الفصل الثلاثون
وعادت يتيمة
لماذا لم تتناولين طعامك، هل تنوين الانتحار جوعا؟!
لقد سمعت صوت صالح البغيض جيدا، ولكنها اعتادت ان لا تسمع طوال سنوات عجاف، فلما ترفع رأسها الآن وتضطر لسماع ترهاته الفارغة، عدا عن انه من مصلحتها ان يظن بأنها لازالت بكماء، لربما أخطأ احدهم، بذكر موقعهم، او خططهم، علها تكون محظوظة و لو لمرة وحيدة بحياتها.
زفر صابر وهو يدرك بأنه نسي أمر عجزها تماما، وهتف بصوت مسموع وواضح جدا لماسة.
اه، ما زلت غير معتادا على التعامل مع المعاقين.
اغلقت عيناها بشده حينما سمعت خطواته تتجه نحوها، كانت تتمنى لو يتركها ويعود من حيث اتى، ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
شعرت به يقف فوق راسها محدقا بها، امتدت يده ببطء لتزيح خصله من شعرها سقطت فوق وجهها، واتاها صوته الاجش متحسرا:
كيف يمكن لجمال كهذا ان يكون عاجزا معابا، ولكن الكمال لله وحده فقط وما هي الا بشر.
فكرت ماسة بصمت انه يؤمن بالله اذن كم هذا مضحك كيف للبشر ان يرتكبون الاخطاء والآثام وهم يعرفون بعقاب الله وانه سيحاسبهم على جميع اخطائهم وبالرغم من ذلك يتعاملون مع الاخطاء وكأنها امور طبيعية يقع بها أي مؤمن.
نظر صالح الى طبق طعامها الذي لم تمسه أبداً وقال في نفسه هل اتركها تتضور جوعا ام اطعمها بنفسي، عاد ليحقق بجمالها النائم وقد اخذ قرارا بإيقاظها واطعامها بنفسه ان اضطر فبالنهاية لن يستفيد شيئا منها اذا بقيت جائعه مريضه ملقاه بالفراش فكل ما يريده ويهمه هو ان يحصل على بعض المال لسداد ديونه، وسقوطها مريضه سوف يفشل جميع مخططاته، انها لا تسمع كيف اوقفها هل اوقظها بقبلة، ام بلمسه خفيفة توقظ حواسها، كان هذا ما يفكر به صالح، وهذا ما استشعرته ماسا من انفاسه المتسارعة، وكيف تتجنب اي خطوة غير مرغوبه منه، تململت في مكانها وتظاهرت باستيقاظها للتو، فتحت عينيها وحلما لاحظت مدى قربه منها تراجعت للخلف بسرعه في فراشها، واخذت تحدق به بنظرات قاتله، ابتسم صالح ساخرا:
يا إلهي، ان نظراتك ينطبق عليها المثل القائل " لو أن النظرات تقتل".
ومن ثم استدرك وقال بعبوس:
لقد ترعرعتِ، في كنف عائلة مترفة، اتساءل لما لم يقوموا بعلاجك واعادة صوتك لك؟ ألهذه الدرجة بخلو عليك؟!
قرب وجهه قليلا من وجهها الطفولي المتوجس، وتابع بصوت كفحيح الأفعى:
ام هل قاموا باستغلالك جسدياً؟! فنادرا ما تجد أشخاص يقاومون مثل هذا الجمال الهادئ الأبكم.
كان بإمكانها لكمه وركله حتى يدجج بالدماء من كل مكان، ولكنها اكتفت هذه المرة بصفعه، كانت الصفعة تحذيراً منها كي لا يتجاوز حدوده أكثر، وقد فهم صالح الرسالة وتراجع الي الخلف بسرعة مصدوما وهو يتحسس وجنته مكان صفعتها، ولسان حاله يقول، نلت ما استحق، ماسة لم تخشى صالح مطلقاً، حتى في صغرها لم تكن تأبه لأمره، لهذا شعرت بثقة كبيرة بنفسها لمواجهته، بل وسعدت بهذه الفرصة، التي سنحت لها لتثبت له بأنها ليست لقمة سائغة، نظرات صالح تفحصتها من رأسها حتى أخمص قدميها، وضحك بسخرية شديدة وهو يعود ليسند جسده فوق مقعده:
صدقيني لن الومه لو فعل! انتي حقاً قطعة نادرة، وربما أكثر ما يميزك هو عجزك، فهو يضفي عليكي هالة من الاثارة والرهبة.
رأى الحيرة في عينيها الجميلتين، وتذكر كم كان يقسو عليها بالماضي، كم مرة ابتلى عليها وتسبب بضربها هو وشقيقته الخبيثة، حينما يعود بذاكرته للخلف، يتذكر كم كان نذلا حقير في طفولته، ليصبح وغدا فاسقا حينما بلغ العمر أشده، ترى هل من الممكن استمالتها، انها خرساء عاجزة، هل لو حاول معها، هل يعقل ان تصده، وتذكر قاسم شقيقها المزعوم، والذي كاد يقتله لمجرد ظهوره بحياتها ورغبته بأخذها الي حيث تنتمي، تذكر غضبه الجارف، وقد زين له الشيطان خيالاته، ليوقعه بخطأ أشد وأقسى من أخطائه السابقة، هل ذلك المدعو قاسم وصمها وجعلها ملكه، لهذا يخشى ان تعود لعائلتها، يخشى ان تكتشف عائلتها الحقيقية مدى الأذى الذي سببه لها، وتعمق صالح بالتفكير وقد اعجبه المنحنى الذي قادته أفكاره الشيطانية اليه، تلك الحسناء البكماء، ما الذي دفعها للخوف منه والابتعاد عنه بهذه الطريقة، وكأنها اعتادت تطفل احدا ما على خلوتها، ومن ثم بدأ يفكر، او ربما فعل اكثر من التطفل، انه على استعداد ان يقسم بأن ماسة ليست فتاة عذراء أبداً، وكاد ان يجزم بأن قاسم اعترض على اعادتها كي يتستر على فعلته السوداء تلك، فهي بريئة ساذجة، لربما خدعها ذلك الوغد، تنهد مستسلما فهو لن يترك أفكاره تجرفه أكثر، فعليه الآن التركيز بما سيجنيه من غنائم، وبعد ذلك سوف يفكر فيما لو كان بإمكانه الاستفادة منها بطريقة أخرى.
ان قبضتك قوية حقا! اخبريني؟ لما لم تتذوقي طعامك؟! هل تحبين ان أطعمك بنفسي؟
ازداد عبوسها وازدادت حدة نظراتها الرافضة، لوى صالح شفتيه بضجر، وانحنى ليأخذ قضمة كبيرة من طبقها، وأخذ يلوكها بلسانه، يمينا وشمالا متذوقاً مستمتعاً مغيظاً ماسة كما كان يفعل بالماضي بطفولتها:
انه بارد، لذا لم يعد شهياً، ما رأيك ان نذهب انا وأنتي الي المطبخ ونطلب منهم ان يعدو لنا وجبة أخرى؟!
تساءلت ماسة، ما سبب لطفه وعدم ثورته عليها، إلام يخطط، وماذا ينوي بشأنها، قررت ماسة ان تستفيد من لطفه الخبيث طالما انه لا يعاملها بعنف.
هزت رأسها بسرعة موافقة، وأشارت لفمها وملست فوق بطنها، بإشارة انها عطشة جدا وجائعة أيضا، ولم يكن صعبا على صالح أن يفهم بأنها قبلت بهدنته المؤقتة ورحبت بها أيضا، وأيضا لم يفته أبداً السحر الذي غمر ملامحها، حينما ابتسمت فرحة متحمسة، ركز نظراته عليها، وشعر وكأنها طفلة صغيرة، وكأنه ملاذها الوحيد، وانتشى بهذا الشعور الذي بعثته داخله، فهو لم يكن أبداً موضع ثقة أحد او مركز أمان أي انثى عرفها سابقا، ابتلع ريقه بغصة ومد ذراعه اليها قائلاً:
رافقيني الي المطبخ.
بعد تردد قصير قفزت ماسة عن السرير، حدقت بيده الممتدة اليها وقد رفعت حاجبها باستنكار، ابتسم صالح مستمتعا وهو يشير الى الباب باستظراف:
السيدات أولاً.
حالما دخلت ماسة المطبخ وقف الثلاثة الرجال بسرعة بعد أن توقفوا عن صخبهم وضحكهم الماجن، سحب لها صالح كرسيا واشار لها أن تجلس، جلست ماسة على مضض وهي تراقب اصدقائه بحذر بدا جليا على وجهها، سحب احدهم صالح للخلف بعيدا عن عينيها المراقبة، وسمعت صوته الحاد بوضوح تام:
ماذا تفعل ايها الأحمق؟! ألم نتفق اننا لن نخرجها أبداً من تلك الغرفة، كيف تتصرف دون استشارتي.
قال صالح باستخفاف ساخر:
لن أتركها تتضور جوعا فقط لأنك تخشى ان ترى وجهك القبيح، انا من خطط لكل شيء وانا الرئيس هنا، ان لم تكن راضيا عن تصرفاتي فلك حرية الانسحاب.
وحدق برفاقه المستنكرون قوله، وتابع بنزق:
طبعا الكلام موجها للجميع.
وعاد ليجلس مقابل ماسة التي سمعت حديثهم وتظاهرت بأنها لم تسمع اي شيئا أبداً، وكانت سعيدة جدا انها استطاعت التأثير على قاسم، وقررت ان تستمر بمخططها، فلا داعي لاستخدام العنف مدام هناك طرق اخرى للوصول الي نفس النتيجة، ثم انها لن تضمن نجاحها في صرعهم جميعا، لهذا لن تجازف، تناولت من يد صالح الممتدة نحوها زجاجة مياه معدنية محكمة الإغلاق، وشعرت بالراحة كونها مغلقة جيدا، هكذا تضمن بأنهم لم يضعوا شيئا بداخلها، قامت بفتحها بسرعة وشربت بنهم حتى تعدت منتصفها، انزلتها عن فمها وهي تراقب نظراتهم المحدقة بها، وفي الحال وكأن نظراتهم اصابتها بالعين، اجتاحتها نوبة سعال حادة ودمعت عيناها امام صدمة صالح وخوفه عليها.
غضو ابصاركم ايها الملاعين، سوف تقتلها نظراتكم الخبيثة.
مسح صالح على رأسها برقة وهو يذكر اسم الله عليها الي ان هدأت، وابتعدت قليلا متجنبة لمسة يده وأشارت له أنها أصبحت بخير.
تنفس صالح براحة وهو يعود الي مكانه، واخرج من جيبه مبلغا من المال وطالب احد رفاقه بالذهاب لشراء طعام جاهز من الخارج، وكان هذا افضل لماسة، كي تأكل دون شعور بالخوف.
نظر اليها صالح مبتسما وأخذ يتذكر، لحظة اختطافه لها، كانت منهارة حزينة، تركض دون وعي، وكأنها لا تعلم اين تذهب، او لمن تلجأ، في وقتها لم يهتم كثيرا لحالها، ولكن الآن بإعادة النظر اليها، فقد اصبح ينتابه فضول غريب لمعرفة سبب حزنها، بل ليعرف كل تفصيلة في حياتها مهما بدت صغيرة او كبيرة، تنحنح قليلا كي تلتفت اليه وتنتبه الي ما سيقوله، تجاهلته ماسة تماما ونظرت في كل اتجاه عداه، طرق فوق الطاولة أمامها، وحركته تلك ذكرتها بقاسم بطريقة مؤلمة، جعلت الغصة تجتاح حلقها وتحرقه، ارغمت نفسها على الابتسام وهي تنظر اليه باستفهام في عيونها، فرق لحالها قلبه، وتمنى لو كان منقذها، ليرى تلك الابتسامة على محياها دائما وأبدا، عاد ليتنحنح، ويجلو صوته، وقال بلطف:
أعتذر للطريقة التي احضرتك بها هنا، لم يكن لدي خيار آخر.
عبست ماسة، وفكرت(بل كان لديك خيار تركي وعدم الاقتراب مني، ولكنك ما زلت ذات الوغد الذي عرفته سابقا) تابع صالح متجاهلا عبوسها، وبدا واضحا جدا بأن الفضول هو دافعه الوحيد:
لماذا كنتي تركضين باكية صباح الأمس؟ هل قام أحد بإزعاجك؟!
التمعت عيونها بدموع خفية، ولكنها احتجزتها بسرعة، وانزلت رأسها تحدق بأصابعها الصغيرة التي شبكتهم بتوتر، كي تسيطر على نفسها، وامام نظرات صالح المتفحصة، أخذت نفس عميق وزفرته ببطء، وارتفع رأسها لتقابل نظرته بابتسامة حزينة يائسة، وأشارت:
كنت قد علمت لتوي بموت والداي بالتبني.
شتم صالح لاعناً، لأنه لم يفهم شيئا من اشاراتها، كل ما فهمه فقط هو لمعان الحزن والاسى في عينيها، صرخ برفيقه:
أحضر لي ورقة وقلم في الحال، أسرع.
عضت ماسة شفتيها بحرج، لما عليها ان تشكو المها وحزنها الي خاطفها، وبالرغم من ذلك شعرت برغبة بالكلام، لربما صالح لديه فكرة عما اصاب والديها، ربما تكون أساءت الفهم، بل أملت ان تكون أساءت الفهم، أعطاها صالح الورقة والقلم، فأخذتها على عجل، وخطت بسرعة كلماتها، وعرضتها علي وانتظرت بصبر فارغ رده عليها، قرأها صالح بهدوء، واتسعت عيناه بصدمة، ذلك القاسم، الم يخبرها بموت والديها وقد مضى على وفاتهم ثلاثة أسابيع، كيف لم يبلغها، كيف استطاع اخفاء الأمر عنها وقد انتشر بالجرائد، والصحف، وشبكات الانترنت، ذلك القاسم علام كان ينوي، هل حدسه صادق، بشأن قاسم، أيعقل ان يكون ذئبا بشريا بملابس تنكرية، زفر صالح بشدة، ان الفضول يكاد يقتله بشأن علاقتهما سويا، قال بإشفاق:
ان الخبر صحيحاً مع الأسف، (وتابع بغموض)كيف اخفى عنك خبرا أذيع في جميع محطات الأخبار والصحف؟!
فارقها الأمل فور تلفظه بكلماته المفجعة، اذن، لا مجال ان يكون هناك لبس او خطأ في الموضوع، ترقرقت الدموع في مقلتيها وقد عاد الحزن يتجدد داخلها، ويضخ كالدم في أوردتها، ودون ان تشعر تسللت الدموع هاربة من عينيها لتغمر وجهها، وتزهق روحها، بالأمس لم تستطع ان تبكي فراق والديها، ولكن الآن لن يوقفها بشر عن التعبير عما في داخلها، اخذ صالح يراقبها، وقد لعن نفسه الاف المرات على غبائه، صرخ في اصدقائه الذين وقفو مشدوهين يحدقون بها:
جميعكم الي الخارج بالحال.
انسحبوا واحد تلو الآخر متذمرين حاقدين، وتركو صالح برفقتها، وهم يتآكلون غيرة وحنقا.
كان قاسم يروح جيئة وذهابا داخل مكتبه الكبير الواسع، كأسد حبيس مسعور هائج، لقد تمادى ذلك الوغد في تصرفاته، ذلك الأحمق اعتقد بأن قاسم، سوف يجلس مكتوف الايدي بانتظار خبر منه، ذلك الغبي لا يعلم ماذا ينتظره، حالما يقع بين يدي لن أرحمه أبداً، اتاه الاتصال الذي كان بانتظاره بشوق ولهفة، وأخذ يستمع الي الرجل على الطرف الآخر، وبدأت ابتسامته تتسع تدريجيا، لتتحول الي ضحكة منتصرة مجلجلة، ملأت سكون المكتب الهادئ بضجيج ينفخ الروح في أكنافه.
لقد سمعت صوت صالح البغيض جيدا، ولكنها اعتادت ان لا تسمع طوال سنوات عجاف، فلما ترفع رأسها الآن وتضطر لسماع ترهاته الفارغة، عدا عن انه من مصلحتها ان يظن بأنها لازالت بكماء، لربما أخطأ احدهم، بذكر موقعهم، او خططهم، علها تكون محظوظة و لو لمرة وحيدة بحياتها.
زفر صابر وهو يدرك بأنه نسي أمر عجزها تماما، وهتف بصوت مسموع وواضح جدا لماسة.
اه، ما زلت غير معتادا على التعامل مع المعاقين.
اغلقت عيناها بشده حينما سمعت خطواته تتجه نحوها، كانت تتمنى لو يتركها ويعود من حيث اتى، ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
شعرت به يقف فوق راسها محدقا بها، امتدت يده ببطء لتزيح خصله من شعرها سقطت فوق وجهها، واتاها صوته الاجش متحسرا:
كيف يمكن لجمال كهذا ان يكون عاجزا معابا، ولكن الكمال لله وحده فقط وما هي الا بشر.
فكرت ماسة بصمت انه يؤمن بالله اذن كم هذا مضحك كيف للبشر ان يرتكبون الاخطاء والآثام وهم يعرفون بعقاب الله وانه سيحاسبهم على جميع اخطائهم وبالرغم من ذلك يتعاملون مع الاخطاء وكأنها امور طبيعية يقع بها أي مؤمن.
نظر صالح الى طبق طعامها الذي لم تمسه أبداً وقال في نفسه هل اتركها تتضور جوعا ام اطعمها بنفسي، عاد ليحقق بجمالها النائم وقد اخذ قرارا بإيقاظها واطعامها بنفسه ان اضطر فبالنهاية لن يستفيد شيئا منها اذا بقيت جائعه مريضه ملقاه بالفراش فكل ما يريده ويهمه هو ان يحصل على بعض المال لسداد ديونه، وسقوطها مريضه سوف يفشل جميع مخططاته، انها لا تسمع كيف اوقفها هل اوقظها بقبلة، ام بلمسه خفيفة توقظ حواسها، كان هذا ما يفكر به صالح، وهذا ما استشعرته ماسا من انفاسه المتسارعة، وكيف تتجنب اي خطوة غير مرغوبه منه، تململت في مكانها وتظاهرت باستيقاظها للتو، فتحت عينيها وحلما لاحظت مدى قربه منها تراجعت للخلف بسرعه في فراشها، واخذت تحدق به بنظرات قاتله، ابتسم صالح ساخرا:
يا إلهي، ان نظراتك ينطبق عليها المثل القائل " لو أن النظرات تقتل".
ومن ثم استدرك وقال بعبوس:
لقد ترعرعتِ، في كنف عائلة مترفة، اتساءل لما لم يقوموا بعلاجك واعادة صوتك لك؟ ألهذه الدرجة بخلو عليك؟!
قرب وجهه قليلا من وجهها الطفولي المتوجس، وتابع بصوت كفحيح الأفعى:
ام هل قاموا باستغلالك جسدياً؟! فنادرا ما تجد أشخاص يقاومون مثل هذا الجمال الهادئ الأبكم.
كان بإمكانها لكمه وركله حتى يدجج بالدماء من كل مكان، ولكنها اكتفت هذه المرة بصفعه، كانت الصفعة تحذيراً منها كي لا يتجاوز حدوده أكثر، وقد فهم صالح الرسالة وتراجع الي الخلف بسرعة مصدوما وهو يتحسس وجنته مكان صفعتها، ولسان حاله يقول، نلت ما استحق، ماسة لم تخشى صالح مطلقاً، حتى في صغرها لم تكن تأبه لأمره، لهذا شعرت بثقة كبيرة بنفسها لمواجهته، بل وسعدت بهذه الفرصة، التي سنحت لها لتثبت له بأنها ليست لقمة سائغة، نظرات صالح تفحصتها من رأسها حتى أخمص قدميها، وضحك بسخرية شديدة وهو يعود ليسند جسده فوق مقعده:
صدقيني لن الومه لو فعل! انتي حقاً قطعة نادرة، وربما أكثر ما يميزك هو عجزك، فهو يضفي عليكي هالة من الاثارة والرهبة.
رأى الحيرة في عينيها الجميلتين، وتذكر كم كان يقسو عليها بالماضي، كم مرة ابتلى عليها وتسبب بضربها هو وشقيقته الخبيثة، حينما يعود بذاكرته للخلف، يتذكر كم كان نذلا حقير في طفولته، ليصبح وغدا فاسقا حينما بلغ العمر أشده، ترى هل من الممكن استمالتها، انها خرساء عاجزة، هل لو حاول معها، هل يعقل ان تصده، وتذكر قاسم شقيقها المزعوم، والذي كاد يقتله لمجرد ظهوره بحياتها ورغبته بأخذها الي حيث تنتمي، تذكر غضبه الجارف، وقد زين له الشيطان خيالاته، ليوقعه بخطأ أشد وأقسى من أخطائه السابقة، هل ذلك المدعو قاسم وصمها وجعلها ملكه، لهذا يخشى ان تعود لعائلتها، يخشى ان تكتشف عائلتها الحقيقية مدى الأذى الذي سببه لها، وتعمق صالح بالتفكير وقد اعجبه المنحنى الذي قادته أفكاره الشيطانية اليه، تلك الحسناء البكماء، ما الذي دفعها للخوف منه والابتعاد عنه بهذه الطريقة، وكأنها اعتادت تطفل احدا ما على خلوتها، ومن ثم بدأ يفكر، او ربما فعل اكثر من التطفل، انه على استعداد ان يقسم بأن ماسة ليست فتاة عذراء أبداً، وكاد ان يجزم بأن قاسم اعترض على اعادتها كي يتستر على فعلته السوداء تلك، فهي بريئة ساذجة، لربما خدعها ذلك الوغد، تنهد مستسلما فهو لن يترك أفكاره تجرفه أكثر، فعليه الآن التركيز بما سيجنيه من غنائم، وبعد ذلك سوف يفكر فيما لو كان بإمكانه الاستفادة منها بطريقة أخرى.
ان قبضتك قوية حقا! اخبريني؟ لما لم تتذوقي طعامك؟! هل تحبين ان أطعمك بنفسي؟
ازداد عبوسها وازدادت حدة نظراتها الرافضة، لوى صالح شفتيه بضجر، وانحنى ليأخذ قضمة كبيرة من طبقها، وأخذ يلوكها بلسانه، يمينا وشمالا متذوقاً مستمتعاً مغيظاً ماسة كما كان يفعل بالماضي بطفولتها:
انه بارد، لذا لم يعد شهياً، ما رأيك ان نذهب انا وأنتي الي المطبخ ونطلب منهم ان يعدو لنا وجبة أخرى؟!
تساءلت ماسة، ما سبب لطفه وعدم ثورته عليها، إلام يخطط، وماذا ينوي بشأنها، قررت ماسة ان تستفيد من لطفه الخبيث طالما انه لا يعاملها بعنف.
هزت رأسها بسرعة موافقة، وأشارت لفمها وملست فوق بطنها، بإشارة انها عطشة جدا وجائعة أيضا، ولم يكن صعبا على صالح أن يفهم بأنها قبلت بهدنته المؤقتة ورحبت بها أيضا، وأيضا لم يفته أبداً السحر الذي غمر ملامحها، حينما ابتسمت فرحة متحمسة، ركز نظراته عليها، وشعر وكأنها طفلة صغيرة، وكأنه ملاذها الوحيد، وانتشى بهذا الشعور الذي بعثته داخله، فهو لم يكن أبداً موضع ثقة أحد او مركز أمان أي انثى عرفها سابقا، ابتلع ريقه بغصة ومد ذراعه اليها قائلاً:
رافقيني الي المطبخ.
بعد تردد قصير قفزت ماسة عن السرير، حدقت بيده الممتدة اليها وقد رفعت حاجبها باستنكار، ابتسم صالح مستمتعا وهو يشير الى الباب باستظراف:
السيدات أولاً.
حالما دخلت ماسة المطبخ وقف الثلاثة الرجال بسرعة بعد أن توقفوا عن صخبهم وضحكهم الماجن، سحب لها صالح كرسيا واشار لها أن تجلس، جلست ماسة على مضض وهي تراقب اصدقائه بحذر بدا جليا على وجهها، سحب احدهم صالح للخلف بعيدا عن عينيها المراقبة، وسمعت صوته الحاد بوضوح تام:
ماذا تفعل ايها الأحمق؟! ألم نتفق اننا لن نخرجها أبداً من تلك الغرفة، كيف تتصرف دون استشارتي.
قال صالح باستخفاف ساخر:
لن أتركها تتضور جوعا فقط لأنك تخشى ان ترى وجهك القبيح، انا من خطط لكل شيء وانا الرئيس هنا، ان لم تكن راضيا عن تصرفاتي فلك حرية الانسحاب.
وحدق برفاقه المستنكرون قوله، وتابع بنزق:
طبعا الكلام موجها للجميع.
وعاد ليجلس مقابل ماسة التي سمعت حديثهم وتظاهرت بأنها لم تسمع اي شيئا أبداً، وكانت سعيدة جدا انها استطاعت التأثير على قاسم، وقررت ان تستمر بمخططها، فلا داعي لاستخدام العنف مدام هناك طرق اخرى للوصول الي نفس النتيجة، ثم انها لن تضمن نجاحها في صرعهم جميعا، لهذا لن تجازف، تناولت من يد صالح الممتدة نحوها زجاجة مياه معدنية محكمة الإغلاق، وشعرت بالراحة كونها مغلقة جيدا، هكذا تضمن بأنهم لم يضعوا شيئا بداخلها، قامت بفتحها بسرعة وشربت بنهم حتى تعدت منتصفها، انزلتها عن فمها وهي تراقب نظراتهم المحدقة بها، وفي الحال وكأن نظراتهم اصابتها بالعين، اجتاحتها نوبة سعال حادة ودمعت عيناها امام صدمة صالح وخوفه عليها.
غضو ابصاركم ايها الملاعين، سوف تقتلها نظراتكم الخبيثة.
مسح صالح على رأسها برقة وهو يذكر اسم الله عليها الي ان هدأت، وابتعدت قليلا متجنبة لمسة يده وأشارت له أنها أصبحت بخير.
تنفس صالح براحة وهو يعود الي مكانه، واخرج من جيبه مبلغا من المال وطالب احد رفاقه بالذهاب لشراء طعام جاهز من الخارج، وكان هذا افضل لماسة، كي تأكل دون شعور بالخوف.
نظر اليها صالح مبتسما وأخذ يتذكر، لحظة اختطافه لها، كانت منهارة حزينة، تركض دون وعي، وكأنها لا تعلم اين تذهب، او لمن تلجأ، في وقتها لم يهتم كثيرا لحالها، ولكن الآن بإعادة النظر اليها، فقد اصبح ينتابه فضول غريب لمعرفة سبب حزنها، بل ليعرف كل تفصيلة في حياتها مهما بدت صغيرة او كبيرة، تنحنح قليلا كي تلتفت اليه وتنتبه الي ما سيقوله، تجاهلته ماسة تماما ونظرت في كل اتجاه عداه، طرق فوق الطاولة أمامها، وحركته تلك ذكرتها بقاسم بطريقة مؤلمة، جعلت الغصة تجتاح حلقها وتحرقه، ارغمت نفسها على الابتسام وهي تنظر اليه باستفهام في عيونها، فرق لحالها قلبه، وتمنى لو كان منقذها، ليرى تلك الابتسامة على محياها دائما وأبدا، عاد ليتنحنح، ويجلو صوته، وقال بلطف:
أعتذر للطريقة التي احضرتك بها هنا، لم يكن لدي خيار آخر.
عبست ماسة، وفكرت(بل كان لديك خيار تركي وعدم الاقتراب مني، ولكنك ما زلت ذات الوغد الذي عرفته سابقا) تابع صالح متجاهلا عبوسها، وبدا واضحا جدا بأن الفضول هو دافعه الوحيد:
لماذا كنتي تركضين باكية صباح الأمس؟ هل قام أحد بإزعاجك؟!
التمعت عيونها بدموع خفية، ولكنها احتجزتها بسرعة، وانزلت رأسها تحدق بأصابعها الصغيرة التي شبكتهم بتوتر، كي تسيطر على نفسها، وامام نظرات صالح المتفحصة، أخذت نفس عميق وزفرته ببطء، وارتفع رأسها لتقابل نظرته بابتسامة حزينة يائسة، وأشارت:
كنت قد علمت لتوي بموت والداي بالتبني.
شتم صالح لاعناً، لأنه لم يفهم شيئا من اشاراتها، كل ما فهمه فقط هو لمعان الحزن والاسى في عينيها، صرخ برفيقه:
أحضر لي ورقة وقلم في الحال، أسرع.
عضت ماسة شفتيها بحرج، لما عليها ان تشكو المها وحزنها الي خاطفها، وبالرغم من ذلك شعرت برغبة بالكلام، لربما صالح لديه فكرة عما اصاب والديها، ربما تكون أساءت الفهم، بل أملت ان تكون أساءت الفهم، أعطاها صالح الورقة والقلم، فأخذتها على عجل، وخطت بسرعة كلماتها، وعرضتها علي وانتظرت بصبر فارغ رده عليها، قرأها صالح بهدوء، واتسعت عيناه بصدمة، ذلك القاسم، الم يخبرها بموت والديها وقد مضى على وفاتهم ثلاثة أسابيع، كيف لم يبلغها، كيف استطاع اخفاء الأمر عنها وقد انتشر بالجرائد، والصحف، وشبكات الانترنت، ذلك القاسم علام كان ينوي، هل حدسه صادق، بشأن قاسم، أيعقل ان يكون ذئبا بشريا بملابس تنكرية، زفر صالح بشدة، ان الفضول يكاد يقتله بشأن علاقتهما سويا، قال بإشفاق:
ان الخبر صحيحاً مع الأسف، (وتابع بغموض)كيف اخفى عنك خبرا أذيع في جميع محطات الأخبار والصحف؟!
فارقها الأمل فور تلفظه بكلماته المفجعة، اذن، لا مجال ان يكون هناك لبس او خطأ في الموضوع، ترقرقت الدموع في مقلتيها وقد عاد الحزن يتجدد داخلها، ويضخ كالدم في أوردتها، ودون ان تشعر تسللت الدموع هاربة من عينيها لتغمر وجهها، وتزهق روحها، بالأمس لم تستطع ان تبكي فراق والديها، ولكن الآن لن يوقفها بشر عن التعبير عما في داخلها، اخذ صالح يراقبها، وقد لعن نفسه الاف المرات على غبائه، صرخ في اصدقائه الذين وقفو مشدوهين يحدقون بها:
جميعكم الي الخارج بالحال.
انسحبوا واحد تلو الآخر متذمرين حاقدين، وتركو صالح برفقتها، وهم يتآكلون غيرة وحنقا.
كان قاسم يروح جيئة وذهابا داخل مكتبه الكبير الواسع، كأسد حبيس مسعور هائج، لقد تمادى ذلك الوغد في تصرفاته، ذلك الأحمق اعتقد بأن قاسم، سوف يجلس مكتوف الايدي بانتظار خبر منه، ذلك الغبي لا يعلم ماذا ينتظره، حالما يقع بين يدي لن أرحمه أبداً، اتاه الاتصال الذي كان بانتظاره بشوق ولهفة، وأخذ يستمع الي الرجل على الطرف الآخر، وبدأت ابتسامته تتسع تدريجيا، لتتحول الي ضحكة منتصرة مجلجلة، ملأت سكون المكتب الهادئ بضجيج ينفخ الروح في أكنافه.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم