الفصل الخامس والعشرون
لاذت بالفرار
ميرنا اغلقت الباب على نفسها خائفة مرعوبة لم تتصور بأن تكون رده فعل ماسة بهذه الحده شعرت بالذنب الكبير لأنها قالت ما قالته لها، كانت تفكر بإدراك متأخر بان ماسة بالتأكيد مظلومة لربما قاسم هو المذنب الوحيد في هذه الحكاية فماسة كانت تصرفاتها حياله طبيعية لم تشعر ميرنا برابط يجمعهم غير رابط الإخوة ولكن نظرات قاسم المريبة الغامضة لها هي ما جعلتها تسيء الفهم وتتزاحم تلك الأفكار السيئة بعقلها ربما كان عليها الاحتفاظ بأفكارها لنفسها فلو كانت تعلم بانها ستسبب بكل هذا الحزن لصديقتها لما فعلت ذلك أبداً ولكن قد سبق السيف العدل طرقات صاخبه مزعجه فوق باب غرفتها جعلتها تقفز في مكانها ونظرت الى الباب بخوف انه قاسم بالتأكيد ماذا ستفعل؟ وكيف ستجيبه، كيف ستنجو من هذا الموقف الصعب؟ التصقت بسريرها مرعوبة منكمشة وأخذت تراقب اهتزاز الباب من قبضات قاسم الغاضبة، اخترق صوته الجدار، شاتما غاضبا:
ميرنا! افتحي هذا الباب اللعين والا حطمته.
صاحت ميرنا بصوت مرتجف:
عدني اولا بأن تهدأ، حينها فقط سأفتح الباب.
حاول قاسم كظم غيظه بصعوبة وصاح من خلف الباب:
أنا هادئ جدا أنا في اقصى حالات هدوئي الحقي بي الى الأسفل في الحال.
وحالما سمعت ابتعاد خطواته الغاضبة نهضت من السرير بسرعه غسلت وجهها وأخذت نفسا عميقا ونزلت لتخوض معركة اخرى لا تعلم كيف ستنتهي.
تكلمي!
ترددت ميرنا ولم تعرف كيف تبدأ حديثها فبدأت بالدفاع عن نفسها بخوف:
أنا لم اقصد ما حدث صدقني، لم اتصور ان يكون..
قاطعها قاسم بغضب ضارباً الطاولة بقبضته المحكمه:
يا للجحيم! لا تختبري صبري، اخبريني، ماذا قلتي لها؟!
القت ميرنا بنفسها فوق الأريكة الوثيرة بالصالة وبدأت تسرد عليه الاتهامات الفظيعة، التي قالتها لماسه ودموعها تنهمر ندما واسفا بدون توقف ومع كل كلمه كانت تنطق بها كانت تعابير قاسم تزداد حده وغضبا وألما، يا الهي ما الأفكار التي تراودها الآن بعد سماعها لكل هذه الإتهامات؟ ماسته الغالية، ما الذي تعانيه الآن في هذه اللحظات وحيده في غرفتها بعيده عن والدتها، لا أحد بجانبها يسمع شكوتها أو يمسح دمعتها، كان قلبه يعتصر ألما وحزنا لأجلها.
ختمت ميرنا كلامها بندم صادق:
أنا اسفه حقا، كنت أنانيه ولم أفكر سوى بنفسي، لم أكن أعلم مدى صعوبة وقع كلماتي عليها، أردت أن أعتذر منها، ولكن لم استطع، كنت خائفة منها وعليها ولم استطع فعل شيء سوى مراقبتها.
تحول غضب قاسم الى ميرنا، تلك الغبيه أفسدت ما جاهد لأجله طوال فترة وجوده هنا، كيف لها أن تكون صديقتها الحميمة، وهي تفكر فيها بكل هذا السوء، كيف طعنتها في صميم قلبها، وهي من كانت ملاذها وسبب أمنها وسلامها صاح قاسم بميرنا غاضبا:
هي لم تكذب عليك أبداً، أنا مرتبط فعلا بفتاه أخرى، ولا تعلمين كم أنا نادما لارتباطي بغيرها.
اتسعت عيون ميرنا بصدمه، هذا اعتراف صريح بحبه لشقيقته، ذلك الوغد مغرم بها حقا، ماسة المسكينة، دعتها الى منزلها كي تحمي نفسها منه، ومع إدراكها تلك الحقيقة المرة بدأت ثورة غضبها تعود لذروتها:
أنا ظلمت صديقتي وأسأت اليها بسببك، المسكينة، من كان يعلم كم عانت من وجودك قربها، أخبرني! ماذا فعلت بها؟ انها شقيقتك أيها الوغد، كيف تقع بغرامها؟! هل تحرشت بها، أو ربما أسوأ، هل استغليت عجزها أيها الشقي اللعين.
وهاجمته تضربه بيديها وهي تقذفه بأفظع المسبات والشتائم صرخ قاسما بها يوقفها عند حدها:
انها ليست شقيقتي! أنا وماسة، لا رابط بالدم يجمعنا.
توقفت ميرنا عن لكمه بقبضاتها الصغيرة، بعد ان تغلغلت كلماته الى داخلها، لم تفهم ماذا يقول، وادرك قاسم صدمتها انهار فوق الأريكة يمسك برأسه محاولا وقف سيل افكاره المزعجة، وبدأ يخبر ميرنا كيف دخلت ماسة الى حياته قبل 12 عاما، وكانت ميرنا تستمع بذهول، وتدريجيا فهمت حقيقه الموقف، علمت لماذا تألمت ماسة من اتهاماتها، وفهمت الكلمات التي أخفاها قاسم بين سطوره الحزينة، أدركت كم تعذب الاثنين بسبب اقرب الناس اليهم، ومجتمعهم الظالم، تعاطفت معهم كثيرا، فلو بقيت ماسة في كنف عائلتها الحقيقية، وتقابلت مع قاسم صدفه، لما كان حبهما مستحيلا، ولكن مجتمعهم الظالم فرض عليهم أقسى العقوبات، ومما زاد الطين بله، أن عائلته كانت مشتركة في هذا الأمر، تنهدت ميرنا بأسى، وقالت لقاسم في محاولة منها لمواساته والتخفيف عنه:
أنتما لم تخطئا أبداً، الذنب ليس ذنبكما.
ومن ثم تابعت بحماسه، كأنها وجدت الحل القاطع، لمعاناتهما:
اهربا معا، لا يوجد حل اخر، من الظلم أن تتعذبا هكذا غدا ستنهي اختباراتها، ولن يكون هناك داعيا لوجودها هنا، خذها يا قاسم وارحل الى بلد اخر.
ابتسم قاسم بسخريه فهذا ما انتوى فعله بالتأكيد، ولكن فترة اختباراتها، هي السبب في تأجيل مخططاته، لم يرد تشتيتها، وتدمير ما سعت جاهده طول حياتها لتحقيقه، لم يرد أن يكون السبب في فشلها، أراد أن يفعل ذلك بهدوء دون اثاره بلبله أو أي شكوك، دون أن يحزن ماسة أو يبكيها، ويؤثر على مستقبلها، نهض من مكانه واتجه بخطوات بطيئة ومتكاسلة الى السلالم، نادت ميرنا مشفقة:
قاسم! أنا حقا أعتذر لما سببته لكما من ألم غدا سأحادث ماسة، واعتذر منها اعدك بذلك.
لم يجب أو يلتفت واستمر كأنه لم يسمع، وكأنها لم تنطق .وقبل أن يصل غرفته، نظر الى غرفة ماسة، واقترب منها ارهف السمع قليلا، علها تكون مستيقظة، او اراد ان يتأكد بأنها توقفت عن البكاء، ولكن لم يكن هناك اي صوت أبداً، وشعر بانقباض في قلبه، وتساءل، ترى هل نامت أو تبكي بصمت؟ كيف وضعها وماذا تفعل بهذه اللحظات؟ وبتردد ضغط على الأزرار، واضاءت غرفتها، كرر ذلك عده مرات، وحينما لم يصدر أي صوت من غرفتها استسلم وعاد الى غرفته، ألقى بنفسه فوق سريره متعبا محبط متألما، وأخرج مفتاح غرفتها الذي سرقه سابقا من علاقه مفاتيحها، واخذ يعبث به ويقلبه في كفه والأفكار تراوده، هل يتسلل الى غرفتها وينظر اليها خلسه ليرى ما تفعله؟ لن يزعجها وان وجدها نائمة لن يوقظها، سيكتفي فقط بمراقبتها قليلا لبعض الوقت ومن ثم يتركها بسلام، وحينما هم بفعل ما يفكر به انبه ضميره زاجرا اياه، ماذا لو كانت في وضعا غير لائق ولا ترغب أن يراها احد، ماذا لو صرخت به غاضبه وطردته من غرفتها التي اقتحمها دون اذنها، واتهمته بأسوء الاتهامات لسرقته مفتاح غرفتها؟! ماذا لو كرهته وقررت ان لا تسامحه أبداً، والقته بعيدا عن حياتها، لا انها ليست خطوه جيده، فهو لا يريد فرض نفسه عليها أبداً.
كم تمنى لو أتته بهمومها، كما كانت تفعل بطفولتها، تشكوه وترمي عليه حملها، تطلب مساعدته أو تقوم بإغاظته أو تستفزه ليصرخ عليها ويلاحقها، ولكن هذا كان منذ وقت طويل، ماسة القديمة تلك لم يعد لها وجود لها الا في خياله، فسنوات البعد الطويلة غيرتها وبدلتها، وأصبح لا يعرفها، ولكنه لم يفقد الأمل سوف يستمر بالتنقيب عن ماسته الدفينة حتى يجدها.
كان الاختبار سلسا رائعا وسهلا فماسة لم تجد صعوبة كبيرة في حل الأسئلة، وبعد خروجها من القاعة، لم تعرف الى أين تذهب، فقد شعرت بوحدة موحشة، شعرت بأنها غريبة، لا تنتمي لأي مكان، وقادتها قدميها الى بيت خالتها، تعلم جيداً بأنها لا تحبها ودائما تحاول جرحها او التقليل من قيمتها، ولكنها من رائحة والدتها الغالية، التي تشتاق اليها وتتوق لترتمي بأحضانها، تعلم بأنها لن ترحب بها ولكن هذا لا يهم.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم