القائمة الرئيسية

الصفحات




 

الفصل الثامن والعشرون

لست خائفة ابدا

انتفضت ماسة بخوف حينما شعرت بيد تقبض على كتفها في محاولة لإيقاظها، وبالحال انتزعت نفسها من تلك القبضة لتلتصق، بالحائط الملاصق للسرير المتهالك الذي أجبرت على النوم فوقه، رفع يديه عنها وتراجع خطوتين للخلف، وقال بسخرية:

على مهلك ايتها الفرسة الجامحة.

نظرت ماسة خلفه حيث يقبع باب نجاتها، وتساءلت، أين صالح، هل سمعت اسمه خطأ بالأمس، وعادت نظراتها ترتكز على الماثل امامها، ليس هذا الرجل الذي حاول التحرش بها وقامت بلوي ذراعه، ترى من يكون هذا وماذا يريد منها.

ضرب جبينه بسخرية وكأنه تذكر شيئا للتو:

اه، نسيت، فأنتي لا تسمعين او تتكلمين، اه حقا هذا مؤسف، فمثل هذا الجمال يستحق فتاة كاملة لا عيب بها، ( انحنى نحوها وتابع بسخرية) ولكن ربما استطيع الاستفادة من هذا العيب.

نظراته المهينة الفاضحة التي زحفت فوق جسدها، أشعرتها بالغضب الشديد وقد شهرت بأنه يهينها بتلك الطريقة الفجة، ودون تردد رفعت يدها وهوت بصفعة حادة فوق وجهه الغليظ المربع، نظر اليها بذهول، كيف تجرأت على صفعه، تلك البكماء الحقيرة، وعلى الفور امسك بها من شعرها وسحبها نحوه بعنف وقال لها هامسا بصوت كفحيح الافعى:

لا استطيع تشويه هذا الوجه الجميل، ولكن أعدك بأنك سوف تندمين كثيرا على فعلتك هذه.

والقى بها مجددا فوق السرير الصلب، ماسة لم تفهم بعد سبب وجودها هنا، ولكنها كانت تعتقد بأنها ستواجه صالح ليس الا، ولكن على ما يبدو ان صالح لن يأتي، ربما ترك لهم حرية التصرف بها، ولكن لماذا صالح يقوم بخطفها، ان لم يرد منها شيئا، بدأ التوتر يدب في عروقها، وراقبت خروج ذلك الرجل الكريه وهو يهددها ويتوعدها.

أتتها اصوات من خلف الباب الحديدي المغلق، وكأن هناك شجار يدور بالخارج بين افراد العصابة، وسمعت بعض الصفعات والشتائم، ومن ثم فتح الباب بقوة ليظهر صالح بطوله الضخم الغليظ، لم يقل شيئا فقد اكتفى بالتحديق بها لبعض الوقت، وهي ايضا بادلته نفس النظرات المتفحصة، في ذلك اليوم حين رأته لم تتبين طوله وحجمه لأنه كان بمقعد السائق، والأن قد لاحظت مدى ضخامته، فكرت ماسة، كيف ستصرعه ان حاول التعدي عليها، كان حليق الذقن ووجه حاد الملامح، عيناه حمراء كالدم، ربما يعاني من الارق او يتناول المنبهات بكثرة او ربما وهو الاسوأ ان يكون مدمنا ويتعاطى اشياء خارجة عن القانون وتهلك صحته، ابتسم صالح وهو يتابع نظراتها التي تتأمله وقال ساخرا:

هل أعجبتك البضاعة؟

اتسعت عيناها على آخرهما، ماذا ستفعل به وكيف ستتخلص منه؟ فمن نظراته الساخرة الوقحة علمت بأنها لن تنجو منه بسهولة.

نادى صالح على احد رفاقه يطالب بمقعد، وقام بعكسه والجلوس فوقه ليرتكز بيديه على ظهر الكرسي، وبدأ التحدث بغلاظة:

اعلم بأن باستطاعتك فهم ما أقول، لذا استمعي لي جيدا، لأنه اذا حدث خطأ بعد ذلك، انتي من ستتحملين العواقب.

ارتفع حاجب ماسة بتساؤل، فتابع صالح:

سأعاملك كضيفة مؤقته الي ان احصل على المال الذي اريده، لقد كان لدي خططا ولكن والدك الغبي افسد مخططاتي، لذا لجأت الي هذا الحل المتطرف، اعلم انكي تجيدين فنون القتال ولكن اؤكد لك بأنك لن تستطيعي التغلب على اربعتنا دفعة واحدة، وبالنهاية ستكونين انتي الوحيدة المتضررة.

عن اي مال يقصد؟ من سيدفع له المال؟ هل طالب قاسم بفدية لأجل ان يستعيدها، راقب صالح تبدل ملامحها ولاحظ حيرتها، طالب احد رفاقه باحضار ورقة وقلم، والقاهم في حضنها قائلا بغرور وهو يشعل سيجارة تجعدت من ضيق سرواله الجينز عليها:

اكتبي كل ما في بالك، سأجيبك على جميع اسالتك؟

وبعد تردد قصير امسكت ماسة القلم والورقة وخطت تساؤلاتها بسرعة، كانت نظرات صالح منصبة فوقها، فقد لاحظ كم تغيرت عن الطفلة الصغيرة التي عرفها، لولا عيناها المميزتين لما استطاع معرفتها، فمنذ اول مرة رآها، ظل فكره مشغول بها، وبحث وتحرى عنها الى ان تأكد من هويتها، من زوج والدته الذي صدم حينما علم بموت والديها بالتبني، ورأى بها فرصة سانحة، ليساوم عليها مجددا، ويقبض مبلغا من المال يسدد بها ديونه، حينما اخبره بنتاج لقاءه مع قاسم، وانه قرر ان يزوجها له مقابل مبلغا من المال جن جنونه، وطالبه بنصف ما سيحصل عليه من قاسم، الا ان والدها اخبره بأنه لن يحصل على قرش واحد من هذه الصفقة، لذا اخذ يتحين الفرص والوقت المناسب، ليختطفها ويفسد مخطط والدها، فهو لن يخرج خالي الوفاض من هذه الصفقة.

قرأ ما كتبته وابتسامة ساخرة ارتسمت فوق شفتيه، ومن ثم جعد الورقة بيديه والقى بها ارضا، وبدأ:

حسنا يا ماسة، اعلم بأن هناك ذكريات سيئة جمعتنا، ولكنني لا اكن لك الضغينة، فهدفي ليس أذيتك أبداً، كل ما في الامر اني بحاجة ماسة الي المال، فلدي ديون كثيرة وان لم اسددها اما أن أسجن او اقتل، فكما ترين حياتي على المحك هنا، لقد عرضت على والدك السكير صفقة نخرج بها نحن الاثنان راضيين، ولكن والدك الجشع اخل بالاتفاق، ولم يكن لدي خيار سوى خطفك لأحصل على نصيبي من الصفقة.

أشارت له ماسة بيديها الا انه اوقفها قائلا بسخرية:

تعلمين بأني لا افهم هذه الاشارات الغبية، لذا استمعي لي فقط ولا تقاطعيني، لقد ارسلت لشقيقك الزائف رسالة، اخبرته انه اذا اراد عودتك عليه ان يدفع مبلغا من المال، انه حتى الآن لم يستلم الرسالة، ولا اعلم ماذا سيكون رده، ولكن بعد ساعات قليلة سيأتي منه الرد، وبكل تأكيد سأخبرك برده، كل ما عليك فعله الآن هو الانتظار مثلي بهدوء، والاهم ان لا تحاولي التهور وتقومي بفعل احمق قد يودي بحياتك.

هذا كل ما انتي بحاجة لمعرفته الآن، انا لدي بعض المهام علي القيام بها الآن.

اتجه الي الباب بعد ان رتب هندامه وملس شعره الاسود اللامع، وقبل ان يخرج من الغرفة نظر قال لها محذرا وهو يدوس سيجارته بقدمه:

صحيح! ان رفاقي ليسو بمثل أدبي واخلاقي، لذا لا تثيري حنقهم بغيابي كي لا تتأذي.

نادى على احد رفاقه وكان شخصا اخر غير الذي صفعته قبل قليل وطلب منه احضار وجبة طعام لها، ومن ثم خرج وتركها وحيدة معه.

حدق بها رفيقه بابتسامة غليظة، كان هذا الشخص الذي تعرض لها ذلك اليوم بالشارع وقامت بلوي ذراعه، قال بفظاظة:

ما رأيك ان نتشارك سويا وجبة الافطار، دعينا نبدأ بداية جديدة ولنتناسى الاحقاد القديمة، ما رأيك يا جميلتي؟!

عبست ماسة باشمئزاز وهزت رأسها رافضة بشدة، تنهد باستسلام وقال ببرود:

انتي الخاسرة

واختفى بعض الوقت ليعود حاملا طبق صغير من الطعام، وعاد ليخرج مغلقا الباب خلفه بابتسامة خبيثة، ماسة ترددت في تذوق الطعام برغم جوعها الشديد، خافت ان يكون قد وضع لها شيئا في طعامها لذا ارتأت ان تضور جوعا على ان تقوم بالمجازفة.

يتبع...

تعليقات

التنقل السريع