الفصل الخامس
ماريانا*
كانت الشاشة العريضة الواسعة والتي تحتل صالة العرض الواسعة، حيث سيقام الاحتفال بمناسبة نجاح الاعلان الذي قامت به ماريانا لصالح الشركة التي تم التعاقد معها، كان جميع الحاضرين يصفقون ويهمهمون مشيدين بأداء ماريانا المتقن، ودورها المحكم، بينما ماريانا لم تكن تتابع العرض ابدا، بل رغما عنها سرحت بحبيبها الذي ساندها للوصول إلى هذا النجاح، فكرت أنه كان يجب أن يكون إلى جانبها في هذه اللحظات العظيمة، ولكنه تخلى عنها دون سبب أو عذر وهذا زاد في حزنها، تنهدت وهي ترفع كأس النبيذ الي شفتيها لتجده فارغا، نظرت إلى الزجاجة تريد ملأ كأسها ولكنها أيضا كانت فارغة، عبست فهي لم تنتبه لنفسها وهي تتجرع الكأس تلو الاخر، ولم تعرف كم كأس شربت ولكن حاجتها لشرب المزيد كانت ملحة جدا، فهي تريد أن تنسى حزنها والمها، وتغرق نفسها في الشرب، لاحظت أحد رجال الأعمال الجالسين إلى طاولتها قام بدفع كأسه نحوها، بعد أن رأى نظرات احباطها لانتهاء الشراب، تناولته منه شاكرة وشربته كله دفعة واحدة أمام نظراته المندهشة.
*دان*
عائدا من نادي الملاكمة الذي يتدرب به، كان حلمه أن يصبح بطل مشهور بالملاكمة على مستوى العالم، وهو يسعى لتحقيق حلمه من أجله ومن أجل أن يرى نظرات الفخر والسعادة في عيون مايكل حينما يلتقيه.
أمام بيته كانت تنتظره فتاة، كانت حزينة دامعة العينين، تعرف عليها دان على الفور، فهي الفتاة الوحيدة التي أحبها بصدق، دون أن يشعر بأنه مرغما على ذلك، الفتاة الوحيدة التي امتلكت قلبه، واضطر أن يتخلى عنها بسبب الحادثة التي تعرضت لها تالا بسببه، نظر إليها بأسى، لم تكن قد رأته بعد، لقد اعتقد انها نسيت امره، ولكن على ما يبدو أنها لم تفعل، سلك الطريق المنحنى المؤدي الي بيته، والذي تقف في وسطه محبوبته السابقة، التي رفعت انظارها الحزينة إليه حينما شعرت بقدومه، وازدادت بؤسا حينما تجاهلها ومر بجانبها وكأنها ليست موجودة:
- دان...الن تلقي علي التحية؟!
توقف ولم يلتفت اليها، فقط ظل صامتا يصغي الي صوتها الذي افتقده كثيرا، صوتها الذي كان يغص بالدموع المكبوتة والألم المكتوم داخلها، حينما لم يلتفت، سمع صوت شهقتها المكسورة:
- كيف حالك؟! ألن تسألني عن احوالي؟!
ايضا لا رد منه، أنه لا يرغب برؤيتها حقا، هذا ما فكرت به، بينما هو كان يحاول تمالك نفسه، كي لا يضعف أمامها ويتمسك بها، ويمنعها من الرحيل، كان يخشى النظر إليها كي لا يخلف بوعده لخطيبته تالا التي خاطرت بنفسها لأجله.
- هل تريد مني الرحيل؟! ألم تشتاق لي؟!...لقد اشتقت اليك كثيرا.
كان يامل ان تعود ادراجها دون أن يضطر لأن يواجهها، أو يتحدث معها، ولكنها بدت عازمة على الحديث إليه ومواجهته، لذا لم يكن له خيارا آخر:
- لم اشتاق اليك ابدا...(استدار إليها ساخرا)انا اعيش جيدا بدونك ولا افكر بك مطلقا!
سالت الدموع من عينيها، لم تعهده بهذه القسوة ابدا، همسات:
- انت كاذب! انت ما زلت تحبني...أخبرني بأنك تحبني ولن اتركك ابدا!
ضحك دان بقسوة واقترب منها كثيرا ومال إليها هامسا بسخرية قاسية:
- انا لم أعد احبك...هذا كان في الماضي...هل انتي سعيدة الان، هيا اذهبي من هنا ولا تعودي مجددا ابدا.
نفث كلماته السامة بقسوة في وجهها، وافسح لها الطريق كي تعود من حيث أتت، وانتظر بصبر نافذ أن تخطو خطواتها بعيدا عنه، ولكنها قالت بغضب:
- انت تكذب!...انت تفعل ذلك بسبب تلك المرأة، انت مدين لها بحياتك، لذا تخليت عني، تلك المتطفلة...
صرخ بها موقفا سيل حديثها الجارف:
- توقفي...أليس لديكي كرامة، انا أخبرتك بأنني لا احبك، اطردك مثل الكلبة من أمام منزلي...الا تملكين ذرة كرامة كي ترحلي وتأخذيها معكي.
ذرفت عينيها الدموع، أنه تخلى عنها بالفعل، قالت بيأس مستسلمة لقدرها المشؤوم:
- كنت أعلم بأن كلامي معك لن يغير شيئا...أتيت لادعوك إلى حفل زفافي، اردت ان اتأكد بنفسي انك بالفعل هجرتني وليس لدي اي فرصة معك.
شعر بطعنة سكين حادة تغرز عميقا في صدره، انا يئست منه وسوف تتزوج، سوف تكون ملكا لرجل اخر غيره، حسنا لربما هذا الافضل لكليهما فهو لا يستطيع التخلي عن تالا ابدا، هز برأسه:
- جيد...تهاني الحارة لك ولزوجك...الي اللقاء.
وقبل أن يبتعد ألقت بكلماتها الاخيرة على مسامعه، واللعنة كانت محقة بكل كلمة قالتها:
- الحب ليس أمرا تفعله بدافع الواجب، الحب يجب أن يكون عفويا لا اراديا، شيء ينبع من وجدانك ويفرض نفسه عليك، لا يمكنك أن تحب شخصا وتربط حياتك به فقط لشعورك بالامتنان نحوه...كنت انوي إلغاء زواجي لو أعطيتني املا ولكن...أرجوك لا تعش هكذا...ليس لأجلي بل لاجلك...حتى مع فتاة أخرى...عليك أن تحبها بصدق...وداعا دان.
استدارت مبتعدة عنه ببطىء مخذولة مكسورة الخاطر، بينما هو يحاول تمالك نفسه، التفت اليها يلقي عليها النظرة الاخيرة، وهو يغالب يأسه واحباطه وحاجته اليها، وبين أقدامه تسارعت حبات الليمون متجاوزة اياه، نظر دان الى الاعلى من حيث انحدرت، وشعر بوجع عميق في قلبه، فقد كانت تالا، التي سمعت محادثتهم بأكملها وعلى أثرها قرفصت على قدميها مصدومة حزينة، وقد تركت حبات الليمون تسقط من يدها دون وعي منها، شتم دان بسره، وهو يتوجه نحوها ببطىء، أشرف عليها بقامته البهية، وقال بمزاح متداركا الموقف:
- ماذا تفعلين؟! هل تقضين حاجتك في منتصف الطريق؟!
كانت كلماتها الحقيقية ما زالت تضج برأسها، ولم تتمكن من مجاراة دان في مزاحه المعتاد، همست وهي محتارة ضائعة:
- أرغب بتناول كعكة الارز...اذهب واشتريها لأجلي.
عبس دان متضايقا، فهو يعلم بأنها تطلب ذلك كي لا تواجهه في هذه اللحظة، كان يريد البقاء إلى جانبها والتخفيف من حزنها:
- قفي قبل أن يراك الجميع...سوف يسيئون الفهم أن بقيتي على هذا الحال.
هزت رأسها ببطىء ولم تبدو واعية فعلا لكلماته، وكأنها لا تسمع ما يقوله:
- احضر لي كعكة الارز الآن.
استسلم دان وتركها مكرها، ليجلب لها ما طلبته، دان لا يحب رؤيتها مكسورة جريحة ابدا، فقد حرص على ذلك كثيرا، ولكن شاء القدر أن تكون متواجدة في هذه اللحظة بالذات.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم