القائمة الرئيسية

الصفحات

 




الفصل الرابع

- المسها وسوف اكسر لك يدك والفها فوق عنقك.
شقت الابتسامة وجه تالا بسعادة، بطلها دائما يأتي لإنقاذها في اللحظة المناسبة، تراجع زوج المرأة الشمطاء بخوف مبتعدا عن تالا، بينما ارتبكت العجوز واحتارت فيما لو تتابع جدالها العقيم مع تالا ام تعطيها النقود وتنسحب، رأى دان ترددها فاقترب منها بخطوات بطيئة وانحنى نحوها ينفث كلماته بوجهها المرتعد:
- عليكي أن تعيدي المال الي تالا، لو كنت مكانك لفعلت، أنها كلبة مجنونة ومن الممكن أن تفترسك، أنها مخيفة جدا، وانا أتجنب إثارة خوفها.
أخبرها بكلماته تلك وهو مازال يحمل العصاة على كتفه، وقضم ما تبقى من تفاحته الحمرا، ومن ثم القى بها بعيدا ضاربا اياها بالعصا السميكة التي بيده، ارتجفت المرأة في مكانها، هي تعلم أن تالا لا يمكن أن تتغلب عليها وحدها، ولكن ظهور دان قلب جميع الموازين، ولم يعد لديها خيار سوا الدفع، فلا مزاح ابدا مع دان، فهو يحصل على ما يريده دائما.
همس دان قريبا جدا منها وهو يكرر بتهديد:
- آي ...كم تخيفني كثيرا تلك الكلبة.
ابتلعت العجوز ريقها بخوف، حسنا وجود دان الكريه حسم الأمر ولم يعد بوسعها الجدال اكثر، صاحت بحدة مخفية رعبها وحرجها أمام الجميع:
- آي أيها المجانين...حسنا حسنا...خذو مالكم اللعين...انا لن اعمل معكم مجددا.
وأخرجت المال من صدرها وأعطته لتالا التي كادت أن تطير من السعادة، فهي كانت واثقة من وجود المال معها، قامت تالا بسرعة بعد الأوراق المالية وكان المبلغ ناقصا، بينما حاولت العجوز الفرار قبل أن تنتهي تالا من العد، صاحت تالا بحدة:
- هاي...هل تعتقدينني غبية...اخرجي بما تبقى من المال.
نظرت العجوز إلى دان ويكفي فقط أن تنظر لملامحه الغاضبة، كي تسارع في إخراج ما تبقى من المبلغ وتعطيه إلى تالا وهي تتذمر بغضب وحقد، واختفت داخل الشاحنة التي انطلقت سريعا بدورها مختفية من أمامهم.
قفزت تالا وأصدقاء دان من الفرحة وجلست تعد المال الذي جنته طوال اليوم بسعادة، بينما دان يدور حولها مثل الأسد المهيب الذي يحمي لبوته.
- هل هذا كل شيء؟!
سألها دان بابتسامة مرحة، فهذه الفتاة كل ما تبقى له بالدنيا بعد تخلي شقيقه عنه، وهو سيحميها ويساندها دوما ومستحيل أن يتخلى عنها كما فعل شقيقه القاسي به.
أشارت له بأصابعها مبتسمة بحماسة:
- تبقى القليل فقط
ربت على رأسها بابتسامة رقيقة، وذهب برفقتها ليجمعا ما تبقى من ديون سويا، كانت تالا سعيدة فحينما يرافقها دان في عملها، تنتهي بشكل أسرع من المعتاد ودون مشاكل، حتى لو واجهت المشاكل فهو يحميها دوما ويقوم بالعراك لأجلها والدفاع عنها، حتى يعيد إليها حقها، كانت تشعر بأنها قوية وتفرض احترامها على الجميع، فقط لأن دان بظهرها دائما، واجهت مشكلة صغيرة مع رجل لم يقبل بالسداد واستهان بها وبالذات لأنه وحده برفقتها، ولكن سرعان ما ندم حينما رأى رجاله يُصرعون واحدا تلو الآخر بقبضة دان القوية، وسارع في الحال لإعادة المال إلى تالا وهو يعتذر منها ويطلب السماح.
جلس دان بانتظار عودة خطيبته، فقد انتهى من جمع الأموال وحان وقت حصولها على ربحها، كان يراقب المكان الذي ستأتي منها، أشعل سيجارة وأخذ ينفث دخانها بالهواء، ويراقب الخيوط الدخانية كيف تتعاقب وتتراقص حتى تختفي، سمع همسات بعيدة وصلت لأذنيه، فاتجه بانظاره حيث الصوت، وهناك رأى خطيبته تقف متسمرة أمام فستان زفاف ابيض رائع، كانت تتأمله بانبهار وحسرة، كان بجانبها فتاتان تتاملان الفستان وتشيدان بجماله، ويحسدان الفتاة المحظوظة التي سوف تحصل عليه يوم زفافها، ودون إرادة منها ارتفعت يدها تتحسس الحرق الذي شوه عنقها، فهي اعتادت اخفاءه تحت شال صغير تعقده دائما حول عنقها، كي تتفادى نظرات الاشمئزاز من جميع من ينظر اليها، تالا كانت فتاة جميلة، ولكنها لا تثق بنفسها، تعيش مع امرأة عجوز وابنها، وكانت تحبها كثيرا فهي المرأة الوحيدة التي اعتنت بها في صغرها مع ابنها الوحيد، كانت تناديها عمتي وتعتبر ابنها كأخ لها، فقد تخلت عنها والدتها من أجل الزواج برجل ثري وبدأت حياة جديدة معه وقد أنجبت له ولدان ونسيت أمرها تماما، حتى بعد أن كبرت، والدتها لم ترغب ابدا برؤيتها أو التعرف اليها، تالا لم تكن تعتني بمظهرها كثيرا فهي لم ترتدي فستان كجميع الفتيات بسنها، كل ما تلبسه هو بنطال وقميص فضفاض يخفي معالم انوثتها، ولا تتقن التحدث بلباقة أو رسمية، كانت كقطة برية همجية، ولكن هذا ما يجب أن تكون عليه كي تستطيع النجاة في هذا العالم القاسي.
دان كان يعلم ما يدور بداخلها، كان حزين لاجلها، فهو الوحيد الذي يعرف قصتها، وهو الوحيد المتسبب في تشوه عنقها، لذا لا يستطيع التخلي عنها ابدا، فهي كانت تجمع المال لأجل القيام بعملية تجميلية لعنقها، شعر بالضيق يغمره، فبسبب عشقها له وخوفها عليه وتدخلها في شؤون حياته حصل لها هذا التشوه.
صاح لها مناديا مسترعيا انتباهها، فركضت بسرعة نحوه مخفية ملامح الحزن وراء ابتسامتها:
- انظر...بفضلك حصلت على مبلغ اكبر من السابق.
ابتسم برقه وهو يمسك بيدها وهز رأسه سعيدا، وما أن هم بالسير حتى هتفت تالا بغضب:
- انت أيها الوغد...أمسكت بك أخيرا.
اتجهت نظرات دان الى حيث تنظر تالا ورأى ذلك الرجل الذي حاول ضربه ذات مرة ولاذ بالفرار، الحقيقة أن دان نسي أمره تماما، فهو لا يهتم بملاحقة اعداءه، ولا يهم إن هربو من أمامه كالجرذان، ولكن خطيبته تعطي الأمور أهمية أكثر من قيمتها، كانت تريد التوجه الى ذلك الرجل لتفتعل معه المشاكل وتنتقم لخطيبها، حاول دان ثنيها وايقافها، ولكنها صاحت متمردة بعناد تريد الانتقام، دان لم يحتمل هذا، فيكفيها تشوه عنقها الذي حصلت عليه بسببه، بسبب دفاعها عنه، صرخ بها بعنف حينما رفضت الاستجابة له.
- توقفي...لا أريد أن تدافعي عني، لا اريدك أن تدخلي فيما يخصني، بامكاني الاعتناء بنفسي فلا تقحمي نفسك بمشاكلي.
كان دان نادرا جدا ما يغضب ويصرخ عليها، لذا تسمرت في مكانها خائفة مصدومة من تبدل مزاجه، ولم تستطع الجدال أو التفوه بكلمة فقط اكتفت بهز رأسها بصمت، حينها تأبط دان ذراعها وسار معها الى حيث ركن دراجته النارية.

يتبع...

تعليقات

التنقل السريع