الفصل السادس
- اللعنة على هذه الذبابة...
وقطعت جملتها حينما وجدت سارة ولونا أمامها تبتسمان بعبث، وبالحال نفضت عنها الغطاء وركضت الي أحضان شقيقتيها هاتفة بفرح هائل:
- لقد عدتما، يا الهي كم انا سعيدة، وانتي يا سارة متى ستتوقفين عن ارباكنا بعد كل نهار سعيد، يا الهي اعتقدت أنك لن تعودي ابدا.
- بالتأكيد سأعود! فنحن توأمان وسنبقى معا الي الابد.
ابتسمت (لونا) بحنان وطلبت منهما برقة:
- اخفضا صوتيكما واذهبا لتناول الإفطار، هيا.
وحالما اختفتا من أمامها اتجهت الي والدتها النائمة بعمق، أو هكذا هيئ اليها، فما أن قررت المغادرة حتى أتاها صوت والدتها مناديا:
- هل ستذهبين الي الجامعة دون ايقاظي؟!
نظرت (لونا) بسرعة الي والدتها والتي اعتدلت في مكانها بتعب، وراقبت الخطوط التي تحفر زوايا عينيها، واضح جدا أن والدتها أمضت ليلة طويلة في بكاء ونحيب، بدأ هذا واضحا على ملامحها الشاحبة وعيونها المحمرة الذابلة، تنهدت وهي تجلس قرب والدتها تشد على يدها بحنان فائق:
- أمي؟! لما تفعلين هذا بنفسك؟! انتي تعلمين أن هذا هو وضعها حينما تلعب وترهق نفسها، في حالتها هذه يكون وضعها طبيعي جدا! لا داعي لأن تقسي على نفسك كثيرا.
عادت امها لذرف الدموع بألم وأتى صوتها مرتجفا باكيا:
- تعز علي نفسي حينما أراها تتعذب ولا استطيع مساعدتها، أشعر بالعجز في كل مرة تقع بها صريعة المرض وانا أشاهد دون أن أفعل شيئاً.
احتضنتها (لونا) برقة مهدئة اياها وهي تحاول كتم دموعها، فعلى إحداهما أن تكون قوية حتى لو كانت قوتها تظاهرا، فلا يمكن أن يظهروا ضعفهم ومخاوفهم أمام الصغيرتين:
- أمي لا تفعلي ذلك أرجوكي! نحن لا نقف مكتوفي الأيدي، تعلمين بأنني ادخر كل قرش أكسبه، خلال أسبوعا واحدا فقط، ساجد شقة في المدينة لننتقل اليها، اصبري قليلا بعد، ها! أرجوكي اصمدي لأجلنا.
نظرت والدتها إليها بأسى وهي تربت فوف رأسها بحنان:
- سامحيني يا ابنتي! لقد حملتي الهم باكرا، أصبحت عائلة كاملة في عنقك وانتي لا زلتي طفلة، لولا هذا المرض اللعين، لما تركتك تخوضين كل هذه الصعاب وحدك يا صغيرتي!
سارعت (لونا) بالاعتراض متظاهرة بالحدة والغضب:
- أشش لا أريد أن أسمع هذا الكلام مرة اخرى، أنا طفلة؟! يا الهي! هذه الطفلة التي أمامك هي نفسها التي ستعيد اليك حياتك الماضية، فقط انتظري وراقبي.
قبلتها والدتها بحب وهمست وهي تعود لاحتضانها:
- هذا ما أتمناه واعيش لأجله.
*****
يا الهي كم هذا مزعج، لماذا الجميع يحدق بها بهذه الطريقة، تنهدت (لونا) بضجر وهي تحاول تجاهل النظرات الكراهة التي تخترقها، وغاب عن بالها أن يكون فرانكو له علاقة بالأمر، وحالما دخلت القاعة بدأت الهمسات واللمزات تتعالى من حولها، وبالرغم من أنها لم تخرج بجملة مفيدة الا ان نظراتهم إليها وسخريتهم منها أكدوا لها بأنها موضوع حديثهم، ولكن ما الخطأ الذي ارتكبته! أنها لا تعلم، اتجهت إليها صديقتها روبي وعلامات الغضب والاستنكار تعلو وجهها:
- لم أتوقع منك هذا التصرف أبدا! يا الهي يفترض بي ان اكون صديقتك، ولكن لن يشرفني أبدا أن أكون صديقة لفتاة مثلك!
رمت كلماتها القاسية في وجه (لونا) المصدومة واستدارت مبتعدة خارج القاعة، نظرت (لونا) بذهول حولها الي زميلاتها علها تستشف سوء الفهم الذي وقعت فيه، ولكن لم تتلقى منهم سوى نظرات الحقد والاحتقار، ركضت مسرعة في أثر صديقتها، واعترضت طريقها لاهثة:
- كاتي توقفي! أخبريني ماذا هناك؟! ماذا فعلت لأنال كل هذا منكي ومنهم؟!
اتسعت عيون كاتي بصدمة وصاحت مستنكرة:
- هل تسخرين مني؟! لم تعود نظراتك البريئة هذه تخدعني! توقفي عن التمثيل وازيلي عن وجهك هذا القناع الزائف لقد كشف أمرك.
حاولت كاتي تجاوز (لونا) وتجاهلها، ولكن (لونا) لم تستسلم فهي لم تفعل شيئا خاطئا أبدا، ولن تسمح لأحد بالإساءة إليها، واهانتها حتى لو كان أعز أصدقائها، أمسكت ذراع كاتي بشدة وسحبتها خلفها بعيدا عن الأنظار المتطفلة والآذان المتلصصة عليهم، وحالما تأكدت بأنها ابتعدت تماما عن انظارهم، صاحت بصديقتها بحدة وغضب:
- بماذا أذنبت؟! أخبريني؟ أخبريني كيف خدعتك ماذا مثلت عليكي؟ لا تلقي الاتهامات على مسامعي ثم ترحلي! من حقي عليكي كصديقة أن تخبريني وتسمعي دفاعي عن نفسي لا أن تسيري مع القافلة وتعامليني مثلهم.
كلمات (لونا) أصابت كاتي في الصميم، فقد حل عليها الوجوم وبدأ الشك فيما سمعته ينتابها، ولكن تلك الصور والمشاهد تثبت عليها التهمة، يستحيل أن تكون تلك الصور مفبركة، وبالرغم من ذلك ستواجه (لونا) بما رأت وسمعت، لربما كان لديها تفسير مقنع لكل هذا، أخرجت الهاتف من حقيبتها وقلبت به قليلا ومن ثم أدارته باتجاه (لونا) بنظرة اتهام واضحة في عينيها:
- هل لديك تفسير مقنع لهذا؟! ولا تخبريني بأن هذه الفتاة ليست أنتي، فالأمر واضح انها حقيقية تماما.
اتسعت عينا (لونا) بصدمة وهي تحدق بالصورة التي عرضتها عليها كاتي على شاشة هاتفها النقال، وبسرعة انتزعت منها الهاتف وأخذت تقلب في الصور المخزنة على هاتفها، كانت الصور تجمعها هي والطبيب جون في ساحة المشفى الخارجية، صورة يحتضنها، وأخرى يربت على رأسها وأخرى يداعب خصلات شعرها، يا الهي من يرى الصور سيسيئ الفهم بالتأكيد، بل من التقط هذه الصور تعمد الإساءة إليها وتشويه سمعتها بلا شك، نظرت إلي كاتي بصدمة والإدراك يتغلل إلى حواسها، وبالرغم من أنها تعلم إجابة سؤالها الا انها سألت بيقين تام:
- من ارسل لكي هذه الصور؟!
قالت كاتي ببرود:
- اتعتقدين أنها أرسلت لي فقط، لقد عرضت هذه الصور على الصفحة الرئيسية بالجامعة، هذه الصور موجودة في هاتف كل طالب ومحاضر في هذه الجامعة.
( سوف تندمين) كانت هذه كلماته ولقد كان يعنيها تماما، إذن هذا هو انتقامه، ذلك الوغد اللعين، أن اعتقد بأنها ستخاف منه وتختبئ فهو مخطئ تماما، فهي لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ظلمه وطغيانه، وبخطوات سريعة تحولت تدريجيا الي ركض سريع تركت صديقتها خلفها في حيرة دون أن تحاول تبرير نفسها أمامها، اذا كان ذلك الوغد يستطيع تحريض أعز صديقاتها عليها، إذن فلن تلوم من لا يعرفها على إساءته لها، بحثت عنه بالجامعة ولكنها لم تجده، فتشت القاعات، والساحات والحدائق دون جدوى، حتى المطاعم والنوادي التابعة للجامعة لم يظهر بهم، الي أن علمت من أحد أصدقائه بأنه لم يحضر اليوم الي الجامعة، كانت (لونا) تتميز من الغيظ والغضب، كيف تجرأ على فعل هذا بها، كانت تريد رؤيته، كانت تريد الانقضاض عليه وتحطيم وجهه الساخر المقيت، كانت تريد الصراخ عليه وإفراغ كل غضبها وكبتها ومقتها عليه، ولكن لم يكن له وجود، عادت الي المطعم تجر أذيال الخيبة ورائها، بينما اشتدت من حولها الاتهامات والاشاعات وامعنوا في مضايقتها واتهامها، وتهافتت إلي مسامعها الإهانات والعبارات القاسية في حقها، ودون وعي منها وبضجيج شديد في رأسها، وغضب مكبوت في قلبها، انفجرت صارخة بهم بحدة:
- كفى، توقفوا عن ذلك، ومن لديه الشجاعة فليتقدم مني ويواجهني بما لديه، توقفوا عن طعني بظهري كالأوغاد.
عم الصمت والهدوء على المكان، وأخذ الكل يراقبها بنظرات قاسية شامتة محتقرة، وكانت (لونا) مدركة لمشاعرهم السلبية التي غلفت المكان، فلما سيصدقونها هي ويكذبون ما رأوه بأعينهم، لن يستمع احد إليها أو يصدقها.
- هل علمت بأن الدكتور جون قد طرد من الجامعة بسببك؟! بماذا تريدنا أن نواجهك وانت تعلمين تماما الخطأ الذي اقترفتيه.
كانت هذه احدى صديقات فرانكو، واحدة من شلته الثرية المدللة، وربما هو من دفعها لتقول هذه الكلمات الكاذبة، من غير المعقول أن يطردوا طبيبا بمثل مهارته لسوء فهم بسيط كهذا دون أن يتأكدوا من صحة الخبر، بدت الصدمة والإنكار واضحة جدا على ملامح (لونا)، فتابعت تلك الفتاة بسخرية:
- يا إلهي! انتي حقا تجيدين التمثيل! مسكين الدكتور جون لا يعرف أي نوع من الفتيات هي أنتي!
تقدمت منها (لونا) ببطىء، فقد تمادت هذه الفتاة بوقاحتها وليست (لونا) من تسكت عن حقها:
- أخبريني؟! اي نوع من الفتيات اكون؟! يبدو واضحا انك تعرفين جميع الانواع، لذا سأكون ممتنة لو أخبرتيني عن نفسي قليلا!
كان هذا تصرفا خاطئا منها، ولكنها لم تستطع منعه أو السيطرة عليه، فقد كانت تشتعل بنيران الغضب، قد كانت بحاجة إلي كبش فداء كي تصب عليه جام غضبها، ولسوء حظ هذه الأفعى الصغيرة، انا اعترضت طريقها، إذ انها أجابت (لونا) بكل برود ولا مبالاة:
- نوعك واضح جدا، والجميع هنا يعرفه، لستي سوى عاهرة تعرض جسدها للبيع مقابل النقود أو الدرجات العالية، انا لا الوم الاستاذ جون لأنه لم يستطع تمالك نفسه أمامك، فأي عاقل يرفض بضاعة رخيصة مهما كانت مغرية عرضت عليه.
كانت (لونا) ذات نفسها مصدومة من ردة فعلها، لم تتوقع ابدا أنها تملك هذه القوة داخلها، إذ أخذت تكيل الضربات والصفعات للأفعى الماثلة أمامها دون كلل أو ملل وكأنها كانت تضرب كيس ملاكمة ممتلئ بالرمال.
انقض عليها زملائها مدافعين في محاولة فاشلة لتخليص الفتاة من براثنها وبعد جهد وعناء استطاعوا انقاذها، بينما أرسلت إدارة الجامعة بطلبها، كانت (لونا) تقف أمامهم وقد تشابك شعرها الثائر وتمزق قميصها على أثر العراك الذي دار، بينما زميلتها لم تكن في حال افضل منها، إذ ان شعرها كان مشعثا منكوشا، ووجهها مليء بالكدمات وشفتيها نازفة متورمة، وملابسها ممزقة متسخة، كانت بالفعل بحالة يرثى لها، تأملت (لونا) الفتاة المنحوسة بفخر وكأنها لوحة فنية قامت بصنعها بكل مهارة وإتقان.
- (لونا) غونزاليس! كنا لتونا نتباحث بأمرك، كنا نخشى اتخاذ أي قرار بشأنك، خوفا من ظلمك، ولكن وبشهادة جميع زملائك الذين حضروا الحادثة الان، نجزم بأنك مذنبة، وانك فعلا لا تستحقين أن تكوني طالبة في هذه الجامعة المحترمة، تعديك بالضرب على زميلتك هو سبب كاف لفصلك من هذه الجامعة، وبالطبع لن نتجاهل تلك الصور الفاضحة التي انتشرت على صفحة الجامعة الرئيسية، ولكن سنكتفي بفصلك ومنعك من إتمام دراستك بهذه الجامعة أو اي جامعة اخرى.
اتسعت عينا (لونا) بصدمة، فقد رأت حلمها يتطاير كالبخار أمام عينيها، فقد كان قرار الإدارة مجحفا قاسيا بحقها، ولونا كانت تعلم جيدا، بأن هذا القرار سيكون نفسه حتى لو لم تضرب تلك الأفعى المجلجلة، كما كانت واثقة بأن أي كلمة منها أو دفاع عن نفسها لن يقدم أو يؤخر شيئا ابدا، فقد حكموا عليها وقد سبق السيف الاعزل، تماسكت (لونا) وتظاهرت بالقوة، لن تخرج منهارة مكسورة، ولن تتوسل أو تبكي أو حتى تطالب بحقها، فهي تعرف بأنها داخل معركة غير متكافئة ابدا، سألها المدير بدهشة حينما رأى لسانها معقودا عن الكلام:
- أن أردتي الاعتراض أو طلب التماس من الإدارة ...
قاطعته (لونا) ساخرة:
- وهل من فائدة؟! هل ستنظر في طلبي لو قدمته؟! ألم تتخذ قرارك هذا سابقاً؟!...لن أقدم اي اعتراض، واعلم جيدا كيف اخذ حقي بيدي.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم