القائمة الرئيسية

الصفحات




 الفصل السابع والعشرون

المختطفة



كانت الغرفة مظلمة جدا، لدرجة أن ماسة فتحت عينيها على اتساعهما كي تستطيع أن ترى شيئا اي شيء، ولكن دون جدوى، حاولت النهوض من فراشها الصلب الذي فتت عظامها لقسوته، وبآهة، صغيرة، اعتدلت في مكانها، وتدريجيا بدأت، تتضح لها زوايا الغرفة ونوافذها المحكمه، وبابها الحديدي الضخم، اتجهت بخطوات بطيئة الى الباب؛ لتحاول فتحه، ولكنها لم تنجح، تنهدت متجهة الى النوافذ ذات القضبان الحديدية، ونظرت الى الخارج، كان الوقت يبدو وكأنه منتصف الليل، كانت الغرفة أشبه بزنزانة صغيرة، وعلى ما يبدو أنها في بناية عالية، إذ أنها لم تستطع رؤية الأرض الصلبة، بل كل ما رأته هو أشجار شائكه، ونجوم مضيئة، وقمراً على شكل هلال رائع، وأصوات. .أصوات؟! أجل إنها تسمع أصوات بعيده باهته، ولكن هل تسمع حقا؟ أم يهيأ لها ذلك، أرهفت السمع أكثر لتتأكد من وجود تلك الأصوات، ولكن سكون الليل أخذها بعيدا، وعم السكون المكان، ولم تعد تسمع شيئا، بالتأكيد! فهي لا يمكنها أن تسمع شيئا لأنها صماء، وفجأة، أصوات عالية خلف الباب وصلت إليها، أحدهم قادم ويحاول الدخول الى زنزانتها الكئيبة، بسرعة عادت الى سريرها، متظاهرة بالنوم وبعدها، سمعت صوت فتح الباب وخطوات أقدام ترتدي كعوبا عالية صاخبة، تتقدم نحوها، انكمشت ماسة في مكانها وحاولت التماسك والصمود في تظاهرها بالنوم.



قال أحدهم:



يا رجل! ما نوع هذا المخدر؟ إنها نائمه منذ 12 ساعة، ولم تفيق بعد.



رد عليه الاخر ببرود:



لا أعلم اي نوع؟! فقد طلبت من الصيدلي أن يعطيني مخدرا من أجل ثور هائج.



صاح عليه صديقه بحده:



كنت أعلم بأنك أحمق، أنظر إليها، برأيك، هل تحتمل فتاة برقتها مخدرا يستعمل للثيران أمثالك؟



اجاب رفيقه بغضب:



هذه الرقيقة، كادت ان تكسر ذراعي، هل نسيت يا صالح؟!



تنهد صالح مستسلما ومد يده ليمسك بيدها ويجس نبضها، ومن ثم قال براحة:



حمدا لله ما زالت حية، دعنا ننتظر حتى الصباح وأن لم تستيقظ سنضعها في حوض بارد من الماء.



وتلاشت أصواتهم تدريجيا، الى أن اختفت خلف الباب المغلق، وحالما تأكدت ماسة من ابتعادهم، جلست بسرعه في مكانها مصدومه أنها تسمع! لقد سمعت كل كلمه قالوها، بل وعرفت من هم أيضاً، يا الهي! أسرعت إلى النافذة تنظر من خلالها، وأرهفت السمع مجددا، لا تصدق بأنه يمكنها سماع صوت الحشرات الليلية وهسيس الأغصان المتحركة، حتى نعيق البوم الذي لطالما تساءلت كيف يكون صوته في هدوء الليل سمعته! قفزت ماسة فرحة وهي تصفق بيديها، وبالحال توقفت عند سماعها صوت تصفيقها الصاخب، يا إلهي! سوف يشعرون بها ويعودون اليها .اختلج قلبها فرحا، ونسيت امر اختطافها، كل ما كان يشغل بالها، ان حاسة السمع عادت اليها، طرقت بأصابعها الرقيقة بخفة فوق القضبان الحديدية، الماثلة أمامها وقد داعب صوت طرقاتها الخفيفه مسامعها، شعرت وكانها تعزف سيمفونية جميلة من نوع اخر، وفكرت إذا كان بإمكانها أن تسمع، فهي بالتأكيد يمكنها الكلام حاولت أن تصدر صوتا، ولكن كل ما استطاعت فعله هو اخراج تأوهات صغيرة مضحكة لا ترتقي إلى الكلمات، ولكنها شعرت بأن بإمكانها التحدث وبطلاقة، ولكن عدم تحدثها طوال تلك السنين جعل لسانها ثقيل جدا، لا يقوى على حمل الكلمات ولفظها، بالتأكيد فالتحدث لن يكون سهلا مثل الاستماع، حاولت أن تذكر إسم قاسم، فلطالما تمنت أن تتحدث، لتناديه بإسمه .(قاسم)حاولت مرارا وتكرارا وكادت أن تنجح إلا أن التعب أنهكها، عادت لتستند الى السرير ووضعت رأسها فوق ركبتيها مستسلمة، وراحت تتذكر قاسم، هل سوف تراه مجددا؟ انها سجينة هذا المكان الموحش، ولا تعلم الى متى سيبقيها صالح سجينة لديه، صالح ابن زوجة والدها، هو من اختطفها، ذلك الوغد! كيف وصل إليها؟ ولماذا قام بخطفها؟ ماذا يريد منها؟ وعادت بذاكرتها الى خالتها ونظراتها القاسية وهي تطلب منها مغادرة، المنزل هل يعقل أن أمها توفيت حقا؟ أم أن خالتها تكرهها لدرجة أن تؤذيها وتكذب عليها هذه الكذبه الفظيعة، ولكن من المستحيل أن تكذب خالتها، فهي لطالما عرفتها، تقول كل ما في قلبها، حتى لو كان قاسيا، جارحا ومدميا، ولكنها أبداً لا تكذب.



وقاسم! كيف اخفى عنها الأمر؟ لماذا أخفى عنها هذه الحقيقه المؤلمة؟ هل قام بخداعها ليبقيها إلى جانبه! كي يعذبها بقربه، وفكرت والدموع تنهمر من عينيها كالشلال، إذا كانت والدتها الحبيبة متوفية فعلا، فهذا يعني أن لا مكان لها بين هذه العائلة، فلا طالما شعرت بانتمائها بوجود والدتها، كانت هي الرابط الذي يقويها ويشد عزيمتها ويجعلها تحتمل صعوبات الحياه، ومن مجمل هذه الصعوبات، قاسم كان عليها أن تحتمل مشاعرها نحوه وتخفيها وتكتمها وترسم ابتسامة لأجل والديها، في حين قلبها كان يتمزق من شدة شوقها وحبها له، كان قاسم قاسيا باردا نحوها، منذ طفولتها وهو يسخر منها ويؤذيها، وهي كانت الحمقاء تزداد تعلقا به في كل يوم أكثر من الآخر، أرادت بشدة أن تكسب قلبه، كانت تطمع بأن يقبل بها شقيقة له، ولكنه كان دائم الصراخ عليها، كان دائما يذكرها بأنها لم ولن تكون شقيقته أبداً.



وتدريجيا أدركت هذه الحقيقة بأعماقها، وتحولت مشاعرها الطفولية البريئة، إلى مشاعر فتاة مراهقة، على أبواب النضوج، وعرفت أن ما تكنه لقاسم ليس إلا حبا نمى بداخلها رغما عنها، دون أن تشعر تغلغل ىروحها، وتيقنت من ذلك حينما رأت بنات عمومتها يتقربن منه ويحاولن لفت انتباهه بشتى الطرق، كانت الغيرة تتآكلها وتقض مضجعها، تتذكر ابتساماته لهن ونظراته اليهن، يمازحهن ويغازلهن كل ما كانت تناله منه، معاملته القاسية، وردوده الساخرة، كانت دائمة الشجار معهن لأنه كان يفضل رفقتهن عليها، ويطردها حينما تنضم إليهم ويخبرها ساخرا، بأن تذهب الى غرفتها وتلعب بدماها، وأن لا مكان للأطفال بينهم كانت تخفي ألمها وحزنها عميقا بداخلها، وتتظاهر بالبرود واللامبالاة أمامه وأمام والديها، كان يوم رحيله الى الخارج مؤلما قاسيا، لم ترده أن يبتعد عن عينيها ولو للحظة، فهي تعلم كيف الحياة تكون خارجا وكم كان نطاق الحرية واسعا، فلا حياء ولا دين يكبحهم.



كانت تخشى أن تغيره الغربة وأن ينساق وراء رغباته واهوائه، وبالفعل ما خافت منه قد حدث تماما، عاد لها مختلفا، شخصا اخر غير الذي عرفته، فقد رحل كحبيب طفولتها، الوحيد وعاد كشقيق عابث يلاحق الفتيات ويغويهم ولا يكتفي بواحده، وحينها ادركت بأن لا مكان لها في حياته أبداً، فهو لن يحبها أبداً وهي لا تستطيع الاستمرار في كتمان مشاعرها والتظاهر بمشاعر الاخوة التي غادرتها منذ زمن بعيد.



حامت عينيها في زنزانتها الصغيرة الكريهة، الآن وقد فقدت كل ما عاشت لأجله، والدتها وقاسم حب حياتها فقد فقدت أيضا الشعور بالخوف مما ستواجهه عند طلوع النهار، لم يعد يهمها ما سيصيبها بعد فقدانها أغلى ما تملك، ماسة المتطفلة النكرة في أعين الجميع، والتي لا تسبب سوى المشاكل لكل من يقترب منها، بالتأكيد خالتها ستكون سعيده بغيابها، فلا طالما كرهتها ورغبت بعودتها الى عائلتها.



والديها لم يعودا على قيد الحياة، ولن يفتقدها احد، وقاسم سيشعر بالراحة والحرية، ويعود إلى خطيبته الاجنبيه، على متن أول طائرة متاحة، لينعم بقربها الذي حرم نفسه منها، لأجل شقيقة مزيفة ونكرة، أجل! هذا ما كان يجب ان تكون عليه نهايتها فمكانها الحقيقي بين تلك العائله التي تخلت عنها وباعتها في الصغر، ليس مهما اين عاشت وكيف ربت، ففي النهاية يعود مرجعها إلى أصلها، إلى والدها القاسي الجشع، والى زوجة والدها الحقودة، التي كانت تضربها وتسيء اليها طوال الوقت، وتفضل ابنائها عليها، لقد كتب عليها التعاسة في قدرها منذ ولادتها، وعليها أن تشكر ربها لانه أنعم عليها بوالدة مؤقتة، مثل حنان، لتنتشلها من براثن القسوة والظلم، إلى أن اشتد عودها، وصقلت شخصيتها الضعيفة، وأصبحت أقوى، تعرف حقوقها وكيفية حماية نفسها ومواجهة كل من يحاول الاساءة إليها.



عادت ماسة لتغفو فوق سريرها الصلب القاسي داخل زنزانتها السوداء المظلمة، وقد ارتاحت لفكرة أنها، صباحا ستكون صاحبة القرار، فماسة التي عهدها صالح في طفولته، ولدت من جديد ولن تسمح لاحد بالاستهانة بها.



مستلقيا فوق فراشها، محدقا بسقف غرفتها، محتضنا دفتر مذكراتها .يسترجع كل لحظة كتبتها، كل موقف ذكرته، كل ألما عاشته.

يا الهي! كم تعذبت حبيبته، كيف لم يستطيع رؤية عذاباتها واحزانها في الماضي، الذي كان يجمعهما، كيف لم يدرك مشاعرها الجارفة التي اجتاحتها في عمر مبكر، كيف تجاهلها واذاها، وسخر منها وكيف استطاعت إخفاء كل هذا العناء والشقاء خلف ابتسامتها البريئة الزائفة قام بتحطيم قفل صندوقها بعصبيه، حينما عاد الى البيت بعد نهار طويل وشاق من البحث عنها، عاد خائر القوى، محبطا وبائسا من كثرة التفكير، في أين من الممكن أن تكون؟! كان لديه أمل ضئيل أن يعود فيجدها قد أغلقت على نفسها باب غرفتها منزوية، متجنبة لقائه .تمنى لو أنها فعلت ذلك بدلا من اختفائها المرهق المضني، إن كانت تفعل ذلك لتنتقم فقد نجحت بكل تأكيد، أن لا يعرف اين تكون ومع من؟ وماذا تفعل واذا كانت بخير ان تعاني ضيقا او كربا! لأشد واعتى أنواع الانتقام، هو يعلم بانه يستحق عقابها، يستحق كرهها، فهو بنظرها مخادع وخائن وكاذب عديم الضمير.



نظر الى دفتر مذكراتها الذي يحمله بين يديه، كان يأمل أن يجد بداخله ما يرشده إلى مكانها، ومع كل صفحة طواها من دفتر أسرارها الصغير، كان أمله الكبير يتلاشى تدريجيا فما وجده بهذا الكتيب الصغير فاق كل توقعاته، فقد كان شريط حياتها المضنية يمر امام عينيه، مع كل جملة يقرأها، وكل كلمه يفهمها، وكل حرفا يحفر عميقا داخله.



ماسة طفلته الصغيرة كانت مدججة بالمشاعر الحساسة المرهفة، فقد خطت لحظات عاشاها معا، لحظات لم يشعرها أو يحسها أبداً، لحظات عاد يسترجعها ليراها تماما كما وصفتها هي، مواقف صغيره بنظره تافهة لا تستحق، كتبت بها ماسته واشعار وقصائد طويلة حساسة ومرهفة، كيف كان أعمى عن كل هذا، كم شعر بالكره لذاته، كم تمنى لو يعود بالماضي للخلف، كي يمسح دموعها الخفية، وآهاتها، المكتومة، وآلامها الدفينة.

**********

هذا الدفتر الصغير الذي تمنى ان يحصل، منه على خيط رفيع من الامل يقوده اليها، ولكن كل ما حصل عليه هو الألم والأسى والحزن ورغبة أقوى بالبحث عنها وايجادها حتى لو كانت في سابع أرض او سماء.

يتبع....

تعليقات

التنقل السريع