادة كالصقر، ورغما عنها افلتت كأس الماء ليسقط على الأرض ويصبح حطاماً مع شهقة مكتومة صدرت عنها دون ارادتها، ابتسم قاسم ساخراً:

- لم تغيري عادتك في التسلل الي المطبخ في منتصف الليل!

وحينما سمعت صوته تأكدت بانه حقيقة وليس خيالا رسمها عقلها الباطني، ولكنها تمنت لو كان خيالا، ردة فعلها الثانية بعد الصدمة ان تركع مسرعة لتتجنب النظر الي وجهه الساخر، تلملم شظايا الزجاج المحطمة، شتم قاسم بحدة حينما رأى نزيف اصبعها بسبب تسرعها وتوترها، وبخطوات سريعة واثقة وصل اليها انحنى ليلتقطها بين ذراعيه.

ماسة حتى هذه اللحظة ما زالت مصدومة، كيف حملها بهذه السرعة وخرج بها، لتصطدم نظراتها بعيون لطيف المرحة، ونظرات زوجته الخجولة، يا الهي كيف حدث كل هذا بهذه السرعة، وضعها في المقعد الامامي الي سيارته، واخرج ملصق جروح ازرق وبسرعة امسك اصبعها المجروح والذي حاولت سحبه من بين يديه الا انه احكم امساكه بها وعمد الي تغطية جرحها قبل ان يتلوث، كل هذا وماسة صامته، كل ما تحاول فعله هو ايصال اعتراضها ورفضها لما يحدث بتعبيرات وجهها البريئة، ولكن قاسم تجاهل ردات فعلها بتعابيره الساخرة النزقة:

- متى عدت؟! والي أين تأخذني؟!

صاح قاسم ساخرا وهو يضرب فوق مقبض السيارة بكفه:

- لقد اعتقدت بأنك فقدت النطق مجدداً، سعيدا لاستعادتك صوتك يا ماستي الثمينة!

عضت شفتيها بتوتر، وارسلت نظراتها بعيدا خارج نافذة السيارة المسرعة:

- لقد عدت لتوي من تركيا! كيف حال عائلتك، هل انتي سعيدة بينهم؟!

يا الهي! بما ستجيبه الآن، هزت رأسها موافقة! وتابعت وهي ترسم ابتسامة مزيفة:

- بالتأكيد! سعيدة جدا!

وابتلعت غصة حادة تجمعت في حلقها، بما انه عاد للتو فهذا يعني انه لا يعرف شيئا، وهي لن تخبره بشيء ابدا، فبالنهاية هو سيعود الي زوجته، وهي ستعود الي ضياعها، تنهدت بأسى وهي تساله بفضول:

- مبارك زواجك! هل انت سعيد بزواجك؟!

اه تلك الغبية، حسنا سوف يجاريها في لعبتها!

- لم اتزوج بعد! ولكني سعيد لسعادتك.

اتسعت عيناها بصدمة:

- ألم تعد من تركيا لتوك؟!

هز رأسه موافقا ببرود:

- عدت لتوي، صحيح! ولكني لم أذهب لأتزوج، فقد ذهبت للعمل!

ركز نظراته فوقها وهو يتابع:

- هل نسيتي الشروط؟! عليكي ان تحضري زفافي، أرأيتي انا التزم بالشروط التي اتفقنا عليها.

ابتلعت ماسة ريقها بصعوبة، ماذا يعني، هو لم يتزوج، لقد عاد لأجلها، ولكن ما الفائدة؟! فهو اتى لتعذيبها، أتى ليأخذ منها التوقيع بالموافقة على شهادة موتها، يا الهي كم هذا صعب ومؤلم، نظرات الذهول الموجهة اليه، أعلمته بأنه يسير في الطريق الصحيح.

- الي اين نذهب الآن؟!

ابتسم ساخرا وهو يعيد التركيز الي الطريق:

- الي البيت.

عبست ماسة، وقبل ان تقوم بسؤاله اجابها بابتسامة واثقة:

- كلا لم افعل!(وعاد ينظر اليها مجدداً) مستحيل ان ابيع بيت احلامنا وذكريات طفولتنا، مستحيل ان ابيع بيت والداي!

اعترضت بدهشة:

- ولكنك قلت...

- كان قرارا متسرعاً، ولكني غيرت رأيي.

احنت رأسها الي حضنها مفكرة، ليته يبدل رأيه بشأن حضورها زواجه أيضاً، وصل الي البيت ولكم كانت سعادتها كبيرة لعلمها بأنها ستعود لرؤية بيتها مجددا، وفكرت بأنها ستستمتع بهذه اللحظات وفيما بعد ستفكر بطريقة لإقناعه بالعدول عن حضورها لزواجه. 

بعد ان جالت عدة مرات في جميع انحاء البيت، جلست متنهدة بسعادة، لقد استرجعت كل الماضي بلحظات قصيرة، ناداها قاسم من المطبخ فذهبت اليه بخطوات مترددة، كان قد اعد سفرة متعددة يبدو ان هذه الاطعمة المختلفة كانت في المقعد الخلفي للسيارة، فجميعها اطعمة جاهزة اعدت خارجا، وفكرت بأنه اتى بالفعل وهو مصمما على اخذها، وتذكرت نظرات لطيف وابتسامة زوجته الخجولة، وأدركت ان هناك امر لا تعرفه، تقدمت منه بخطى باردة منقبضة، من غير المعقول ان يعرف بما حدث لها، هل ذهب الي بيت صالح سابقا، ام...

- اجلسي لنتناول الطعام، أكاد أموت جوعا.

اجل ان تصرفاته غريبة كيف لم تلاحظ ذلك، جلست مقابله على المائدة وسألته:

- كيف علمت بوجودي لدى لطيف؟!

تظاهر باللامبالاة وهو يبدأ بتناول الطعام:

- سألته وأخبرني انك ببيته!

انه يراوغ! أخذت تعبث بطعامها دون ان تأكل منه لقمة واحدة، وقد لاحظ قاسم ذلك، كم اراد لو يهزها حتى تصطك اسنانها ويصرخ بها بأن لا شيء ابدا سيغير حقيقة ما يشعر به نحوها، ولكنه تماسك واخذ يحشو الطعام في فمه دون ان يشعر بمذاقه، وضع في طبقها الذي تعبث به القليل وحثها على تناول المزيد، عادت لسؤاله وهي تضيق الخناق عليه:

- لما سالت لطيف عن مكاني وانت تعرفه؟! هل ذهبت الي منزلي؟ هل قابلت والدي؟

رأى ارتجاف يديها، ونظرات الخوف والعار في عينيها، ارتعاش صوتها المثقل بالدموع المكتومة اخترقه كسهم حاد غليظ وترك قلبه نازفاً، ركز نظراته فوقها مضيقا عيناه عليها، رأى تهرب نظراتها التي تخشى الاصطدام بنظراته، اجابها بغموض:

- اجل، ذهبت الي منزلك وقابلت والدك.

سقطت الشوكة من يدها مرتجفة، اذن فقد علم كل شيء، انحنت لتلتقطها، فسارع قاسم لالتقاطها بدلا منها، وقفت ماسة بسرعة متوترة وهمست:

- اذن، لا داعي لوجودي هنا، انا سأع...

- انتي لن تذهبي الي اي مكان.

اعترض طريق هروبها واقفا في طريقها، غاضبا لسوء تفكيرها به، قالت والدموع بدأت تفيض من عينيها:

- وجودي هنا خاطئ، لست مضطرا للعناية بي، بإمكاني الاعتناء بنفسي.

تجاوزته راكضة الي الباب الخارجي، تريد الهروب منه في منتصف الليل الحالك السواد، حيث لا مأوى لها ولا مسكن، شتم قاسم وهو يلحق بها ويسحبها بين ذراعيه ليحتضنها بشدة، ويحكم الامساك بها، همس بصوت اجش:

- وجودي دونك في هذه الدنيا هو الخاطىء، لن يعتني بكي احدا غيري وانا موجود، انتي ملكي انا ولا يحق لأحد ان يمتلكك غيري.

حاولت انتزاع نفسها من بين ذراعيه ولكنه لم يسمح لها بالابتعاد عنه، اجهشت بالدموع صارخة به:

- انا لست ملكا لأحد، انا لقيطة لا اصل ولا فصل لي، انا لا شيء.

صرخ قاسم بها غاضبا، يحاول قطع كلماتها المسمومة، محاولا وقف سيل دموعها وتدفق مشاعرها الجريحة:

- انتي أصلي وفصلي وملكي ومليكتي، انتي هي الحياة التي اتنفسها، انتي امي واختي وحبيبتي وزوجتي، انتي كل شيء جميل في حياتي، اياك ولفظ هذه الكلمات مرة أخرى.

همست يائسة باكية:

- ولكنها الحقيقة، انا ...

لم يدعها تكمل، كانت شفتيه لها بالمرصاد، لم يستطع ايقاف تدفق كلماتها بالصراخ، فأوقفها بأقدم الطرق الافلاطونية، اغلق شفتيها بقبلة عميقة طويلة، قبلة حملها كل مشاعره واشواقه واحزانه ورغباته المكتومة، في البداية كانت مصدومة، اعتقدت بأنه اخطأ وحالما يدرك خطأه سوف يبتعد عنها ويتركها، ولكنه لم يتوقف، حاولت صده ودفعه والتملص منه لكن دون جدوى، كانت قبلته تخضعها وتسقط حصونها، الي ان استسلمت الى الضغط الذي يمارسه عليه وأسدلت شراعها، تجاوبت مع قبلته، رغما عن ارادتها، وبآهة منتصرة عمق قبلته لتصبح اكثر رقة وحناناً، اخذ يرتشف الشهد من شفتيها ويبثها الحب الذي دفنه عميقا داخله، وبعد لحظات قليلة، تراجعت ماسة خطوات صغيرة للخلف، وكان الخجل يتملكها، وقد شعرت بالغلطة الفادحة التي ارتكبتها، غطت شفتيها بكفها واستدارت مبتعدة عنه، همست بعذاب ضمير يجتاحها:

- أنت لديك خطيبة! هذا خطأ!

أمسك بها من كتفيها وصاح بها غاضبا:

- فلتذهب الي الجحيم خطيبتي! ليس لدي سواكي، انتي هي خطيبتي وزوجتي وحبيبتي.

نظرت اليه كالتائهة، لا تفهم شيء مما يقوله، هذه المرة الثانية التي يعيد على مسامعها هذا الكلام، ابتسم برقة حينما رأى تشتتها وهمس:

- لقد انهيت خطوبتي أنهيتها لأني بكل بساطة لم استطع انتزاعك من قلبي، ماسة انا احبك بل أعشقك حد الجحيم، سامحيني لان اعترافي اتى متأخراً، ولكنني غبي أحمق ذو كبرياء عاق، أرجوكي اقبلي حبي ووافقي على الزواج بي وسامحيني، دعينا نبدأ حياة جديدة ونطوي صفحة عذاباتنا القديمة

ماسة كانت مذهولة فقد أغدق عليها بكلمات تاقت لسماعها، كلمات اعتقدت بأنها ليست من حقها، لقد رفعها من سابع ارض لسابع سما، لم تصدق أذنيها كانت تخشى ان يكون حلما، ولم ترغب ابدا بالاستيقاظ منه، سألته بتردد:

- انا لا اعرف من عائلتي ... أنا لق..

وضع اصبعه فوق شفتيها:

- أنا لا اهتم من تكون عائلتك، ما يهمني هو انت فقط، ولكن لأجلك سأنبش الأرض نبشا حتى اجدهم.

همست وهي تكاد تقفز من السعادة:

- ماذا سيقول الناس عن زواجنا...

سارع للإجابة بسعادة وقد شعر بالأمل يورق داخله من جديد:

- سنسافر للخارج ونعلن زواجنا، هناك لن يعرفنا احد ولن ينتقدنا بشر، دعينا لا نضيع المزيد من حياتنا، فنحن ليس لدينا الا حياة واحدة والعمر يمضي بنا، ولا أريد ان أمضيه وحدي، أريد ان أمضي ما تبقى من حياتي معك، أرجوكي يا ماسة وافقي لا تطيلي عذابنا.

اتت كلماته بلسما لجروحها المؤلمة، اتت مواساة لأحزانها وتعويضا لشقائها، هو محق لا يوجد ما يمنع زواجهما الآن فهو يحبها تماما كما تحبه، كل ذلك العذاب والالم اختفى بكلمة واحدة منه، هتفت بسعادة تغمرها ودموع الفرح تغشى عينيها.

- أنا أحبك كثيراً، أحببتك منذ اللحظة الأولى التي اكتشفت فيها الحب، احببتك وسأحبك بكل جوارحي.

احتضنها قاسما بشدة وحملها بين ذراعيه وأخذ يدور بها في جميع انحاء البيت هاتفا:

- لن نفترق ابدا، ولن نتخلى عن بعضنا البعض، ولن تخفي عني شيئا أبدا أبدا.

ضحكت ماسة بسعادة ومن كل قلبها، الي حين لاحت لها وجه امها بالتبني المبتسم، ترى لو كانت حية هل كانت ستقبل بزواجهما، هل ستبارك حبنا؟! لاحظ قاسم تبدل ملامحها:

- أخبريني ما يشغلك.

نظرت اليه لا تريد افساد فرحته ولكن تأنيب الضمير عاد ليجتاحها والشكوك عادت لتساورها، همست بحزن:

- لو كانت امي حنان ما زالت على قيد الحياة، هل كانت ستقبل بارتباطنا؟!

ابتسم لها بغموض وامسك بها من يدها ليأخذها الي غرفة المكتب، وهناك أسرع لإخراج عقد الزواج الموقع من قبل والدته ومن قبله، أعطاها اياه وانتظر ردة فعلها، راقب تعابيرها المصدومة وقبل ان تتفوه بأي سؤال وضع بيدها رسالة من والدته كانت املتها عليه وهي على فراش الموت، جلست ماسة متأثرة والدموع تترقرق في عينيها، وبدأت بقراءة الرسالة تحت انظار قاسم المحبة:

- (صغيرتي الغالية، وابنتي الجميلة التي لم الدها قط، سامحيني يا حبيبتي لقد كنت قاسية عليكما، كنت انانية ولم افكر سوى بنفسي ومركزي امام الناس، رأيت مشاعر الحب تنمو داخلك نحو قاسم وتجاهلتها، أردت الاحتفاظ بك كابنة فقط وخفت ان أفشل وخفت من كلام الناس من حولي، لقد ارسلته بعيدا لأني بداخلي لم استطع الابتعاد عنكي ولو لحظة، ماستي الغالية كل ذنبي انني أحببتك دون حد دون شرط، ولم اكن اعلم اني بحبي لك ظلمتك، لذا اردت اصلاح خطأي قبل رحيلي، فأنا لن أجد شخصا يحبك ويخاف عليك بقدر قاسم، انا سأرحل وانا مطمئنة بأن ابنتي بأيد أمينة، وأن وحيدي مع امرأة ستعشقه أكثر مني وتحميه وتحفظه، انا اثق بك يا ابنتي واحبك كثيرا، ولا تتخليا عن بعضكما البعض ابدا مهما كانت الظروف، بارك الله لكما وعليكما وجعلكما من عباده الصالحين).

أغلقت الرسالة وقد انهمرت دموعها لتغرق وجهها، سارع قاسم لاحتضانها والتهوين عليها، الآن أصبحت تعرف كم أحبتها والدتها، وكم ظلمتها بسوء ظنونها بها، تنفست براحة كبيرة بعد ان أفرغت كل حزنها فوق كتفي قاسم، وبعد ان انتهت جفف دموعها ونظر الي وجهها مليا وهمس بكل حب:

- بعد اليوم لن ارى على وجهك سوى دموع السعادة فقط، أحبك أكثر من روحي.

- أيها الماكر لقد عذبتني كثيراً، وقد امتلكت خيط نجاتي، أنا أعشقك بكل جوارحي، انت ابي وامي واخي وصديقي انت كل ما املك في هذا الوجود.

واحتضنا بعضهما البعض وقد تبادلا الوعود والعهود، على عدم الفراق، وأخبرها بأنه لم يفارقها ابدا ولو لحظة.

نظرت اليه تلومه بعينيها وتعاتبه بلسانها:

- ولكنك تركتني تخليت عني! هل نسيت؟!

ابتسم برقة وهو يمسك بوجهها البريء بين يديه:

- أنا فعلا مخادع مغرور متعجرف وبي العديد من الصفات ولكن الهجر لم يكن أبدا من صفاتي! حبيبتي حتى في أوج غضبي منك لم استطع التخلي عنك ابدا!

وفجأة على صوت ماسة من الشاشة السوداء الكبيرة المعلقة خلفها، التفتت ماسة بسرعة لترى مصدر الصوت، وهناك رأت نفسها، تصرخ وتتشاجر مع دميتها، اتسعت عينيها بصدمة واستغرقها الأمر عدة ثواني لتدرك بأن قاسم وضع لها كاميرا مراقبة داخل دب الباندا، وكم شعرت بالحرج ان تعرف بأن قاسم كان طوال الوقت يراقبها حتى وهي بأسوء حالاتها دون ان تعلم، نظرت اليه وقد تغلغلت مشاعر الغضب والاحراج والعاطفة في عروقها، وقالت من بين أسنانها:

- لا تخطر تلك الأمور الشاذة الا في عقل المنحرفين! يا الهي كيف خطر لك ان تفعل هذا؟!

ضحك قاسم برقة وهو يشاكسها:

- ومن أخبرك بأنني رجل سوي؟! فأنا مهووس عاشق، منحرف بفضلك!

لم تتمالك ماسة نفسها من السعادة، فمعرفة انه لم يتخلى عنها أبدا، جعلت الحب يورق في قلبها مجددا وبقوة أكبر، احتضنته برقة قائلة:

- انا أيضاً مهووسة بك، وأعشقك حد الجنون! ولكن عليك ان تحضر دميتي لي، أنا لا أستطيع التخلي عنها.

تظاهر بالغضب وهو يتركها ويبتعد عنها:

- مستحيل ان اعيده لك، فقد استبدلتني به، لن أحضر غريمي بيدي الي بيتي، من الآن فصاعدا لن تشكي أو تبكي أمام احد غيري انا.

ابتسمت ماسة بسعادة وكي تسترضيه:

- مستحيل ان يحل مكانك ابداً، أريده للذكرى فقط، أريده لأجل مولودنا الأول، سيكون صديقا وفيا لصغيرنا تماما كما كان لي.

ضحك قاسم بسعادة، فكرة ان ينجب طفلة منها تشبهها جعلته يشعر بالحماسة والاثارة، فهو لن يكون طفلا فقط، بل سيكون رباط ابدي يجمعهما الي الأبد ولن يستطيع فك وثاقهما احد، همس موافقا وهو يحتضنها ويعود لعناقها وتقبيلها حاملا لها الوعود والعهود بسعادة أبديه لن تمسها شائبة. 

يتبع...

تعليقات

التنقل السريع