القائمة الرئيسية

الصفحات

 



الفصل السادس والعشرون

اكتشاف الحقيقة

نظر اليها جواد بغرابة، فقد مضى وقت طويل دون أن يراها، فقد حرصت والدته على تفريقهما حالما لاحظت مدى تعلق جواد بها، ففي الماضي لم يكونا يفترقان أبداً، ولكن منذ سافر قاسم الى الخارج انقطعا عن اللقاء.


افسح لها المجال للدخول بعد لحظات قصيره من التحديق بها، جلست ماسة بتوتر، وقد ندمت على الفور لقدومها، فشعورها بالغربة ازداد اكثر، فلطالما أتت الى هذا البيت مع والدتها، وقضت به أجمل لحظات طفولتها، نظرات جواد المصدومة لها، نبهتها الى عمق الفجوة التي خلفها فراقهما، وتذكرت كلمه خالتها لها في ذلك اليوم، ( لن ازوجك أبداً الى ولدي)، أجل فقد تسرعت ماسة بالقدوم الى هنا، فهي لم تحسبها جيدا، ولكنها لم تكن تعلم الى أين تذهب، وتذكرت بيت لطيف أجل كان عليها الذهاب الى بيته، بدلا من قدومها المتسرع الى هنا، نظرت الى الصالة الفارغة إلا من وجودها وأخذت القرار بالرحيل قبل حضور خالتها، وحالما تحركت قدماها لتنفذ أوامر عقلها وجدت خالتها فجأة ماثلة أمامها، شعرت ماسة بالحرج من نظراتها المحدقة، ولم تعرف ماذا تقول أو كيف تتصرف، جلست خالتها أمامها وأشارت لها بالجلوس دون كلام أو سلام، وعادت ماسة لتغرق في مقعدها، حائرة متوترة، وتساءلت كم مضى من وقت على عدم رؤيتها خالتها، أسبوع أم أسبوعان؟ ربما يا الهي! كم مرت من أحداث كثيره خلال هذان الاسبوعان، فمنذ عودة قاسم لم تتقابلا، فقد تركتها برعاية قاسم وغادرت المنزل بهدوء، دون حتى ترك رساله او تحاول العودة للاطمئنان عليها، بالنظر العميق الى خالتها، لاحظت ماسة التغيرات الطفيفة التي طرأت عليها، فقد بدت هزيلة، متعبه، عدا عن الهالات السوداء تحت عينيها والتي أوضحت بأن خالتها تعاني من الأرق بهذه الفترة، كما أنها كانت حزينة بائسه بشكل ملفت للنظر، تساءلت ماسة، ترى ماذا حدث ولماذا هذا الوجوم الكئيب الذي يخيم على المكان .أخرجت ماسة كتيب ملاحظاتها وكتبت بسرعه:


كيف حالك؟ آسفه لحضوري دون موعد.


قرأت خالتها بلا مبالاة، ومن ثم سألتها ببرود:


لمن أدين بشرف هذه الزيارة؟


كتبت ماسة بيد مرتجفة:


أتيت لأسال عنك واطمئن على احوالك.


حالما قرأت خالتها الرسالة ضحكت بمراره ساخرة:


وهل اخذتي إذن قاسم قبل قدومك الى هنا؟!


عبست ماسة متسائلة، ما شأن قاسم بها؟ لما يأذن أو يرفض قدومها؟ كتبت بسرعه مستنكرة:


لما أفعل؟ فلا شأن له بما افعله، أنا هنا لأني اشتقت لك.


تنهدت هناء باستياء وقالت معترضة:


أرجوك، لا داعي لأن تتملقيني كلتانا نعرف جيدا بأننا لا نطيق بعضنا البعض، وإن كنت استقبلك داخل بيتي الآن؛ فهذا إكراماً لشقيقتي المتوفية ولأنني أعلم كم كانت تحبك.


اتسعت عينا ماسة بصدمة، هل قرأت شفتيها جيدا، أم أن الأمر اختلط عليها، هل قالت فعلا (شقيقتي المتوفية)، سارعت ماسة بالإشارة الي خالتها لأن تعيد ما قالت ولكن خالتها تذمرت قائلة:


أخبرتك آلاف المرات أني لا ولم ولن أفهم لغة المعاقين، فبالكاد أفهم الاصحاء، فكيف سأفهم العاجزين!


ماسة لم يكن لديها وقت لتتألم أو تتأثر، بكلام خالتها القاسي، سارعت لصياغة سؤالها كتابة بسرعه وطالبت خالتها بالقراءة:


-( إكراماً لشقيقتك المتوفية) ماذا تعني بهذا؟


وهنا أدركت هناء، بأن قاسم لم يخبر ماسة بعد بالحادث المشؤوم، قاسم سوف يثور عليها ويكرهها أكثر مما كرهها سابقا، كلما أرادت أن تتجنب اغضابه تجد نفسها مذنبة ومخطئة، في حقه، وهنا تذكرت بأن قاسم قد طلب منها الرحيل من منزله كي لا تعرف ماسة بما حدث لوالديه ولكنها اعتقدت بأنه سيخبرها بشأن الحادث بطريقته، وتذكرت أن ما كان يمنعه من اخبارها، هو اختباراتها النهائية، سألتها خالتها بعبوس:


هل انهيتي اختباراتك؟


ماسة فقدت صبرها ولم تعد تحتمل يستحيل أن يكون ما قرأته فوق شفتيها من كلمات صحيحاً، رغماً عنها سالت دموعها وطالبت خالتها متوسله وهي تمسك بيديها راكعة عند قدميها، راجيه منها مصارحتها .وهنا أدركت هناء فداحة غلطتها وتسرعها، فهي لا تهتم لأمر ماسة أبداً، فكل ما يهمها هو قاسم وغضبه منها إذا اكتشف فعلتها، فهو وحيد شقيقتها الوحيدة وآخر ذكرى تبقت لها منها، قاسم هددها وحذرها مرارا أن لا تؤذي ماسة، سواء بالكلمات أو النظرات، وقفت بسرعة وصرفت ماسة بقسوة:


أنا لا أعلم شيئا، كل ما تريدين معرفته، سيجيبك قاسم عنه بنفسه، لا تورطيني بمشاكلك فلدي ما يكفي من الهموم.


وتركتها واختفت داخل غرفتها وبالحال ماسة خرجت مسرعة، سوف تذهب الى قاسم وتسأله، من المستحيل أن تفارق والدتها الحياة وهي لا تعلم بهذا، كيف ومتى حدث هذا؟! كانت تذرف الدموع وتسير بسرعة كالضائعة، وأفكارها تعذبها فجأة توقفت أمامها سيارة، حاولت ماسة تجنبها كي لا تصطدم بها، ولكن فجأة، هبط منها ثلاثة أشخاص ملثمين، قاموا بالانقضاض عليها ووضع أحدهم قطعه قماش مبلله برائحة غريبة مخدرة، وبعدها غابت عن الوعي ولم تعد تشعر بشيء.


ألم تعد بعد؟!


ليس بعد!


هتف قاسم غاضباً:


اللعنة، أين إختفت؟ هل أنت واثقة أنها لم تكن في غرفتها صباحاً؟!


قالت ميرنا بيأس:


أجل، واثقة، ذهبت إليها لأطلب منها السماح ولكنها لم تكن بالداخل، لقد خرجت مبكرا جدا قبل اختباراتها بساعات، فهي كانت تفعل ذلك أحيانا، حينما تكون المادة معقدة، فهي تجتمع مع زميلاتها ويتشاركن الأفكار والحلول، لذا لم أهتم لإخبارك.


دار قاسم حول مكتبه قلقا، يفترض باختبارها أن يكون انتهى منذ ساعتان، لماذا ليست هنا بعد؟!


قالت ميرنا بأمل:


أيعقل أن تكون ذهبت الى نادي الخيول؟ ربما لم ترغب برؤيتنا فهي مازالت غاضبة...


قاطعها قاسم وهو يضرب الأرقام بسرعة متصلاً، واتاه صوت العامل على الخط الآخر:


أريد أن أسأل عن ماسة.. .هل اتت اليوم الى النادي؟


استغرق العامل بعض الوقت ليجيبه بالنفي:


كلا سيدي، فهي لم تأتي الى هنا منذ فترة.


ضرب قاسم طاولة مكتبه بحنق:


أين من الممكن أن تكون؟( سأل ميرنا) ألا يوجد لديكما صديقة مشتركة، من الممكن أن تكون ذهبت إليها؟! 


هزت رأسها نافيه بحرج، فقد شعرت بأن لا فائدة منها، كما أنها السبب الوحيد لاختفائها، كاد قاسم أن يفقد صوابه سوف يجن جنونه إن لم يجدها، صدح صوت الهاتف، فالتقطه قاسم بسرعه بينما نظرت ميرنا بأمل ولكنه سمع صوت خالته الذي أتاه متردداحذراً. 


كيف حالك يا قاسم؟


في داخله، قاسم لم يرحب بها أبداً ولم يرحب باتصالها به، فهو منذ عرف الحقيقة من والدته، وأنها هي من ملأت رأسها، بأفكار سيئة عنه وعن ماسة، وهو يحقد عليها ويكرهها، تذكر ذلك اليوم حينما عاد من السفر ووجدها منهارة، بعد سماعها بموت شقيقتها، كانت تصرخ بهستيريا، وقف قاسم أمامها وحاول ايقافها وتهدئتها بصبر، وحينما لم تستمع اليه واستمرت في اللطم والندب، صرخ بها غاضباً وهو يهزها بقوة:


هذا يكفي! ما تفعلينه، لن يعيدهما الى قيد الحياه فتوقفي عن النواح.


حينها، غضبت عليه كثيراً، كيف يمنعها من إظهار حزنها على شقيقتها الوحيدة، وما آثار جنونها، طلبه منها بكل هدوء، دون حتى أن يذرف دمعة واحدة أو يبدي أي حزن على رحيل والديه المفاجئ:


إذا كنت تريدين إغراق نفسك بالحزن والنواح فيفضل أن تفعلي ذلك في منزلك، لا اريد لماسة أن تعرف بما حدث.


هل تطردني من بيت شقيقتي؟! ألأجل تلك البكماء سوف تمنع حزني وتخنق دموعي؟!


تنهد قاسم بنفاذ صبر:


خالتي! إنه طلب والدتي، لا تريد ان تتأثر دراسة ماسة بالحادث فالاختبارات على الأبواب.


ضحكت هناء بمرارة وهيستيريا.


طلب والدتك؟ هل أفهم من ذلك بأنك لن تقيم جنازة لشقيقتي، فقط لأجل تلك الغريبة العاجزة.


صرخ قاسم بها بقسوة، مريره:
اسمها ماسة! كفي عن نعتها بألفاظ قاسيه، واستمعي إليّ جيداً جدا، ماسة الآن في رعايتي لن اسمح لأي بشر بأذيتها، لا بالكلمات أو النظرات حتى، وان فعلت ذلك فعليك أن تنسى أن لك ابن أخت اسمه قاسم، هل هذا واضح؟


كانت هذه آخر الكلمات بينهما وجها لوجه، فقد رحلت كسيرة الخاطر حزينة وحاقده، على ماسة التي احبتها شقيقتها اكثر منها، وورثت حبها لقاسم.


تململت ميرنا في مكانها لتجذب انتباهه وتعرف إذا كان الامر يتعلق بماسة او شيء اخر.


أجاب قاسم خالته بنفاذ صبر:


أنا بخير خالتي، دعينا نتحدث في وقت اخر.


وقبل أن يغلق الهاتف صاحت خالته برجاء:


لا تغلق، أنا اتصل بشأن ماسة.


وبالحال أعاد السماعة الى أذنيه وطالبها بلهفه:


ماذا بشأن ماسة؟ هل هي معك؟ هل أتت اليك؟!


علت انفاس خالته المتوترة في الهاتف، مما زاد توتر قاسم وهيجانه، ومن ثم سألها بإدراك قاسٍ مرير، وقد شعر وكأن روحه سوف تفارق جسده.


هل أخبرتها؟ هل عرفت؟!


وكتم أنفاسه بانتظار اجابتها، التي أتت عبارة عن انفجار بدموع الأسف والندم.


آسفه، كان هذا رغما عني اعتقدت بأن لديها علم، ولهذا أتت الي..
صرخ قاسم بقسوة:


أين هي الآن؟!


لا أدري، أرادت معرفة ما حدث بالتفصيل، وأنا طلبت منها أن تذهب اليك وتعرف كل شيء منك.


اللعنة، كم مضى من وقت على رحيلها من عندك؟!


همست بصوت متقطع:


ربما ساعة..


ألقى قاسم الهاتف من يده ورحل مسرعاً وهو يشتم غاضباً، وترك ميرنا خلفه تراقبه بنظرات مشفقة.


يتبع...

تعليقات

التنقل السريع