الفصل التاسع والعشرون
الرهينة
كان الزحام في الشوارع شديدا خانقا، ولم يستطع قاسم الاحتمال، لذا اختار طريق جانبيا فارغا يسلكه، فقد كان عائدا من بحث طويل داخل المستشفيات والعيادات، وبالرغم من انه عاد محبطا، الا انه اطمئن انها بخير، لقد مر الي بيت خالته في وقت سابق، عله يحصل منها على طرف خيط يساعده في الوصول اليها، ولكن كل ما اكدته له خالته بأن ماسة غادرت منزلها عازمة على رؤيته لتسأله عن الحقائق التي اخفاها عنها، اما عن حالتها النفسية فقد أخبرته بأسف وندم انها كانت منهارة جدا، صرخ بها قاسم بحدة:
كان عليكي ان تبقيها في بيتك، كان عليكي اخباري لحظة قدومها الي بابك، اقسم بأني لن اسامحك أبداً اذا اصابها اي مكروه.
رحل قاسم من بيتها غاضبا، وتتبع سير الطريق الذي سلكته، نظر بكل زاوية عله يجد احدى كاميرات الأمن، ولكن لسوء حظه كان الشارع خاليا من اي وسيلة مراقبة، فلم يكن لديه خيار سوى البحث في العيادات والمشافي، تنهد بأسى، لم يتبقى امامه سوى خيار واحد، ان يلجأ الي مركز الشرطة، بالرغم من انه لم يرغب باللجوء الي هذا الحل، ولكن كل دقيقة تمر لن تكون في صالحها أبداً، وصل الي مكتبه متأخراً، كانت الشركة تعمها الفوضى، فعادة الموظفين السيئة لن يبدلوها أبداً، دائما حينما يتأخر الرئيس عن الشركة يتصرف الموظفين براحة ودون اي التزام، صرخ بهم قاسم منفثا غضبه وكبته بهم، فتراكضو امامه خائفين مذعورين كالجرذان، اتاه مدير الشركة مترددا، خائفا من ان يطوله بطش رئيسه، صاح به قاسم نافذ الصبر:
هات ما لديك؟!
وضع امامه المدير بيد مرتجفة رسالة وصلت له بالبريد، وكتب على ظهرها، خاص جدا بالسيد المحترم قاسم..
احضر لي السكرتير هذا البريد، يبدو أنها رسالة خاصة جدا ولم اجرؤ على فتحها.
اخذها قاسم وهو يشير بيده لمديره بالانصراف، وقام بفتحها على عجل، وسقطت منها صورة فوتوغرافيه، التقطها قاسم بسرعة، وشعر بانقباض شديد في قلبه، كانت صورة لماسة وهي مستلقية بغرفة صغيرة رثة، كانت مغلقة العينين وعلى ما يبدو انها غائبة عن الوعي، تسارعت انفاس قاسم بغضب، من قد يجرؤ على هذه الفعلة الشنيعة، كان على ظهر الصورة جملة واحدة ساخرة جعلته يدرك هوية الفاعل.
لست شقيقها الوحيد
وبالأسفل رقم هاتف للتواصل معه، شتم قاسم بقسوة، كيف تجرأ على فعلها، ذلك الوغد، كان قد اتخذ قرارا بعدم الاستهانة بتهديده، ولكن في خضم معرفة ماسة للحقيقة التي اخفاها عنها، نسي ذلك الوغد تماما، فقد اعتقد بأن والدها قام بحل الأمر معه وانه لن يحاول اعتراض طريقها او اذيتها، ولكن على ما يبدو بأن والدها لم ينجح بالسيطرة عليه واخضاعه.
ذلك الوغد سوف يلقنه درسا لن ينساه أبداً، وبالحال قام قاسم بالاتصال على الرقم الموجود خلف الصورة ، واتاه صوت صالح ساخرا.
توقعت ان لا تتصل أبداً.
صرخ عليه قاسم مزمجرا:
اين هي؟ ايها الوغد ان قمت بوضع اصبعا واحدا عليها سأقتلك.
ضحك صالح ساخرا:
على رسلك يا دون جوان، هل نسيت انها شقيقتي أيضاً.
صاح قاسم غاضبا:
انها ليست شقيقتك ولا تمت لك بأي صلة، اخبرني بما تريده ايها الحقير.
آه، الآن بدأت تفهمني، فلتستمع لي جيدا، انا لا اهتم لأمرها أبداً، كل ما أريده مقابلها هو مبلغا من المال، ولكن اذا تلاعبت بي وعبثت معي، اقسم انك لن تراها أبداً.( وقبل ان يقفل الهاتف قال محذرا) أعتقد بأنه لا يوجد داع للطلب منك ان لا تبلغ الشرطة، انتظر مني اتصالاً.
القى قاسم بالهاتف ارضا غاضبا شاتما، اللعنة، ذلك الوغد كيف يجرؤ على ان يتحداني، وماسة ترى ما هو وضعها الآن، يا الهي بالتأكيد انها في اسوأ حال، اخذ يصرخ بشدة ويحطم كل شيء أمامه، بينما الموظفين بالخارج منكمشون في امكانهم، يدعون ان لا يطالهم غضبه.
اخذ قاسم يفكر فيما سيفعله، كيف سيخلص ماسة من بين يديه بأقل الاضرار، اللعنة كيف سيجلس هادئا منتظرا اتصال ذلك الوغد وهو لا يعرف بحالها الآن.
سيدي، رجل يدعى صابر بالخارج يطلب رؤيتك.
بسرعة اذن له قاسم بالدخول، راقب الرجل يدخل بهدوء متكئا على عكازه، غريب ففي زيارته الماضية لا يذكر قاسم بأنه كان يحمل عكازا، بل انه حتى لا يذكر ان كان اعرجا، عبس قاسم بنفاذ صبر حينما رأى ابتسامته الواثقة الخبيثة، وانتظر قاسم ان يسمع ما لديه قبل ان يقوم بمهاجمته.
كيف حالك يا بني؟ انا هنا بناء على الاتفاق بيننا، فالاختبارات انتهت، وانا لم اعد احتمل فراق صغيرتي، فأنا اشتقت اليها كثيرا.
هل يسخر منه، هل حقا لا يعلم بما فعله ابن زوجته، كز قاسم على أسنانه بغيظ، وقال بكلمات قصيرة حاول ان تبدو هادئة:
بالتأكيد وهي اشتاقت لك ايضا، اين ابن زوجتك صالح هل تعرف مكانه؟!
صالح!ذلك الأحمق لقد تحدثت إليه، وهو الآن لن يعترض طريقكما أبداً فلتطمئن.
تراجع قاسم بكرسيه للخلف ومن ثم دار حول حماه المستقبلي ووقف أمامه وانحنى فوق مقعده حتى اصبح وجهه مقابل لوجه عمه وهمس بتهديد مخيف في صوته:
-هل تمتحن صبري يا عمي ام قررت ان تستفيد من الطرفين؟
ارتبك صابر وكانت نظراته مستفهمة الا ان قاسم لم يرحمه أبداً:
- ان ماسة بحوزة ابنك الحقير صالح واقسم ان اصابها اي مكروه لن ارحمك انت او هو سوف تكون نهايتكما على يدي لا محالة.
قال كلماته الاخيرة وهو يسحبه من قبة قميصه ويوقفه على قدميه بالقوة.
قال الرجل بصوت مختنق:
- انا لا افهم ما تقوله انا بالفعل لا اعرف شيئا مما تقوله.
صرخ قاسم وهو يلقي به بعيدا:
-ان ابنك الحقير اختطف ماسة ولا اعلم ما هدفه لكن اذا كنت تخطط معه لفعلة دنيئة صدقني لن أرحمكما أبداً.
هنا قرر صابر ان يقوم بدور المهاجم بدل من ان يتخذ دور الدفاع وصرخ على قاسم بخباثة:
- انت تعتقد باني سأصدق هذه الكذبة، أنت تفعل ذلك كي تتنصل من دفع مهر ابنتي ولكنها ابنتي بحكم القانون، ولدي ما يثبت ذلك لذا ان كنت تحاول هضم حقوقي بها كوالد فأنت مخطئ عليك التفكير بذلك آلاف المرات قبل ان تفعل ذلك.
ضحك قاسم بمرارة ساخرا وهو يلقي به بعيدا:
ابنتك، ومتى امتلكت ابنة كي تمتلك حقوق عليها، انت لا تصلح ان تكون والدا أبداً، انت لا تستحق ان تكون لك ابنة مثل ماسة، فرجل باع طفلته الصغيرة وهي بأمس الحاجة له، لا يستبعد ان يبيعها مرارا وتكرارا، الاف بل ملايين المرات انت لا تستحق أبداً ان تكون والدا.
لم تهتز شعرة واحدة لدى هذا الرجل العجوز الجشع، واضح جدا انه أبداً لن يعيد حساباته بالنسبة لابنته المسكينة.
لست انت من تحكم بيني وبين ابنتي، فرابط الدم بيننا أقوى من ان تقطعه انت او عشرة من امثالك، ماذا يثبت لي صدقك بشأن ابنتي؟
نظر اليه قاسم باشمئزاز، واتجه الى مكتبه ليسحب الظرف الذي يحوى صورة ماسته الحبيبة، والقى بالظرف في وجه صابر:
لست مضطرا لابرر نفسي امامك، ولا يهمني ان صدقتني ام لا، ولكن كن على ثقة، بأن فعلتكما الخبيثة هذه لن تمر مرور الكرام.
حدق صابر بالصورة بصدمة، فقد بدا واضحا انه لم يكن يعرف بذلك، وبالرغم من ذلك، قاسم لن يتهاون معه أبداً، اتاه صوت صابر مرتبكا مترددا:
ذلك الأحمق، لقد تشاجرت معه واخبرته بأن لا يتدخل بأي شيء يخص ابنتي، لم اكن اعلم بأنه يخطط لهذه الفعلة الشنيعة.
راقبه قاسم بغموض، ومن قال وهو يسند بظهره الي مقعده الاسود الجلدي الدوار:
اتصل به واعرف اين هو، ان اردت اثبات حسن نواياك معي، فساعدني بإعادتها سالمة، هاتفه الآن واستدرجه لنستدل الي مكانهما.
ابتلع صابر ريقه خوفا، فصالح غادره غاضباً، مهدداً، متوعداً أن ينتقم منه اشد انتقام، ذلك الحقير قد أفسد كل ما خطط له، وكي لا يخرج خالي الوفاض قرر ان يمتثل لطلب قاسم، عله يحصل منه على ضالته المنشودة، ضرب رقم صالح بأصابع متوترة مرتجفة، لم يعلم قاسم هل سببها الخوف او تقدم العمر، وانتظرا اجابة صالح على المكالمة، الذي لم يلبث ان اتاه صوت صالح ساخرا، شامتاً:
والدي العزيز! انت لم تتأخر أبداً، في موعدك دائما.
قال صابر وهو يكاد يميز من الغيظ، بينما قاسم يطالبه بفتح المايك كي يسمع حديثه ويتقصى مكانه:
كيف تجرأت على فعل ذلك بابنتي؟ دعنا نلتقي ولنتفق على كل شيء.
ضحكة صالح جلجلت مكتب قاسم الهادئ وعكرت سكونه، وصدح صوته الغليظ الفظ:
ابنتك! يا رجل! هل نسيت من تخاطب؟ حيلك الخادعة هذه ما عادت تنطوي علي منذ عشر سنوات يا..عمي
وعاد ليطلق ضحكاته الساخرة، تمنى قاسم لو بإمكانه معرفة مكانه، كم اراد ان يطبق على عنقه بذراعيه هاتين، كم رغب بتكسير يديه التي تجرأتا على أذية محبوبته وتعليقهما برقبته كي يجعله عبرة لمن يعتبر، ولكن صبرا جميلا والله المستعان.
تدارك صابر الموقف وهو يدير وجهه بعيدا عن عيون قاسم المحدقة به بحدة تحاول اختراقه وسبر غوره، وقال مزمجرا، كزمجرة جرو صغير أمام ذئب كبير:
انت لا تعلم ما تقوله، وايضا لا تعلم مدى عواقب فعلتك، دعنا نلتقي و اعدك بأنك لن تندم.
زفر صالح بنفاذ صبر:
فلتستمع لي جيدا ايها العجوز الخرف، الأمر خرج من بين يديك تماما، لذا لا تتدخل فيما لا يعنيك، واخبر من يقف جانبك، بأن لا يحاول المخاطرة والعبث بحياة ماسته الثمينة، ولا يحاول التذاكي معي والا سيندم.
اغلق الهاتف حالما نطق بتهديده الجبان، أعاد صابر الاتصال به وبعد عدة محاولات فاشلة اتضح بأنه تخلص من رقم هاتفه تماما، جلس صابر ماسة لاعنا متذمرا، بينما قاسم كان مستغرقا بالتفكير وكأنه يحلل شيئا ما، او يحاول التفكير في تغيير مجرى الاحداث لصالحه، حدق به صابر بتوتر، وكأنه كان يخشى ان يكتشف شيئا ما، سرا غامضا ربما، فقد لاحظ قاسم شدة ارتباكه اثناء مكالمته الهاتفية القصيرة، وقد استطاع ان يخمن ان ما بين صالح وصابر العديد من القذارات ولن يتوانى قاسم عن التنقيب عنها و اكتشافها، اشعار رسالة هاتفية انتزعته من أفكاره الشائكة، ليرى فيديو قصير مرسل لماسة وهي جالسة فوق سرير قاس، واضعة رأسها فوق ركبتيها، ومن ثم اقتربت الكاميرا من ملامحها الجميلة البائسة حالما رفعت رأسها بضيق وهي تزفر وتنظر الي سقف الغرفة الكئيب، شعر قاسم برغبة عارمة بالانقضاض على صالح ليقوم بقتله بيديه هاتين، ولكن لحسن حظ صالح انه كان بعيدا جدا عن متناول يده.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم