الفصل الرابع والثلاثون
غرباء
حال دخولها البيت ذهبت مسرعة لتبحث عن صالح، وجدته في المطبخ جالسا خلف المائدة وأمامه فنجان صغير من القهوة الساخنة، اتجهت بأنظارها الى حاتم، كان مستندا الى الثلاجة ويحمل بيده مسدسه الأسود الصغير، عادت ماسة بأنظارها الى قاسم الذي دخل خلفها، متذمرا من خوفها ولهفتها على صالح، وطالبته بحنق:
ما من داعٍ لهذا.
اجتاز قاسم المساحة الصغيرة التي تفصله عن حاتم بخطوات قصيرة وسريعة، أخذ السلاح من يد حاتم، ووضعه داخل سرج بنطاله خلف ظهره، وأمره بفظاظة:
اذهب الآن، ما من داع لوجودك.
هز حاتم برأسه مستجيبا، وهمس لقاسم شيئا ما بأذنه ومن ثم انسحب خارجا مغلقا الباب خلفه، جلست امام صالح تقابله وهمست برقة:
هل انت بخير؟ هل تريد مني أخذك الي الطبيب؟!
وقبل ان يجيب صالح هتف قاسم ساخرا:
يا الهي قلبي الصغير لا يحتمل.
حدجته ماسة غاضبة، بينما حدق بها صالح مستفهما:
أنتي تتكلمين!
ابتسمت ماسة بحرج:
أجل، ولكن ليس منذ وقت طويل.
هتف صالح بحماسة بطرقة صغيرة فوق الطاولة:
علمت ذلك، لقد شعرت بأنك تدركين كل ما يحيطك، فقد كانت نظراتك تفضحك.
قال قاسم بصوت حانق وهو يسحب كرسيا ليقابلهم:
حسنا ايها الذكي، انهي قهوتك واخلد الي النوم، السهر ليس جيدا لمن بعمرك.
ضحك صالح بقوة ولكن سرعان ما تلاشت ضحكته الساخرة وتحولت الي آهة متألمة بسبب ألم شفتيه المشقوقة أثر لكمات قاسم القوية.
هل أنت والدي، ألسنا بنفس العمر تقريباً؟! كان عليك الرحيل مع صديقك البلطجي، اعتقد ان ماسة أخبرتك بما أخبرتك به تماماً، لا داعي لوجودك بيننا.
استرخى قاسم في مكانه ليأخذ وضعية أكثر راحة بجلسته، ووضع ساق فوق ساق وهو يمعن النظر الي وجه صالح المتورم:
لا شيء مما أخبرتني به ماسة سيغير وجهة نظري بك، ولن أترك ماسة وحيدة برفقتك، فأنا لا اثق بك اطلاقا.
نظر صالح الى ماسة مستفهما، فأجابته وهي تتهرب بنظراتها من عيون قاسم التي تراقبها كالصقر:
قاسم سيبيت هنا هذه الليلة، وفي الغد سأعود الي منزل العائلة، انت ستأخذني الي والدي.
هز صالح رأسه بإدراك، على ما يبدو انها لم تستطع التخلص منه، فهي لم تخبره برغبتها بالعودة الى منزل والدته وزوجها، آه ستعاني ماسة مجددا برفقة والدها الجشع، والذي لن يرحب بعودتها اليه لأنه سيخرج خالي الوفاض من الصفقة التي أبرمها مع قاسم.
استشعر قاسم الموقف وعلم بأن هناك شيئا مريبا يدور بينهم، هو لا يعلم ما هو هذا الشئ الغامض، ولكنه لن يترك لهما المجال بالانفراد بنفسيهما ابدا، عليه ان يعرف ماذا يخططان من خلف ظهره، كيف لرجل غريب عنها، وبعيدا عنها كل هذا البعد، نجح باستمالتها، ونال ثقتها الكاملة، وهو من امضى معها كل سنين حياته، تنكره وتبعده وتعيده غريب مثلما كان في الماضي.
نهضت ماسة مستسلمة، ووجهت حديثها الى كلاهما:
أنا متعبة جدا، سأخلد الى النوم(تابعت وهي توجه حديثها الى قاسم) سأعد لك فراشا لترتاح بالغرفة المجاورة...
نهض قاسم وهو يسحب صالح من مكانه بقوة ليوقفه على قدميه وقال بنزق وهو يحيط عنق صالح بذراعه جعلته يصرخ ألما.
لا تتعبي نفسك، فشقيقاك سيبيتان معا بنفس الغرفة هذه الليلة.
هزت ماسة رأسها باستسلام وهي تشفق على صالح، فليلته لن تكون سهلة أبدا.
داخل غرفة صالح الصغيرة، وفوق سريره البسيط، استلقى قاسم محدقا بصالح، الذي أجبر على النوم فوق الأرض الصلبة القاسية، لا يفصل بينه وبين صلابتها سوى غطاء رقيقا يكاد وجوده يشبه العدم، فقد أخذ يتقلب فوقه، وبكل حركة كان يتأوه ألما بينما نظرات قاسم الشامتة الساخرة انصبت فوقه باستمتاع.
نظر اليه صالح متذمراً، حانقاً:
هل يعجبك ما ترى؟ أنت حقا وغد من الدرجة الأولى.
لا تعلم الى أي درجة! فقد نلت ما تستحقه ولو ماسة لم تتدخل في اللحظة المناسبة، صدقني لواصلت ضربك حتى لفظت أنفاسك الأخيرة.
ضحك صالح بسخريه وهو يجلس ويسند ظهره الى الحائط خلفه:
لا تغتر بنفسك كثيرا، فقد باغتني وصديقك يصوب السلاح فوق رأسي، صدقني لولا هذا لكنت انت في مكاني.
صاح قاسم ساخرا:
إني أرتجف من شدة الخوف!
وجلجلت ضحكته الساخرة أنحاء الغرفة الصغيرة ذات النور الباهت، مما أثار حنق صالح، الذي أمعن في استفزازه قائلا:
وبالرغم من ذلك، لست نادما ابدا، فرؤية دموع ماسة، التي فاضت خوفا علي، ردت الروح إلى جسدي وجعلت آلامي كلها تختفي بلمح البصر.
احتدت نظرات قاسم، الذي أخذ يشتم غاضبا، وهو يجلس في مكانه، متأهبا للانقضاض على وجه صالح الباسم الساخر.
لا تعبث بأوراق حظك أيها الوغد، فماسة لن تخلصك من بين يدي هذه المرة.
حدق به صالح ممعنا، وسأله بغموض وهو يراقب اشتعال الغضب في عينيه:
هل حقا اردت الزواج منها؟ ام كان هدفك الاحتفاظ بها الى جانبك فقط؟!
ضاقت عيون قاسم فوقه، محاولا فهم المغزى من سؤاله، فقد كانت إجابة سؤاله، سلاحا ذو حدين وقد استشعر الخبث في نظراته.
لا اعتقد بأن هذا من شأنك، لا تشغل نفسك بأمور لا تعنيك، عليك أن تفكر كيف ستتخلص من الورطة التي حشرت نفسك داخلها.
ارتفع حاجب صالح مستفهما:
ورطة؟!
عاد قاسم ليستند الى سرير صالح الغير مريح وقال بثقه وغرور:
ستواجه تهمة خطيرة، فجنحة اختطاف فتاة قاصر، سوف يضعك خلف القضبان لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات.
تشدق صالح قائلا، وهو يعبث بجرح صغير في ذراعه:
جنحة؛ أنا بريء منها تماما، ألم ترى بنفسك كيف كانت ماسة حرة طليقة، داخل غرفة غير موصده، كان لديها حرية الرحيل ولكنها لم تفعل وبقيت بجانبي.
نظر اليه قاسم مفكرا، أنه واثق من مساندة ماسة له، بالتأكيد وإلا لما أجابه بهذه الثقة المقيتة.
يكفي أن أعلم أنا الحقيقة، ولدي شهود على حادثة اختطافها، لا أعلم ماذا فعلت لماسة كي تنصاع لك، ولكن صدقني هذا الأمر سأكتشفه مهما حاولت اخفاؤه، سأكتشفه حتماً.
ضم صالح ركبتيه الى صدره، وبادل قاسم نظراته المحتدة قائلا بغموض:
ألم يخطر ببالك، محاولة اكتشاف سبب عدم شعورها بالأمان بقربك، ولجؤها الى الرجل الذي قام بالتخلي عنها وبيعها وهي طفلة؟!
حبس قاسم أنفاسه، ماذا يعني ذلك الوغد؟ من أين أتى بفكرة أن ماسة فقدت أمانها بقربه؟! ذلك اللعين، الى ماذا يرمي؟! سأله قاسم بصوت غص بشتى أنواع الشتائم والمسبات، التي كانت على طرف لسانه تهدد بالانهيار على مسامع صالح الذي أخذ يراقب تبدل تعابير قاسم، من الثقة والغرور الى الحنق والغضب، كم تمنى قاسم أن يمحو تلك الابتسامة الساخرة، التي زعزعت هدوءه وثقته بنفسه.
إلام ترمي؟! كن أكثر تحديداً إن أردت الاحتفاظ بابتسامتك الخبيثة تلك طويلا.
تنهد صالح وهو يعود ليستلقي في مكانه متظاهرا بالنعاس وقال بلا مبالاة:
لا أرمي الى شيء! لديك ماسة فلتسألها ما شئت، تصبح على خير.
وترك قاسم غاضبا حانقاً، يتميز من شدة الغيظ، لو لم تكن ماسة تنام في غرفة مجاورة لهما، لأنتزعه من مكانه، وكال له اللكمات والركلات حتى يخرج كل ما بجوفه، ولكنه لم يرغب بإزعاج ماسة في هذا الوقت، عاد يلقي بجسده فوق السرير وأخذ يحدق بالسقف مفكراً متمعناً، في كلمات صالح ترى ماذا كان يقصد؟ هل ماسة صارحته بشيء لا يعرفه؟ أو أن ذلك الوغد اللعين أراد تعكير صفوه وافساد ليلته فقط، عاد بنظراته الى صالح الذي أغلق عينيه وأخذ شخيره يعلو، معلناً استسلامه للنوم، وهمس قاسم حانقاً:
إن كان هدفه اقلاق منامي، فقد نجح ذلك الحقير وبجدارة.
كانت أصواتهم تعلو وتنخفض، لا تعلم بأي شيء يتجادلان، كل ما كانت تدعوه، ألا يعودان للعراك مجدداً، راح فكرها نحو قاسم، ترى ماذا يخطط بشأنها؟ لما لم يتركها ترحل من حياته بهدوء كما دخلتها؟ فقد قدمت له فرصه سانحة على طبق من ذهب، لما لم يغتنم الفرصة؟ ويتخلص من حمله الثقيل، لما لم يخلي مسؤوليته ويتقبل كلامها، ويعود الى خطيبته التي تنتظره بتركيا؟ ماذا ينوي بشأنها؟ أم هل يعقل بأنه يشعر بتأنيب الضمير لتخليه عنها؟ أيظن نفسه سيكمل مسيرته بالاعتناء بها ويحل محل والدته الراحلة، إن كان هذا ما يفكر به، فهي لن تسمح له بالتأكيد، فهي قد عاشت فترة طويلة، عالة على والديه، عاشت متطفلة على حياتهم، ربما كانوا يشعرون بثقلها على قلوبهم وأرواحهم، ولكنهم اضطروا لتحملها، لأنهم لا يملكون خيارا اخر، وهي لم تعد تحتمل ثقل هذا الشعور الذي جثم فوق قلبها، لا يمكنها حتى ان تتذكر أيامها السعيدة، التي قضتها بينهم، كل ما كانت تذكره، هو احتلالها غرفة ميس شقيقة قاسم الراحلة، استيلائها على ألعابها ومقتنياتها الثمينة، تتذكر كيف سلبت قاسم اهتمام والديه وانتقصت من قدر حبهم له، كيف استحوذت على حنانهم ودلالهم، في حين أنهم عاملوا قاسم، كرجل مسؤول عن اخطائه، وعنها هي، شقيقته الصغيرة، وتذكرت كيف التصقت بهم كالعلقة، الى ان انتهى المطاف بهم مغمورين تحت التراب، وكل هذا من أجل أن يسرعوا بالعودة إليها، للإعتناء بها، بفتاة غريبة عنهم، نكرة لا تمت لهم بصلة، لا من قريب ولا من بعيد.
عادت الدموع لتتسلل إلى عيونها الندية، دموعها الخائنة التي تذلها وتفضحها، كل ما حاولت احتجازها، كلما ارادت أن تتظاهر بالقوة تخذلها وتفيض من مقلتيها كالأنهار.
تردد قاسم خلف باب غرفتها، هل يدخل إليها ويحادثها؟ ام يعود ادراجه ويحتمل عناء هذه الليلة الطويلة المرهقة، حتى الصباح، فقد هرب النوم من عينيه، بسبب كلمات ذلك الوغد الخبيث، لا يعلم كيف يكون اسمه صالح، وهو قمة في الفساد ألا يقولون أن لكل شخص، من اسمه نصيب! ولكن ذلك الصالح لا يليق به اسمه ابدا، يفترض أن يكون اسمه طالحا وليس صالحا ابداً.
تسللت شهقات ضئيلة خافته، من شقوق الباب الموصد أمامه ارخى سمعه، مصغيا بتركيز شديد، إنه صوت ماسة، اذا فهي ليست نائمة، ولكن لماذا تبكي؟ أما زالت تبكي فراق والدته؟! ام تبكي عودتها الى والدها؟! ام أن هناك امرا آخر لا يعرفه، ربما ذلك الطالح قد فعل لها شيئا سيئا، ربما هددها أو آذاها أو... وتدافعت العديد من الأفكار والصور السيئة في مخيلته، والتي لم يعد يحتمل تدافعها، وكي يهرب من أفكاره المتدافعة اقتحم غرفتها على عجل، ودون طرق الباب لطلب اذنها، ووجد نفسه واقفاً أمامها محدقاً بعينيها الدامعتين المذهولتين التي تسمرتا فوقه باستنكار وضيق.
ماذا تظن نفسك فاعلا؟!
أتى سؤالها لينقذه من أفكاره السوداء، التي غمرته، وبتردد قصير، تقدم منها بضع خطوات صغيرة وقال بعفويه:
اعتقدت بأنني سمعت صوت بكاء.
وبسرعه ماسة تداركت نفسها ومسحت وجهها بظهر كفيها وعادت لتساله بحده:
وهل هذا عذرا لتقتحم غرفتي؟!
لمعت عينا قاسم بتوتر، اللعنة، لما تعامله بهذه الطريقة؟ لما تشعره بالضآلة والغرابة، كلما حاول الاقتراب منها؟! سحب مقعدا من خلفه وجلس براحة وهو يقول باستظراف ساخر:
-لقد طرقت الباب، ولكنك كنت مشغولة بالأسى والبكاء على نفسك، فلم تسمعي.
اتسعت عيناها وهي تراه يكذب بسلاسة، ذلك الأحمق، هل يعتقد بأنها لا زالت صماء؟!
من سمح لك بالجلوس؟! أخبرتك سابقا، أنني متعبة وأريد النوم، غادر غرفتي.
جلس براحة أكثر وكأنه لا ينوي الرحيل ابدا، وامعن النظر الى وجهها الندي بأثار الدموع، وفمها المرتعش، وعينيها البريئة اللامعة بحزنها الدفين، وتساءل كيف سينتزع منها إجابة على اسئلته التي تؤرقه؟ بل كيف سيصيغ لها الأسئلة دون أن يجرحها أو يؤذيها؟ دون أن تصده! ابتلع تلك الأسئلة الفضولية المرتابة، وقرر أن يتبع اسلوباً آخر لاستدراجها، قال ساخراً وهو يتأمل زوايا الغرفة الباردة:
غرفتك؟! ومنذ متى أصبح هذا المكان الوضيع غرفة لك؟
وعاد بنظراته الى وجهها الذي عشقه بجميع تفاصيله، وتابع برقة مشفقاً على حالها البائس:
أعلم أنك متعبة، ولا تستطيعين النوم وإلا كنت نمتي منذ ساعات، صدقيني لم اكن لأدخل اليك لو كنت نائمة، ولكن شهقاتك المكتومة، ونحيبك الحزين، هما من دفعاني لاقتحام خلوتك.
تنهدت ماسة باستسلام، عليها أن تكون قاسيه صارمه، يجب أن تعطيه دافعاً، ليكرهها ويلقيها خارج حياته بيديه، هزت كتفيها بأسى وسمحت لدموعها بالانهمار مجددا وقالت بلوعة وعذاب:
أجل! أنا متعبة، لا ليس تعباً بل أشعر وكأني ألفظ أنفاسي الأخيرة، لم أعد أحتمل هذا الحزن وهذا الألم بداخلي، وكأنني أحاول التنفس وانا تحت الماء، اتعلم كم هو صعب هذا الشعور؟!
رق قلب قاسم لحالها، وصوتها الكسير الحزين اخترقه ليتغلغل داخل أعماقه، انحنى ليأخذ يديها الصغيرتين المرتجفتين بين يديه وهمس بلطف وحنان جارف:
رفقا بقلبك وبقلبي! لما كل هذا الحزن والأسى؟! اخبريني بما يؤلمك، ولك وعد مني بأن اخلصك من هذا الالم، وانتشلك من هذا العذاب، صارحيني ولا تخافي.
همست وقد أطل الأمل من بين دموعها:
هل هذا وعد؟!
هز برأسه مؤكداً مشجعاً إياها على الحديث:
كلي آذان صاغيه.
تجنبت عينيه وهي تسحب كفيها من بين يديه قائلة:
إنه أنت؛ أنت من يشقيني ويعذبني، أريدك ان ترحل من حياتي، لا أريد رؤيتك ابدا. حتى ذكر اسمك يؤلمني يغرس عميقا داخلي كسهم مسموم، لا تدفعني لكرهك أكثر، أرجوك اطلق سراحي.
تكرهني أكثر؟! هل وصل بها الامر لكرهي حقاً! لم يقل شيئا، تعابيره المصدومة المتألمة، لم تتغير، وماسة لم تطق النظر اليه، لم ترغب برؤية التأثير الذي سببه وقع كلماتها عليه، بل أخذت تفكر فيما لو اعترض، فيما لو عاند وأنكر، أو شجب، بماذا ستجيبه، أو بماذا ستطعنه أكثر، بماذا ستهدم حصونه وتدمر أسواره وتخرج كل ما بداخله من حقد وألم وكره، صمته القاتل ضج في رأسها كالمزامير الصاخبة، ما باله، صامت كصمت القبور، ما بال صمته، يعلو ويضوج ليخترق حصونها ويزعزع هدوئها ويرهق أعصابها، رفعت رأسها ببطىء، واتجهت نظراتها الي وجهه تبحث عن ردة فعل، اي ردة فعل ستفي بالغرض، أي شيء عدا هذا الجمود والبرود الذي يزهق روحها ببطىء، لكن لا شيء، فقد حدقت عينيه بالأرض، كانت عينيه شاخصة فارغة، لا يرتسم بها شيء، حتى البريق الذي كان يلمع قبل قليل بأعماقهما، اختفى واندثر وكأنه لا وجود له، لم تعلم ماذا تقول، فهو لم يجبها كي تعرف بما ترد، فقد قالت ما لديها بهذه الجولة، وكانت تنتظر دوره لتخوض معه جولة أخرى، ولكن صمته ردعها، جعلها تبحث عن الكلمات فلا تجدها، رغم انها كان بجعبتها الكثير، كان لديها العديد من السموم المختزنة داخلها، وكانت تنتظر فقط كلمة واحدة، اشارة رافضة، كي تنفثها بوجهه، كي تشعل ناره وحقده، كي تخسره بأسهل الطرق وأسوأها، ولكن...صمته وجموده أفسد كل ما خططت له، ترى هل نجحت بهذه السهولة، هل صمته هو اعلان لرضوخه، اللعنة، كيف يصمت وهو يعلم بأنني انتظر منه كلمة، نظرة همسة، اي ردة فعل لعينة، حتى لو كانت بغير ما أرادت، تنهدت باستسلام بأسى بتعب مرير، نهضت عن سريرها الصلب القديم وبخطوات صغيرة خائرة القوى، توجهت الى باب الخروج، فهي لن تحتمل صمته الصاخب أكثر، وليس لديها ما تقول، فالكرة الآن بملعبه، وبصمته اعلن انسحابه من اللعبة.
_ موافق...(نظر اليها بغضب، وحدة، وحينما التفتت اليه، وقف واتجه نحوها بخطوات بطيئة ثقيلة)لقد أعطيتك وعدي، لا يمكنني التراجع.
ابتسم بسخرية مريرة وتابع:
_ لقد خدعتني! أعددتِ الفخ بإتقان وجعلتني أقع داخله بقدمي، لم أكن أعلم بأنك تتوقين للتخلص مني الى هذا الحد، والآن وقد ألزمتني بالوعد(هز كتفيه بأسى) لم يعد لي خيار الرفض.
اخترقتها كلماته كسهام صغيرة حادة، أصابتها في الصميم، وتركتها جريحة نازفة، اقترب منها كثيرا وصوب نظراته القاتلة نحوها وكأنها يحاول الوصول الي أعمق أعماقها، وهمس بصوت كفحيح الافعى، وأنفاسه الحارقة تلفحها.
_سأرحل من حياتك بشرط، ان أخلفته او عارضته أو رفضته، سأعتبر بأن هذا الحديث لم يكن.
تسمرت ماسة في مكانها، قربه الشديد منها أشعل النيران في عروقها، شعرت بنبضات قلبها ستتوقف بأي لحظة من سرعة ضرباتها، لم تعلم بأنها كانت تكتم انفاسها، الا بعدما ابتعد عنها خطوة واحدة لحظة ان هزت رأسها بالإيجاب، فلم يكن لديها خيار الرفض هي أيضا، فكي يوافق على خروجه من حياتها، عليها الالتزام بالشروط التي وضعها.
نظرت اليه ماسة مصدومة، لم تستوعب اي شيء مما قاله، واذا كان وافق على الخروج من حياتها، فما الداعي لهذه الشروط الغير منطقية، وماذا سوف يستفيد منها، ماسة لم ولن تفهمه يوما ولكنها، وافقت بإذعان فكما قالت لا يوجد لديها خيار.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم