القائمة الرئيسية

الصفحات




الفصل الثاني والاربعون

ضاعت من يديه


تأملت اسوار البيت من الخارج، كان الشوق والحنين يغمرها، أرادت بشدة لو كان بإمكانها الدخول، ولكن واضح جدا ان البيت مغلق ولا حياة فيه، ليت كان بإمكانها شراءه دون ان يعرف قاسم، كم تمنت لو كان بإمكانها الاحتفاظ بهذا البيت لها، تبكي ذكرياتها، وتسترجعها، كم كان صعبا عليها التفكير، بأنها لم تعد تملك حقا في هذا البيت، تنهدت ماسة بأسى، وهي تمسح دموعها التي لم تتوقف عن الانهمار ولو للحظة، وبخطوات بطيئة يائسة، تراجعت للخلف مبتعدة وهي تودع بيت طفولتها وذكرياتها السعيدة بنظرة بائسة، فقد انتهت حياتها منذ ان غادرت هذا المنزل، لقد تدمر كل شيء ارادته والاحلام التي حلمت بها، كل شيء انتهى.

- لا أدري لما تتعب نفسك في البحث عنها، انها لقيطة، اتعلم ما معنى هذه الكلمة؟!

كاد يجن من برود والدته وقسوتها، أي نوع من الامهات هذه، فهي حتى لم تشفق على حالها، شعر بالاشمئزاز لتصرفات والدته، وحينما بدأت بكيل الاتهامات الشائنة بحق ماسة مجددا، لم يحتمل فراح يصرخ عليها غاضبا بكل قوته:

- تلك اللقيطة كما تسمينها! أنقذت حياتي!

وحينما اتسعت عينا والدته بصدمة، استرسل متشفياً بمنظرها، ولردة فعلها المصدومة:

- اجل يا امي، تلك اللقيطة هي سبب وجودي معكي حتى هذا اللحظة، والا كنت الآن جثة ممزقة احشائها، مدفونة في اطراف منطقة نائية او صحراء قاحلة.

عبست والدته بشدة وهو يدور حولها، نافثاً غضبه وغله فيهم:

- تلك اللقيطة اعطتني كل ما تملكه من مال قد ادخرته لها والدتها للمستقبل، لن تبخل عليّ بقرش واحد،(قهقه ساخرا من نفسه ليتابع)وثقت بي انا واعطتني كل ثروتها، وانا من قام بخطفها، كان بإمكانها بكل بساطة ان تقوم بسجني، ولكنها لم تفعل!

نظر الى زوج والدته ذو الملامح الباردة باشمئزاز متابعا:

- طلبت مني إعادتها الي والدها، المسكينة كانت تشعر بالأمان كونها عائدة الي والدها الذي تخلى عنها وقام ببيعها طفلة، كانت تعتقد بأنك تغيرت، ما الذنب الذي اقترفته كي تكرهها كل هذا الكره.

تراجع وهو يهز رأسه، بحسرة وندم:

- انا المخطئ! ما كان علي احضارها اليكم، انا حقا أشعر بالاشمئزاز كوني واحدا منكم، لو حدث واستطعت العثور عليها، سآخذها وأخرج من حياتكم للأبد.

راقبت والدته رحيله بغضب والندم يتآكلها، وعادت لتنظر الى زوجها حانقة:

- أنت سبب كل هذا، ما كان علي أن أقبل بعودتها الي هذا البيت، انت السبب.

كان قاسم سعيدا بعودته لموطنه، فموطنه يعني ماسة، أينما وجدت ماسة، وجد نفسه، كان وقت الغروب حينما طرق باب منزلها، وانتظر بفارغ الصبر ان يطل وجهها من خلف الباب، ولكن من أطل هو ذلك الطفل الصغير بدر، لم يعلم قاسم سبب الفرحة التي شعر بها حينما رآه، فهو الوحيد الذي كانت ماسة تبتسم بوجوده، فبفضله رأى الكثير من ابتسامتها وسعادتها، التي حرمته منها برحيلها عنه، سأله برقة وهو ينحني ليقابله:

- كيف حالك ايها الصغير! هلا استدعيت ماسة؟!

هز بدر رأسه نافيا:

- ماسة ليست هنا، ان أخي صالح سيأخذها ويذهب بعيدا.

اتسعت عينا قاسم بصدمة، أين سيأخذها، ذلك الاحمق صالح! ماذا فعل في غيابه! قال قاسم وهو يحاول تمالك اعصابه:

- استدعي والدك بسرعة!

غاب بدر وبلحظات وجيزة أتى صابر يتكأ على عصاته وقد علت وجهه الحيرة، وحينما رأى قاسم متمثلا امامه، هتف بصدمة:

- سيد قاسم! اهلا وسهلا بك تفضل الي الداخل!

قاسم سأله بنفاذ صبر:

- أين ماسة؟!

توتر الرجل العجوز ولم يعرف بما يجيب، قاسم صاح به مزمجرا وهو يمسك بياقته:

- أين أخذها ابنك الحقير؟! اين هما الآن؟!

وعلى الفور كي ينقذ نفسه من براثن قاسم الغاضب، كذب قائلا:

- ان صالح طلب يدها للزواج، وهي وافقت لقد رحلا سويا من البيت.

قاسم جن جنونه، لم يفهم كيف لهذا ان يحدث، بالأمس فقط، كانت تصرخ عليه وتلومه لأنه هجرها، كيف الآن ترحل مع صالح وتتركه بكل بساطة، قاسم لم يصدق كلمات صابر، فقد شعر بأنه يكذب، ماسة مستحيل ان تفعل ذلك، لن تتزوج دون علمه ابدا، دخل البيت مقتحما، بحث عنها في جميع الغرف ولم يجدها، هاجمته زوجة ابيها:

- هاي من انت؟! ماذا تعتقد نفسك؟! كيف تتعدى هكذا على حرمة البيوت؟!

نظر لها قاسم، وتذكر وجهها البغيض الذي كان يغطى عدسة الكاميرا ويزعجه بصوتها الحاد وطلباتها المجحفة بحق ماسة، تمنى لو كان بإمكانه ان يدق عنقها كي يريح ماسة من آذاها، قال من بين أسنانه كاظما غيظه:

- ابنك اللعين أين أخذ شقيقتي؟!

صاحت به بحدة ساخرة:

- شقيقتك هي اللعينة التي أغوت ابني، لن أقبل بها زوجة لابني ابدا.

قاسم لم يحتمل ان يستمع اليها اكثر، أسرع للخارج وهو يجري اتصالا سريعا الى حاتم، وحالما اجاب:

- قابلني الآن فورا في مكتبي!

لم تعلم اين تذهب، فهي وحيدة مقطوعة من شجرة، وأيضا لا تملك المال ابدا، فقد أعطت كل ما ادخرته لها والدتها لصالح، والان لا تعلم ماذا تفعل والي اين تذهب، كان المساء قد حل، وأطل القمر بنوره من بين الغيوم المكدسة، وبدأ الخوف يدب في اوصالها، فلا مأوى ولا مكان تلجأ اليه، حتى انها فكرت بالذهاب الي ميرنا، ولكن تذكرت اخر حديث بينهما فغيرت رأيها، كان الحل الوحيد المتاح امامها هو بيت لطيف، ولكن لطيف اذا علم بحالها، سوف يكلم قاسم ويخبره بكل شيء حينها سيعود قاسم بدافع الشفقة اليها، وربما يتحمل مسؤوليتها مجددا اكراما لوالدته، ماسة لم تحتمل فكرة ان يشفق عليها احدا خاصة قاسم، من كانت تتمنى ان ترى في عينيه شيئا مغايرا تماما عن الشفقة، ولكن سوء حظها وقدرها قد خط من صغرها ولا يمكن لأي قوة تغيير مصيرها المشؤوم، لا تعلم كيف أصبحت امام بيت لطيف فجأة، فقد قادتها قدماها وتفكيرها الي هنا دون اي شعور او ادراك، التفتت حولها فلم تجد احدا، ترددت كثيرا فيما لو كان عليها ان تتقدم او تعود ادراجها، ولكن الخوف منعها من التقدم لذا انسحبت ببطىء، وفوجئت بطفلة صغيرة تركض نحوها، لقد كانت زهرة ابنة بسنت كانت قادمة لتمضي الليلة عند والدها، وشاء القدر ان تراها قبل ان تختفي ماسة من امام عينيهم:

- ماسة! كم انا سعيدة لرؤيتك، تعالي هل امي تعلم بقدومك؟!

ماسة ترددت كثيرا ولكن كان عليها الدخول معها كي لا تثير الشكوك، سوف تتظاهر بأنها هنا في زيارة، سوف تجالسهم قليلا ومن ثم ترحل، كانت مفاجأة جد رائعة لزوجة لطيف التي استقبلتهم بحفاوة، فهي كانت سعيدة جدا للقائها بماسة، فحينما عاد صوتها لم تقابلها ابدا، لذا استمتعوا كثيرا برفقتها، خاصة وان التواصل معها اصبح اكثر سهولة ولم تحتاج الي ورقة وقلم بعد اليوم.

قاسم وحاتم بحثوا كثيرا، ولكن دون فائدة، لم يعلم حاتم كيف يصل اليها دون ان يكون هناك طرف خيط يدله عليها، وبعد جهد جهيد استطاعوا الوصول الى صالح، الذي كان يلهو ويسكر في حانة، وحالما اسرعوا لسؤاله عن ماسة أجابهم دون وعي لشدة سكره:

- انا أبحث عنها أيضاً، اذا وجدتموها أعيدوها لي، انا سأتزوجها واعتني بها، انا اعشقها...

قاسم لم يحتمل سماع كلماته ولم يتحمل صدمة انها ليست مع صالح، فهو لا يعلم اين سيجدها، أو اين سيبحث عنها، ومن شدة غضبه وعدم مقدرته على انتزاع اي معلومة من صالح المخمور، انهال عليه بالضرب واللكمات، وبصعوبة انقذه حاتم من بين يديه، وخرجوا من الحانة يائسين محبطين لا يلوون على شيء.

في غرفة مكتبه، اخرج قاسم ريموت التشغيل، فقد كان يتوق لرؤية وجهها، واعاد الشريط منذ البداية لرؤية كل ما فاته طوال الساعات التي تغيبها.

أمضت ماسة في بيت لطيف وقتا سعيدا جدا، وحينما حان وقت الرحيل، لم يسمحوا لها ابدا وابدو لها ترحاب كبير في وجودها بينهم هذه الليلة، ولأن ماسة لم يكن لديها مكان لتبيت به، فهي لم تتمنع كثيرا اذ انها وافقت بعد فترة تردد قصيرة، وقد عزمت على المغادرة عند اول خيوط الصباح.

عند عودة لطيف من عمله، فوجئ بوجودها بينهم، ولكن بسبب تعبها الشديد طوال اليوم، وهي تدور في الشوارع فقد نامت فور استلقائها فوق الأريكة.

كانت تعابيره متغيرة، فقد شاهد الشريط من النهاية حتى لحظة توقف آخر مرة، وتشوش كثيرا ولم يفهم ما حدث تماما، لذا اعاد الشريط مجددا من البداية حتى النهاية، فقد أراد ان يفهم ما حدث تماما في غيابه، ولكن حينما ادرك كل شيء لم يكن سعيدا ابدا، لقد اخفى ذلك الحقير صابر الحقيقة حتى لا يلام ولكن بفضل الكاميرا المخبأة داخل دبدوب الباندا، اكتشف كل شيء، وعلم ما حدث لماسته الثمينة، اكتشف السر الذي جعلها تقبل صالح زوجا لها، اكتشف حقيقة والدها عديم الضمير، علم كم كانت الحياة غير عادلة معها، كانت قاسية جدا عليها، ماتت والدتها أمام عينيها وهي طفلة لتتركها مصدومة فاقدة النطق، في عناية رجل اعتقدت انه والدها، رجل سكير مقامر، قام بإرغامها على بيع الورود البالية لتجلب له مال يقوم بإسرافه على ملذاته وشهواته، وليمعن في تعذيبها؛ تزوج من امرأة سليطة قاسية، عمدت لضربها وتعذيبها، وفضلت ابنائها عليها، كانت والدته هي الشمس الوحيدة التي اشرقت على حياتها الباردة، فأوردت وأينعت وحظيت بما تستحق، رغم عدم تقبل الجميع لها، حتى قاسم ذات نفسه لم يتقبلها، الا انها كسبت القلوب وبجدارة، تلك المسكينة، ما الذنب الذي اقترفته حتى تغيب عنها شمسها، وتعود لذلك الجحر الحقير، ليعودوا لتعذيبها، ويمعنوا في اهاناتها، وما اعتصر قلبه وزاده ألما، هي ابتسامتها الراضية القانعة بأقل من القليل، لتعود وتصدم من جديد بحقيقة مميتة، كيف كانت تعتقد طوال حياتها بأن لها والد، رغم العذاب والذكريات السيئة الا انها رغبت كثيرا بأن تعود الى كنف عائلتها الحقيقية، لتصطدم بالواقع المرير، بأنها لقيطة لا اصل ولا فصل ولا نسب، رؤيتها تركض منهارة دامعة العينين، رؤية برود والدها وقسوة زوجته عليها والسخرية منها، أشعلا نار الغضب والحقد في داخله، كم أراد العودة اليهم، ليكيل لهم الشتائم والركلات، ليجعلهم يموتوا قهرا وندما على أذيتها، ذلك الغضب سيطر عليه حتى أصبح في أوجه، وصرخ غاضبا محتدا، وهو يحطم كل شيء تطاله يداه:

- اللعنة! لما لم تأتي إليّ، لما لم تحاولي الاتصال بي حتى.

ولكنها حاولت، فقد اتصلت على لطيف وارادت سماع اخباره، أرادت معرفة مكانه، كانت تريد طلب العون ولكنها لم تجرؤ، تلك الغبية، فليذهب الي الجحيم كبرياؤها اللعين.

نظر الي الكاميرات الخارجية لمنزله، وكأن فكرة سطعت في عقله، سارع لمشاهدة كاميرات المراقبة الخارجية، وبحث فيها الي ان وجدها، وكانت فرحته كبيرة جدا حينما رآها، واقفة واجمة خلف اسوار بيته، وشعر بغصة كبيرة لأنه لم يكن موجودا في حينها، فقد سعت اليه لتطلب عونه، ولكن خاب املها حينما لم تجده، راقب تراجعها البطيء للخلف وهي تمسح دموعها، رأى المها وحزنها وخيبتها، في اشارات يديها وحركات جسدها، لقد كانت وحيدة، ولم تجد من تلجأ اليه! كم أراد قاسم لو كان بإمكانه اعادة الساعات للخلف، حيث يكون موجودا للقائها، ليأخذها بين أحضانه، ليواسيها ويطيب جراحها، ولكن ما فائدة التمني بعد فوات الأوان.

يتبع...


 

تعليقات

التنقل السريع