الفصل السابع
بقيت ماريانا طوال الليل بالخارج تترقب عودته، ولكنه تأخر كثيرا وبدأ البرد يتسلل إلى جسدها البارد، فهي لم تكن ترتدي ملابس دافئة وما زالت بثوب السهرة الخفيف، أخرجت من حقيبتها زجاجة النبيذ التي اشترتها خلال طريقها إلى هنا، وجلست مرتكزة إلى حائط منزله تلتمس الدفىء، وترتشف رشفات صغيرة من مشروبها كي تحرك الدم البارد الذي تجمد في عروقها، وظلت على هذه الحال حتى أنهت زجاجتها بالكامل، أخذت تربت على ظهر الزجاجة وتنظر إلى داخلها كي تتأكد من أنها فارغة، فقد ثملت حتى أذنيها ولم تعد تعرف حتى سبب وجودها في هذا المكان.
شكرت سيرا السيدة العجوز لاتصالها بها، فقد أخبرتها أن ماريانا ليست بوعيها، وهي ملتصقة بمنزل مايكل وترفض الرحيل، لذا أتت على وجه السرعة بسيارتها الخاصة، وبمساعدة السائق نقلتها إلى منزلها على الفور، متجاهلة همهمات ماريانا وتذمرها.
* دان *
- دان ...دان...دان
توقف دان ملتفتا إلى صديقه اللحوح، وأخذ يتابعه بنظراته، فقد كان يركض نحوه بسرعة وحماسة، وكأنه يحمل في جعبته خبر هام، كان دان متعبا، فقد أمضى صباحا شاقا في التدريب والملاكمة، فهو لن يتوقف إلى أن يحقق حلمه بأن يصبح (شامبيون) في الملاكمة.
وقف صديقه أمامه يحاول التقاط أنفاسه وقال بصوت متقطع:
- مايكل...لقد وجدته.
تسمر دان في مكانه فهو لا يصدق بأنه سمع ما يقوله فعلا، فقد نجح مايكل في إخفاء نفسه والهرب منه لفترة طويلة، كيف استطاع توم ايجاده، بالتأكيد هناك خطأ ما.
صاح به صديقه لينتزعه من افكاره:
- دان هل سمعتني؟!...لقد وجدنا شقيقك أخيرا...لقد عرفنا مكانه أخيرا.
* شقيق ماريانا*
كان يلعب العاب الكمبيوتر، حينما أرسل له أحد الأصدقاء فيديو قصير، دفعه فضوله لإيقاف اللعبة، وتشغيل الفيديو، حينها فوجىء بشقيقته في وضع مخل مع أحد الرجال، اتسعت عيناه بصدمة، وقام بالاتصال بسرعة بصديقه صارخا بغضب:
- من ذلك الوغد فوق شقيقتي...كيف حصلت على هذا الفيديو؟!
أتاه صوت صديقه ساخرا:
- يا رجل...أنه أكثر الفيديوهات مشاهدة على اليوتيوب وقنوات السوشيال ميديا، الجميع يتحدثون عن شقيقتك ورجل الأعمال الثري.
هتف مات بصدمة:
- ماذا...
* ماريانا*
استيقظت ماريانا على صفعات صديقتها الغاضبة سيرا، فقد انقضت عليها فوق السرير وأخذت تصفعها من فوق الأغطية وهي تصرخ بحنق:
- كيف تفعلين ذلك؟!...لماذا شربتي هذا الكم من النبيذ، ما كان علي تركك وحدك بالأمس.
أخذت ماريانا تتمسك بالأغطية جيدا كي تحميها من ضربات صديقتها الغاضبة:
- آي هذا مؤلم...توقفي...لن اكرر ذلك مجددا.
جلست سيرا متعبة، منزعجة من تصرف ماريانا الغير مسؤول، فهي مديرة أعمالها ومسؤولة عنها، تسللت ماريانا من الفراش بهدوء ووقفت امام صديقتها كتلميذة مذنبة وهمست بخجل وتأنيب ضمير:
- لا تغضبي مني...لقد حدث هذا رغما عني صدقيني.
احتضنتها سيرا بلطف متنهدة، وأخذت تربت على ظهرها برقة هامسة:
- لا تعلمي بماذا ورطتي نفسك، أرجو أن لا تسوء الأمور أكثر.
نزلت ماريانا الي الصالة برفقة سيرا، لتتلقى وابل من التوبيخ من زوجة والدتها التي لم تكن تناديها سوى بأمي، فهي كانت تكن لها المودة والاحترام، بالرغم من انانيتها وطمعها وحبها للمال إلا أن ماريانا تغاضت عن هذا كله وصانت لها رعايتها واعتنائها بها وهي صغيرة، كان شقيقها وشقيقتها الصغرى يقفان في زاوية الصالة يراقبان هيجان زوجة أبيهما على اختهما الكبيرة، بينما والدها الطيب لدرجة أن يرى الخطأ ويتغاضى عنه كان يقف عابسا مؤيدا لتعنيف زوجته ضد ابنته.
- كيف تفعلين بنا شيئا كهذا...أن صورك منتشرة بجميع المحطات...الآن ستخسرين عملك وستشوه سمعتك...يا الهي سنفقد كل شيء حصلنا عليه بتعب بسبب غبائك وتهورك...لا ادري ما الخطأ الذي ارتكبته في حياتي لأحصل على ابنة مثلك...أشعر بأني سأموت...يا الهي انا لا أشعر بأني بخير.
وركض إليها إخوتها كي يسندوها كي لا تسقط أرضا، بالرغم من أنهم جميعا يعرفون بأنها تتذرع بالمرض في الشدائد كي تنال مبتغاها، اقتربت منها ماريانا برقة وامسكت يدها قائلة بلطف:
- امي لا تقلقي...انا سأتكفل بكل شيء، انا سأحل هذه المشكلة، لا تمرضي ولا تخافي.
قبلت والدتها، وخرجت مسرعة من البيت ترتدي جينز ازرق وقميص أبيض فوقهما جاكت اسود مفتوح، وكي لا يتعرف لها أحد وضعت القبعة على رأسها، وانطلقت بسيارتها، لتقابل ذلك الرجل الذي تسبب في الفضيحة وتضع حلا لمشكلتها معه.
* دان*
كان يتفقد سطح البناية حيث يسكن شقيقه مايكل، داخل غرفة صغيرة وضيعة، فشقيقه لم يكن بالمنزل، أتى حارس البناية واخبرهم بأن شقيقه يعود متأخرا في المساء، وسمح لهم بالدخول إلى غرفة مايكل كي يستريحا من مشقة الطريق، أخذ دان يتفقد الغرفة الوضيعة بنظرات غير راضية، فقد اعتقد ان أخيه يعيش في وضع أفضل من هذا، كان هناك فراشات غير مرتب وكأنه نهض متأخرا في الصباح، كان يوجد بعض الأطباق والأواني، ومحضر طعام في زاوية الغرفة.
هتف صديقه بحماس وهو يمسك بيديه صورة لمايكل مع فتاة جميلة بابتسامة بريئة:
- دان...انظر...انها الممثلة الشهيرة مانيلا...لقد أخذ معها صورة...يا الهي كم احسده...انا أعشق هذه الممثلة.
نظر دان الى الصورة، وفجأة شعر بغصة في قلبه، فقد كانت ابتسامة شقيقه الواسعة، نابعة من قلبه، تعبر عن سعادته الكبرى، لم يكن دان يتخيل بأن يبتسم بهذه الطريقة ومايكل بعيدا عنه كل هذا البعد ولا يعرف عنه شيئا، رؤية ابتسامة مايكل وراحته وسعادته أثناء بعدهما عن بعضهما البعض، كطعنة خنجر حادة، اخترقت قلبه، وتركته ينزف، نظر إلى صديقه قائلا ببرود:
- دعنا نرحل من هنا.
دهش صديقه لطلبه الغريب، فقد أمضى سنوات عديدة يبحث عن شقيقه، كيف سيغادر دون أن يراه.
- ماذا عن مايكل؟!...ألن ننتظره؟!
اجابه دان بلا مبالاة:
- لا ادري لماذا ولكن...أشعر بأن لا رغبة لي في لقاءه.
وبالفعل رحلا دون أن يقابله.
*ماريانا*
كان هذا المكان الوحيد الذي لا تعرف به الصحافة، فقد استطاعت ماريانا التخلص منهم بصعوبة، كان عليها أن تلتقي بذلك الأحمق الذي ورطها بهذا كله، فهو من تسبب به وهو من يجب عليه تخليصها من هذه الورطة.
جالسة على أحد مقاعد الاستاد الخاص بالالعاب الاولمبية، تشعر بالضجر وتتململ في مكانها، بينما تنتظر ذلك الأحمق الذي نسق للقائهما مع مديرة أعمالها سيرا، أن يبدأ موضوعه ويعرض الحلول، وقد غفلت عن نظراته المزعجة التي كان يرميها بها بين الفينة والاخرى، تثائبت ماريانا بضجر فوجدته يحدق بها، شعرت بالحرج واعتدلت في جلستها متسائلة:
- ماذا ستفعل بشأن ما حدث؟!
نظر إليها مندهشا كان يرتدي زي رجال أعمال بقرافة مرتبة، وعلى ما يبدو بأنه يعاني من ضعف نظر، فهي لم تراه دونها سابقا، كان سؤالها بريئا عفويا، ولكنه أخذه بشكل خاطىء على ما يبدو، ولكن ماريانا لم تهتم، لما يفكر فهي تريد إنهاء هذا الموضوع وبالحال، تابعت بعبوس وهي تتأمل طوله الفارع، لم يسبق لها أن قابلت رجلا بهذا الطول، هي لا تنكر وسامته، لكنه لا يضاهي حب حياتها الوحيد:
- لكن...لماذا فعلت ذلك؟!...تبدو رجلا محترم...لماذا قمت بهذا التصرف...هل كنت ثملا؟!
اتسعت عيناه بصدمة، فهي بالفعل تتهمه بالتحرش بها، يا الهي تلك الغبية الا تعلم ماذا تسببت بفعلها الأحمق حينما كان كل هدفه مساعدتها فقط، قال غاضبا وهو يضيق نظراته عليها.
- سيدة ماريانا...انتي حقا لا تعرفين ما حدث؟!
هزت رأسها بكل براءة نافية معرفتها بأي شي، وتابعت بعفوية أشعلت النار في عروقه:
- لا اعرف...انت من بدأ هذا...لذا بالتأكيد عليك أن تتحمل مسؤولية اعمالك.
لا يدري لما ينتابه شعور، بأنها خططت لكل هذا، فهو لا يصدق برودها ولا مبالاتها، لقد قامت بتشويه سمعته، أن اخبارهم تسري كالنار بالهشيم، والده يعنفه بسبب تلك الفضيحة، وحذره بأنه لن يحصل على قرش واحد من أملاكه وسيعهد بجميع الأعمال لشقيقه الأكبر وأيضا سوف يتبرأ منه، كي لا تتأثر شركاته بهذه الفضيحة المشينة، وهو لا يستطيع أن يقف متفرجا بينما تعبه وسنين الغربة التي قضاها خارجا من اجل تعلم إدارة الأعمال وتولي عمل والده من بعده، كل هذا سوف يذهب سدى، بسبب سوء فهم تافه تسببت به هي، نظر إليها بعيون حادة كالصقر:
- ألم تخططي انتي لكل هذا...آنسة ماريانا؟!
اتسعت عيناها بدهشة، كيف يتهمها بهذا الامر، هل هي من لاحقته الى ذلك المكان الخالي وتقربت منه أثناء ثمالته، ذلك المغرور من يعتقد نفسه، وقفت على قدميها غاضبة:
- الا تظن بأنك تتمادى قليلا...فلتستمع الي يا عمود الإنارة...انت عليك أن تحل المشكلة التي تسببت بها...أنها مشكلتك وحدك.
ابتسم ساخرا:
- ولهذا نحن هنا الان...أخبريني هل أعمل بنصيحة اخي وأخبر الصحافة بأنكي المخططة لهذه الفضيحة.
هذا الرجل لا يصدق، أما يحاول إلقاء التهمة عليها في فضيحة تسبب بها هو، صرخت غاضبة:
- استمع لي يا عمود الإنارة...هذه الفضيحة لا دخل لي بها، انت من بدأ هذا الأمر.
قال ساخرا:
- آنسة ماريانا...انا لا ألمس طبق الارز الذي لا يخصني!
ارتفع حاجبيها بدهشة متسائلة:
- هل تعني بأنني طبق أرزك الخاص بك؟!
شعر الغيظ لأنها تسيء دوما فهمه وكأنها تتعمد ذلك:
- لم أقصد هذا!...آنسة ماريانا ألم تدخلي الجامعة ابدا؟!
كان مستفزا من برودها وتصنعها السذاجة، وفوجىء باجابتها العفوية التي لم يتوقعها:
- لا...لم اذهب للجامعة أبدا!
عقدت حاجبيها بتمعن، وعلى الفور نفضت الأفكار من رأسها، فهي ليست مضطرة لأن تشغل نفسها بعقده، وقفت على قدميها معلنة انتهاء لقائهما:
- لا اعلم ماذا ستفعل...فقط لا شأن لي بما ستفعله...( وتابعت ساخرة) فأنت رجل الجامعة بالنهاية، بالتأكيد ستجد حلا.
ألقت بكلماتها الساخرة تلك وغادرت تاركة اياه خلفها يحدق بأثرها مصدوم من تصرفها نحوه، فهو لم يعتد هذه المعاملة الباردة من النساء، كيف لممثلة ناشئة مثلها، تجعله يشعر بالضآلة والصغر.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم