الفصل الاربعون
رجل في حياتها
أخذها صالح الي مدينة ملاهي برفقة بدر، وقد تشاركت ماسة جميع عربات الالعاب مع بدر الذي كان خائفا مترددا من الصعود اليها، كان صالح يشعر بسعادة غامرة وهو يراقب فرحة ماسة وبدر بهذه الاشياء البسيطة التي يقوم بها من اجلها، يوما عن يوم يكتشف صالح مدى سذاجتها وبراءتها ورقتها، فهو لم يقابل لها مثيلا في حياته، ليست متطلبة او جشعة كشقيقته ووالدته، فهي ترضى بالقليل والقليل يفرحها دون حد او شرط، فقد وقع بغرامها منذ ان رآها راكضة باكية ليتلقفها بين ذراعيه ويختطفها، بعيدا عن والدها وشقيقها المغرور، صالح ادرك الآن لما قاسم لم يستطع مقاومتها، لماذا لم يكن راغبا بالتخلي عنها، فهي ماسة نادرة لن يجد لها مثيلا او بديل، وان استطاع صالح الحصول عليها، فسيكون كمن فاز بالجنة وما فيها.
ركضت ماسة وبدر باتجاهه وهما غارقان بالضحك، قالت ماسة بتعب:
-يا الهي لقد اكتفيت، هلا عدنا الي المنزل، بالتأكيد سوف يقلقون علينا الآن فنحن لم نبلغ احدا بخروجنا.
تذمر بدر معترضا فهو لا يريد العودة الي المنزل، وغضب من ماسة كثيرا لأنها أفسدت نزهتهما، طلبت ماسة من صالح ان يأتي لهم بسيارة وهي ستتفاهم مع بدر، صالح كان يعلم ان مهمتها شاقة، فبدر عنيد مشاكس، ولا يقبل اوساط الحلول ابدا، ولكن بعد لحظات وجد ماسة تتقدم منه برفقة بدر وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة رضى وسعادة بالغة، شعر صالح بماسة وكأنها فتاة مباركة، فلا يوجد أمر يستعصى عليها فكل مكان تدخله يتحول الي جنة من ورود واشجار يانعة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة عزم وإصرار، سوف يفوز بها مهما كلفه الامر.
حال دخولها البيت برفقة بدر فجئتها خالتها بالتهجم عليها، فقد انتزعت بدر من ذراعها، ودفعت ماسة بكتفها صارخة عليها:
-أين أخذتي ولدي أيتها الشقية، كيف تخرجين دون إذني؟!
حاولت ماسة التكلم ولكن خالتها صاحت بها مقاطعة اياها:
-اياك والكذب علي، كنت أعلم بأن شقيقك اعادك الينا لأنك لست سوية، أعلم انك ذهبتي للقاء عشيقك، اخبريني هل تفعلين ذلك كل يوم، بينما انا أثق بك واترك صغيري معكي، هل هذا جزائي بعد أن احتويتك من الشارع؟!
ماسة لم تفهم ما سبب كل هذا الهجوم عليها، ما الذنب الذي اقترفته، ولما خالتها تسيء اليها الي هذا الحد، راحت بنظراتها المتوسلة الي والدها الصامت، الذي أخذ يدخن سيجاره ببطىء وهدوء وكأن لا شيء يعنيه.
- خالتي هذا ليس صحيحا...
صاحت زوجة ابيها بحدة:
- اخرسي ايتها اللقيطة...
- توقفي!...هذا يكفي!
صرخة حادة أتت من صالح الواقف بالباب بذهول يستنكر كل تلك الالفاظ المهينة التي استخدمتها والدته على ماسة، اقترب من والدته عابسا مضيقا عيناه، قال بصراخ شديد على والدته:
- ماذا تفعلين؟! أمي كيف تجرؤين!
نظرت له والدته بحدة وضيق وصاحت بوقاحة:
- ما شأنك انت؟! لا تتدخل فيما لا يعنيك! هذه الفتاة لم تعش بيننا ولا نعرف اخلاقها أو كيف...
صاح صالح مزمجرا موقفا اياها عند حدها:
- توقفي عن اهانتها، لقد كانت معي، لم تكن مع احد غيري كانت برفقتي انا، لن اسمح لكي بإهانة زوجتي المستقبلية ابدا.
عم السكون المكان، تسمرت والدته في مكانها وقد سقط فكها من الصدمة، بينما والدها أخذ يراقب زوجته وابتسامة ساخرة ترتسم فوق شفتيه، بدر الصغير كاد ان يقفز من السعادة بعد ان انزوى بعيدا حينما رأى غضب والدته وصراخها، اما ماسة فكانت تحدق بصالح بذهول، متسائلة لما قال هذه السخافة، بل ما الذي دفعه لقولها، راقبت اقتراب صالح منها ببطء وحذر وفي عينيه يحمل عاطفة الدنيا بأكملها، وهمس بكل الحب الذي يحمله في جوفه:
- أذا وافقتي على الزواج مني تأكدي بأنني سأكون أسعد البشر، سأحافظ عليكي واحميكي وأسعدك حتى نهاية حياتي، فأنا بحياتي كلها لم أعشق فتاة كما عشقتك، أرجوكي اقبلي الزواج مني، فأنتي الوحيدة الذي غيرت نفسي وحياتي من أجلها.
فغرت ماسة فمها بصدمة، كيف ستتخلص من هذه الورطة؟! وقاسم، ماذا بشأنه ماذا ستفعل حين يعلم، بل كيف ستخبره بذلك، هذا ان اتتها الجرأة على اخباره!.
___________________________
- لن اسمح لابني الوحيد بالزواج من لقيطة، هل تسمعني؟! عليك ان تفعل شيئا بهذا الشأن.
أخذ صابر يحدق الي الدخان المتطاير في الهواء، يراقبه بعبوس، وتفكير، بينما زوجته تجلس قبالته داخل غرفتهما، تضرب يدا بيد وتتحسر على تربيتها وهدر تعبها على ابن عاق لا يستجيب لها، حينما رأت برود صابر، صاحت به غاضبة:
- لقد وافقت على وجودها بيننا لأنك اخبرتني بأنها تملك المال ولديها ارث من والديها بالتبني، ولكنها اتتنا فقيرة معدمة لا تملك الا أشياء لا قيمة لها، لا تعتقد بأنني سأجلس مكتوفة الأيدي، هذا الزواج لن يتم.
اطفأ صابر سيجارته بضجر وهو يحدجها بنظرات غاضبة نافذة الصبر:
- أنت ستفسدين كل شيء بجنونك، الا تعرفين الصبر يا امرأة.
قالت ساخرة بغل:
- سأصبر يا صابر وأرى نهاية صبري.
كانت ماسة تجلس بغرفتها تحدق بدب الباندا بتوتر، ماذا عليها ان تفعل كي تخرج من هذه الورطة؟ وفكرت ربما خالتها هدأت الآن، ستذهب وتشرح لها ما حدث، لا يوجد امامها خيار آخر، والا سينتهي الامر بها متزوجة دون ان تشعر، فقد تشاجرت مع وحيدها وترك المنزل غاضبا، ماسة لم تحب ان تكون طرفا في مشاكل ام وابنها، على الأقل عليها ان تبرأ ذمتها، ستشرح سوء الفهم الذي حدث بسبب غبائها، فلو انها رفضت الخروج برفقته منذ البداية لما تطور الأمر الي هذا الحد، ربتت على رأس دبدوبها الباسم وقالت له برقة:
- سأفعل هذا لأجلك أيضاً، فانا لا أستطيع ان افعل شيئا دون اذنك، أرأيت؟! أنا دائما أفي بوعدي، لست أنانية مثلك كي أضع الشروط والعهود ومن ثم أنقضها ببساطة!
تنهدت بتعب وهي تنهض من مكانها وبخطوات مترددة متخاذلة اتجهت للخارج وهي تشعر بأنها ستخوض حربا هوجاء.
طرقت باب غرفة والدها بحذر، وأذن لها بالدخول، حالما رآها واقفة ببابه متلبكة متوترة، تظاهر بالخيبة والحزن، وهو يغمز لزوجته بإحدى عينيه:
- لقد كسرتي ظهري يا ابنتي، كيف تفعلين هذا، كان يفترض بكما ان تكونا شقيقين، كيف تفكرين به بهذه الطريقة، لقد خاب املي بك فعلاً.
تنقلت ماسة بنظراتها بينهم، وقالت وهي تحاول استسماحهم:
- أبي، خالتي! ان الامر ليس كما فهمتموه، لقد خرجنا في نزهة ليس الا، لا أعلم لما صالح قال هذا، ولكن اقسم لك بأنه لم يحدث بيننا شيء، خالتي ارجوكي صدقيني، حينما يعود صالح سأخبره بعدم رغبتي بالزواج، انا حقا اعتبره كشقيق لي لم أفكر به بطريقة أخرى أبدا.
نهضت زوجة والدها بعنف من مكانها، ورفعت اصبعها في وجه ماسة محذرة:
- سألزمك بكلامك هذا! عليكي ان تكوني على قدر كلماتك الواثقة هذه، والا لن يحدث خيرا أبداً.
احنت ماسة رأسها بأسى، فالذنب ذنبها، كان عليها ان ترفض تلك النزهة المشؤومة، ولكن ماذا تفعل الآن فقد وقع المحظور، عليها ان تنتظر عودة صالح، وتجلس معه وتحادثه، عليها ان تنهي الأمر قبل ان يتوسع اكثر فلا تستطيع له حلا.
في غرفتها طرق بدر الباب برقة، ودخل ليجلس الي جانبها فوق السرير، وقال بحزن:
- لن ترفضي أخي أليس كذلك؟! لا تفعلي ذلك أرجوكي، أنا احب كثيرا ان تكوني زوجة أخي، ربما والدتي غاضبة الآن ولكن ابي سوف يقنعها.
ابتسمت ماسة برقة وهي تحتضنه بحنان:
- انت تريدني ان ابقى الى جانبك صحيح؟!
هز رأسه بالإيجاب بسرعة، فقالت بابتسامة لطيفة:
- اذن، عليك ان ترفض زواجي من شقيقك، لأنه حينها سيأخذني للسكن بعيدا عنك، وسيكون من الصعب ان تراني او أراك.
هز رأسه بسرعة نافيا بشدة:
- هذا ليس صحيحا، صالح يعيش في نفس المنزل معنا، وأنتي أيضاً ستعيشين معنا.
نظرت له ماسة بعبوس وقالت نافية تحاول اقناعه:
- انت مخطئ، اسمع ان خالتي ليست موافقة على زواجنا، ان تزوجت من صالح رغما عنها، حينها ستلقي بي وبصالح الي الخارج، وربما تمنعنا من رؤيتك أيضا، هل هذا ما تريده؟!
عبس بدر نافيا برأسه، ابتسمت ماسة بانتصار وقالت وهي تحاول اعادة البسمة الى وجهه البريء:
- لا أريد رؤية هذا العبوس ابداً، وتأكد بأنني لن أفارقك أبدا، فأنت شقيقي الوحيد، ومن المستحيل ان يبعدنا شيئا عن بعضنا البعض، اتفقنا؟!
هز رأسه موافقا وهو في غاية السعادة، المسكين كان يخشى ان تختفي من حياته، فهي الوحيدة التي تعطف عليه وتجالسه، وأيضا تقوم بتدريسه، فلطالما احب العودة الي مقاعد الدراسة، ولكن التنمر الذي كان يناله من زملائه جعله يكره الدراسة، وماسة قد لاحظت ذكائه الشديد، فهو يلتقط كل معلومة بعطش شديد ويحفظها بدقة واتقان، ويجتهد بمراجعة كل الدروس ويأتي اليها سعيدا فرحا كي يعيد عليها كل ما حفظه وتثني على ذكائه، فهو كان بحاجة فقط لقليل من التشجيع، وماسة هي كانت ملهمته ومحمسته الاولى والأخيرة، فوالديه لم يهتموا به ابدا كما فعلت ماسة.
في المساء عادت سمر من سهرة اخرى مع رفاقها، كانت ماسة تستغرب الحرية المطلقة التي تحصل عليها، ان عائلتها لا تهتم بموعد خروجها وعودتها، فقد تركوها على راحتها تماما تعمل ما بدا لها، ماسة لاحظت هذا ولكنها لم تجرؤ على التعليق بشأن هذا الأمر، فهي لا تريد ان تتسبب لها بالمشاكل، وبالرغم من ذلك كانت خائفة عليها جدا، فهي فتاة ومن الممكن لأي شخص استغلالها، نظرت اليها سمر ساخرة:
- ماذا؟! تجلسين على حافة سريرك وواضح ان لديك الكثير من الكلام، اخبريني ماذا هناك؟!
تنحنحت ماسة وقالت بتوتر وهي تحاول التقرب منها، علها تستمع اليها:
- لم استطع النوم، سعيدة بعودتك فأنا اشعر بالوحدة قليلا.
قالت سمر وهي تتجه الي غرفة الملابس لتبدل ملابسها:
- آه! انا متعبة كثيرا، ولا مزاج لي للثرثرة، ان كان لديك امرا هاما فلتتكلمي!
عبست ماسة متوترة، لن تصارحها بمخاوفها، فهي بالتأكيد سوف تسخر منها، لذا ارتأت ان تحاول اخذ رأيها بالمشكلة التي وقعت بها، لعل وعسى ان تجد الحل لديها! بدأت بتردد:
- لقد وقع اليوم سوء فهم بيني وبين خالتي، كنت سأطلب نصيحتك بهذا الشأن، فأنا لا اعرف كيف أتصرف!
خرجت سمر بعد ان ارتدت بيجاما للنوم، وسألتها بعبوس وهي تتجه نحوها لتجلس مقابلها فوق السرير:
- يا لكِ من مسكينة، هل تشاجرتي مع أمي؟! انت في موقف لا تحسدي عليه!
هزت ماسة رأسها بابتسامة ضعيفة، وتابعت بأمل:
- هل يمكنك مساعدتي في كسب ودها مجدداً، أرجوكِ
ضحكت سمر ساخرة، فقد كانت ضحكتها صاخبة مزعجة، وقد خشت ماسة من استيقاظ اهل البيت على صوتها، قالت سمر بصوت متقطع بقهقهتها:
- وهل كسبت ودها ابداً، كي تكسبيه مجدداً، آه يا ماسة، احيانا أشعر بأنك فتاة غبية!
وحينما رأت احمرار وجهها حرجا، قررت سمر ان تغير اسلوبها، وقالت بنبرة الاخت الكبيرة الناصحة:
- أخبريني ما حدث، وأعدك ان استطعت مساعدتك، سأفعل.
اشرق وجه ماسة بابتسامة سعيدة، وبدأت تسرد على سمر ما حدث معها هذا اليوم، وحاولت مرارا التأكيد على سمر بأنها فعلا تحب صالح كشقيق لها ولم تفكر به ابدا بطريقة مغايرة، عبست سمر متسائلة بعد ان انتهت ماسة من سرد قصتها:
- وأنا كيف يمكنني مساعدتك؟! لعلمك والدتي صعبة المراس، حتى لو تأكدت من صدق كلامك، صدقيني لن تسامحك، وستكونين مركزا لتنمرها وغضبها الدائم.
قالت ماسة بيأس:
- هل تعني بأنه لا يوجد امل في ان تسامحني؟!
استلقت سمر فوق السرير محدقة بسقف الغرفة، ونظرت الي ماسة بلامبالاة:
- ان امي لا تعرف السماح ابداً، فأنا ابنتها التي خرجت من رحمها، لم تسامحني ابدا، فكيف تتوقعين منها ان تسامحك؟!
عبست ماسة مفكرة، فهي لم تفهم ما تلمح اليه سمر ولكنها، وحينما رأت يمر تشتتها وضياعها، اعتدلت قائلة:
- هاي، لا تفكري كثيرا سوف تتعبين نفسك دون فائدة، ألا ترين اني اخرج منذ الصباح ولا أعود الا مساءً، هذا لأني لو بقيت معها داخل البيت، لوجدت الجيران كل يوم يهبون لفزعتنا، انا وأمي أسوأ من المرأة وضرتها اذا اجتمعتا.
وبالرغم من ان ماسة لم تفهم السبب، الا انها هزت رأسها متفهمة، قالت سمر ببرود:
- استمعي اليّ، حينما يعود صالح من الخارج، تحدثي اليه، اقنعيه بعدم رغبتك بالزواج منه، وان نجحتي بذلك، ستنالين رضا والدتي، ولكن ضعي هذا حلقة في أذنك، أمي سوف تسعى لتزويجك بالحال من شخص آخر، كي تسلم جانبك تماما، انا حذرتك وأبرأت ذمتي، لذا لا تلومي الا نفسك بعد ذلك.
قالت هذا وهي تقف متمغطة من التعب، وتثاءبت بنعاس شديد وهي تتجه الى سريرها قائلة:
- يا الهي ان اليوم كان مرهقاً جداً.
راحت ماسة تتأملها وهي تغطس تحت أغطيتها الوثيرة، ومن ثم تنهدت باستسلام وهي تحذو حذوها، فصالح لم يعد حتى الآن، وهي ملت الانتظار.
- ماسة!؟
كان هذا صوت سمر يناديها من تحت انقاض أغطيتها، فالتفتت لها ماسة بفضول:
- بالرغم من ثقتي بأنك لا تحبينني بسبب الماضي الذي جمعنا، ولكن...ان تزوجتي من شقيقي ستكونين انت الرابحة، فوالدتي ستزوجك الى كهل ثري، اعتبريها نصيحة من شقيقة كبيرة، تصبحين على خير!

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم