الفصل السادس
استسلم دان وتركها مكرها، ليجلب لها ما طلبته، دان لا يحب رؤيتها مكسورة جريحة ابدا، فقد حرص على ذلك كثيرا، ولكن شاء القدر أن تكون متواجدة في هذه اللحظة بالذات.
*تالا*
جلست أمام مرآتها، نزعت الشال عن عنقها، ونظرت بمرارة إلى الحرق الذي شوهه، وعادت كلمات تلك المرأة تطعنها في قلبها وهي تسترجعها بكل قسوة:
- الحب ليس أمرا تفعله بدافع الواجب، الحب يجب أن يكون عفويا لا اراديا، شيء ينبع من وجدانك ويفرض نفسه عليك، لا يمكنك أن تحب شخصا وتربط حياتك به فقط لشعورك بالامتنان نحوه...
في قرارة نفسها كانت تعلم بأن كلماتها صحيحة جدا، ولكن...ماذا تفعل...هي لا يمكنها التخلي عن دان...أنها تعشقه حد الجنون...واثقة أنها إذا ابتعدت عنه سوف تموت...لذا ستكون أنانية وتربطه بها إلى الابد، هي واثقة بأنها بعد خضوعها لعملية تجميلية، سوف يحبها ويتقبلها ويعيشان معا بسعادة، أجل هذا ما أقنعت نفسها به...وهذا ما سوف يحدث...لن يستطيع أحد الدخول بينهما وتفريقهما.
*ماريانا*
حل الظلام، والحفل لم ينتهي بعد، وماريانا غرقت حتى النخاع في ثمالتها، تسللت خارجة من قاعة الاحتفال، بخطوات متعثرة لشدة سكرها، جلست بعيدا عن الأنظار فوق السلالم، هنا لن يجدها احد، أخرجت هاتفها النقال من حقيبتها، واستمعت الي مخزون الرسائل الصوتية، فهذه هي الطريقة الوحيدة التي تتمكن بها من سماع صوت حبيبها:
- صاحب الرقم غير موجود حاليا، بإمكانك ترك رسالة صوتية، وانا سأعيد الاتصال بك مجددا في اقرب وقت...الي اللقاء.
تلك الرسالة اللعينة، متى سيجيب على رسائلها، سالت الدموع من عينيها وهمست وهي ترسل له رسالة صوتية للمرة المئة، وهي تعلم بأنه لن يقوم بالرد عليها:
- ستعيد الاتصال مجددا...أحقاً؟! (صرخت بغضب)أيها الوغد لقد ارسلت لك مئات الرسائل لما لم ترد عليّ...(وبصوت كسير باكي تابعت) لماذا فعلت ذلك بي؟! انا لا افهم...لا أريد أن أفهم....لماذا تخليت عني أيها اللعين.
*جون*
- أجل هذا جيد...لا مشكلة ابدا...سوف يتم التسليم في الوقت المحدد...لا داعي للقلق أن الأمور ستكون جيدة...أجل بالتأكيد...حسنا...اتفقنا...الى اللقاء.
تسلل جون الي الخارج، فهو لا يحب أجواء الحفلات الصاخبة، وهو بطبعه رجل اعمال حر، لا يحب تضييع الوقت في التفاهات، فهو يستمتع بإمضاء وقته في الأعمال والمشاريع الناجحة، لذا كان فخر والده، وقد عهد إليه بإدارة الشركة من بعده، لمهارته وإتقانه العمل، فهو تخرج من جامعة أمريكية عريقة، ويتقن أربعة لغات غير لغته الأم، كان الجميع يحبه ويشيد به وبأخلاقه الحسنة، عدا عن ثرائه الفاحش، أنهى مكالمته سعيدا بعقده صفقة أخرى رابحة مع شركة خارج البلاد، وعاد ليحدق بقلق نحو الممثلة الشهيرة، التي جلست فوق درجات السلم، وبدت الثمالة واضحة جدا عليها، فقد سقط رأسها فوق صدرها للامام، ويبدو أنها قد راحت في غفوة سكر صغيرة، جون لم يستطع تجاهلها والعودة الي الحفل، فإن بقت على هذه الحال، ربما تسقط فوق درجات السلم وتدق عنقها، حينها قد تتأذى وتتعطل أعمالهم بسبب خطأ كان بإمكانه أن يتلاشاه، اقترب منها بخطوات بطيئة مترددة، وقف أمامها وحدق بها، فكر، أنها جميلة جدا، ترى لما سمحت لنفسها بالشرب إلى حد الثمالة، هل هناك ما يؤلمها؟! انحنى نحوها مناديا:
- آنسة ماريانا....يا آنسة...سيدتي هل انتي بخير؟!
لم ترد عليه ابدا، فقد نال النوم منها هنا في هذا المكان الخطر، تنهد باستسلام ومد ذراعه إلى كتفها يهزها لتستيقظ، وتتابع نومها في مكان آمن:
- يا آنسة ماريانا...
لم يتوقع أنها بهذا التراخي، فما أن دفعها برقه، حتى تراجع جسدها للخلف بقوة وكادت أن ترطم رأسها بالأرض بقوة، ولكن بفضل سرعة بديهته، سارع لوضع ذراعه تحت رأسها كالوسادة كي لا تتأذى، ماريانا تململت في مكانها، وبدأت تفتح عيونها تدريجيا، بينما كان جون قريبا جدا منها، ذراعه أسفل رأسها، ووجهه مقابل وجهها، بل قريبا جدا من وجهها، فلم يكن لديه خيار، إذ أنه أجبر على هذه الوضعية كي يتفادى أذيتها، نظرت إليه بعينيها النصف مفتوحتين، ولم تكن قد استوعبت الأمر بعد، سألها بلطف:
- هل انتي بخير؟!
هزت رأسها بخفة، وبدت مشوشة جدا، وغير واعية لوضعها، ولكن بعد أقل من الثانية، رمشت بعينيها بدهشة متسائلة عمن يكون هذا المتطفل القريب منها إلى هذه الدرجة، وقبل أن يتسنى له شرح الأمر لها، صاحت بشدة غاضبة، وهي تشد شعره بقوة وتضربه بقبضتيها الصغيرتين، منزعجة متذمرة من استغلاله لوضعها وانتهازه فرصة التحرش بها وهي فاقدة وعيها، بينما كان جون يصرخ بألم ويحاول تفادي ضرباتها دون أن يدافع عن نفسه، ولم ينتبه لفلاش الكاميرا الذي التقط لهم صورا وهما على هذا الوضع المشين🥲
هربت ماريانا من أمامه، وهي تحاول ترتيب ملابسها التي تبعثرت أثناء شجارها معه، وجون لحق بها بعد أن انتزع نفسه من الصدمة، وأدرك سوء الظن الذي حدث، كانت في القاعة تسير نحو الخارج متذمرة بصوت منخفض غاضب، نادى باسمها بصوت حاد وعال، التفت جميع الحاضرين نحوه بمن فيهم هي، وقد انطلقت شرارت الغضب من عينيها، رفعت ذراعها نحوه متوعدة:
- هاي انت...اذا اقتربت مني مرة أخرى...سوف اقتلك حتما.
كانت كلماتها ثقيلة، بسبب ثمالتها، وخطواتها بطيئة متعثرة بسبب ثوبها الطويل، استدارت مبتعدة بعد أن ألقت بتهديدها، بينما وقف جون متسمرا، لا يعرف ماذا يفعل، خاصة بعد أن وجهت له نظرات الاتهام والاستهجان من جميع الحاضرين، بمن فيهم والده الذي كاد يقتله بنظراته النارية.
* ماريانا*
لا تعلم كيف وصلت إلى هنا، قادتها قدميها الى حيث يقطن حب حياتها الوحيد، وحيث كانت تعيش هي في الماضي، قبل أن تصبح ممثلة شهيرة، أخذت تطرق الباب بشدة، عله يخرج لرؤيتها، ولكن كالعادة، لا جواب، لا احد يسكن في هذا المنزل، فقد انتقل للعيش في مكان آخر، بعيدا عنها، كي لا تستطيع إيجاده ولو حتى بالصدفة، خرجت جارتها القديمة، كانت مرأة عجوز طيبة، كانت هي الوحيدة التي تخرج لها حينما تطيل البقاء خارج منزل مايكل، كانت المرأة ترأف بحالها، ويشق عليها رؤية ماريانا بهذا الحال، اقتربت منها بخطوات مسنة هرمة:
- أنه ليس هنا...هو لم يأتي إلى هنا منذ مدة طويلة، توقفي عن البحث عنه وتابعي حياتك.
ابتسمت ماريانا لرؤيتها، فهي تحبها كثيرا، اقتربت منها والأمل يرتسم على وجهها:
- أمي...ألم يأتي ابدا...ألم يخبرك بعنوان بيته الجديد؟! ألم يترك لي رسالة معك؟!
هزت العجوز رأسها بألم، هذه المسكينة لم تفقد الامل في إيجاده بعد كل شيء، أن مايكل شخص قاس، كيف يفعل ذلك بطفلة بريئة مثلها:
- عودي الى منزلك...الجو باردا جدا...ولا تعودي للبحث عنه فهو لن يأتي ابدا.
نظرت ماريانا إلى ملعقة تحريك الطعام في يد المرأة العجوز، كان البخار يتصاعد منها، وقد التصقت بضع حبات ارز ناضجة، وتذكرت بأنها لم تأكل شيئا منذ الصباح، راقبت المرأة العجوز نظراتها المركزة على ملعقة الطعام، وهتفت متذمرة:
- أيعقل انكي اهملتي طعامك حتى الآن...تعالي إلى الداخل سأضع لك صحنا من الأرز.
هزت ماريانا رأسها نافية، وهي تسحب ملعقة الطعام من يدها لتلتقط حبات الأرز الناضجة الملتصقة بالملعقة وتأكلها بابتسامة خجلة:
- سأكتفي بهذا القدر، لا اريد الدخول أخشى أن يأتي مايكل ولا يجدني.
جلست إلى السور القصير وتابعت بحرج:
- سأنتظره إلى حين عودته.
تنهدت العجوز باستسلام وهو تعود للداخل وتأتي لها بطبق من الارز، ومن ثم تركتها وعادت إلى منزلها بعد أن اوصتها بأن لا تطيل البقاء خارجا كي لا تصاب بالبرد.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم