القائمة الرئيسية

الصفحات

 




الفصل التاسع 

 صرخ دان بهستيريه:

- مايكل...أخي.

*ماريانا*

استقلت سيارة أجرة مخفية نفسها تحت القبعة الصغيرة، مع ملابسها البسيطة التي لا توحي ابدا، بأنها الممثلة المعروفة، فالصحافة لو اشتمت رائحتها، لما تركتها في حال سبيلها ابدا، نظرت إلى اللوحة الإعلانية التي تعرض مقتطفات من إعلانها الأخير لشركة الاستيراد والتصدير، ولكنها فوجئت حينما رأت داخل لوحة العرض اعلان خطوبتها على رجل الأعمال المعروف، اتسعت عيناها بدهشة ورمشت غير مصدقة ما رأته عيناها، هتف السائق يشتت انتباهها بذهوله:

- يا الهي...هناك رجل سقط من أعلى البناية.

وأشار نحو بناية قديمة بالاتجاه المقابل من البناية التي يتم عليها عرض الاعلانات، نظرت ماريانا الي البناية بحزن، ذلك الذي سقط من ذاك الارتفاع الشاهق، من المستحيل أن ينجو😓تنهدت بأسى وهي تلقي بنفسها على المقعد، وسرحت فيما يجب أن تفعله بشأن ذلك المغرور الذي جعل الأمر أسوء مما كان عليه.

*دان*

كان قلقا جدا على حال شقيقه، لم يتوقع ابدا أن يرمي نفسه بتلك الطريقة، لقد اعتقد بأنه سيقف عند نهاية الحافة، ولم يخطر بباله ابدا أنه قد يقفز من فوقها، فكر ...لا ذلك الوغد لم يحاول القفز حتى، بل سار وكأنها طريق مرصوف وسقط كشوال من القمح على الأرض اليابسة، حتى الآن لا يستوعب حقيقة ما حدث، كيف لشخص بدى مرحا سعيدا مشرقا، كيف له أن يتحول بلحظات إلى جثة هامدة لا حياة فيها، ما السبب الذي دعاه لتحطيم حياته، اي سبب قد يستحق الموت لأجله.

خرج الطبيب من غرفة العمليات، بعد أن استغرقت جراحته ساعات لبعد منتصف الليل، وما زال دان على حاله، يحاول أن يتقبل ما حدث ولكن دون أن ينجح، اقترب من الطبيب بخطوات بطيئة، وجهه كان شاحبا وكأن الحياة غادرته، همس متسائلا:

- لماذا قفز فجأة من على السطح...من يظن نفسه، سوبرمان...باتمان ( وبصرخة مدوية وقلب جريح زمجر) ماذا يعتقد نفسه ليقفز هكذا هذا الندل المجنون؟!

وانفجرت الدموع التي احتبسها طويلا، تفيض لتغرق وجهه وقد فقد السيطرة على نفسه، وغرق بنوبة بكاء حادة، يبكي شقيقه الذي فقده مباشرة بعد فراق دام لسنين طويلة.

بعد أن هدأت عاصفة الغضب الذي اجتاحته، استمع لكلمات الطبيب، الذي أخبره بأن شقيقه، قد أصيب بشلل كلي، فقد تضرر دماغه كثيرا، ولم يعد قادرا على الحركة أو الكلام أو التعبير، بكل بساطة أصبح تماما كنبتة صغيرة في مزهرية، يجب الاعتناء بها وتعريضها للشمس كي تبقى على قيد الحياة.

ذهب دان الى شقيقة الممد على سرير المشفى دون حراك فقط عيون ساهمة فارغة لا تحمل اي حياة، جلس الى المقعد بجانبه وهو ممسكا بيده صورة للممثلة الشهيرة ماريانا برفقة شقيقه الكبير في عناق حميمي، رفع الصورة مباشرة امام وجه اخيه الجامد الملامح كمومياء بلا حياة قائلا:

- هل هذا بسبب هذه الكلبة؟...هل هذا لأنها تركتك وخطبت لشخص اخر...هل لهذا قفزت؟...تتمدد هنا هكذا بسبب هذه الكلبة؟

القى بالصورة على الأرض بغضب ....كان الخبر صادما ..ربما لو أخبره الطبيب بنبأ موته لكان افضل من رؤية شقيقه بهذا الحال، خاصة أنها حالة لا شفاء منها ابدا، وسيمضى ما تبقى من حياته، مستلقيا على ظهره فوق سرير طبي ابيض تفوح منه رائحة الأدوية والمعقمات.

ووقف قائلا بغصة كاتما البراكين الثائرة التي تكاد تنفجر داخله:

- انت ليس اخي الكبير بعد الان...انا ليس لي أشقاء.

القى بكلماته الحزينة اليائسة، وراح يجر قدماه جرا، خارج المشفى، وهو يتمنى لو بإمكانه عدم العودة للمشفى مجددا.

* ماريانا*

بعد أن انتهت من زيارتها المعتادة لبيت عزيزها مايكل، توجهت بعزم الى بيت ذلك المغرور الطويل، لم تتوقع ابدا ان يختار ذلك الطريق الاحمق، سوف تذهب له وتتفق معه على تكذيب ذلك الخبر الذي سرى بين الناس كالنار في الهشيم، فهي مستحيل أن تربط حياتها برجل آخر غير مايكل.

وصلت بيته وطرقت الباب الحديدي الضخم مرارا وتكرارا، دون أن بجيبها احدا، أخذت تصيح بأعلى صوتها:

- جون!...ذلك الأحمق...هاي انت يا عمود الإنارة...ألن تخرج من عندك.

لم تعرف كيف تصل اليه، لذا لم تجد أمامها سوى الحجارة الصغيرة الملقاة المنتشرة على الارض، انحنت وأخذت مجموعة من الحجارة في كفها، وأخذت ترمي واحدة تلو الاخرى، نحو نوافذ منزله، فهي لا تعرف خلف اي واحدة من هذه النوافذ يختفي.

ولكنها لن ترحل من هنا قبل أن تلتقي بذلك الأخرى.


* جون*

كان يجلس إلى مائدة الطعام برفقة والديه وشقيقه الكبير، كانت أجواء الغذاء متوترة قاسية، فمنذ تلك الفضيحة، التي تورط بها، ووالده يتنكر له ويتجاهله ولا يخاطبه ابدا، وجون قد ضاق ذرعا بذلك، فهو يريد حلا لإنهاء هذا الفضيحة، بحيث يخرج الجميع سالما دون ضرر، ولم يكن أمامه سوى هذا الخيار، فقد نصحه إحدى المحاميين بقلب الفضيحة لصالح الجميع، جون تردد كثيرا في البداية، ولكن ماريانا وأسلوبها الفج البارد ساعدوه في اتخاذ قراره بسرعة، وبالفعل وافق على فكرة المحامي.

- اذا اردتي سؤالي عن شيئ فافعلي يا امي؟

نظرت والدته الى ابيه بيأس فلا احد يستطيع تجاوزه وان اراد احد مخاطبته بشأن الفضيحة التي تسبب بها فعلى والده ان يبدأ ذلك, توجه الى والده الغاضب بالكلام:

- يبدو ان الجميع بانتظار ما ستقوله يا ابي ...عليك قول شيئا ما....ابي؟

قال والده بحنق وعيناه لم تفارق الصحيفة الاخبارية:

- بماذا كنت تفكر وانت تفعل ذلك؟

اجاب جون بذكاء متنهدا:

- كنت افكر كيف اخرج من هذه الحياة (رفع والده نظراته اليه مصغيا ..فتابع جون بثقة) بعد ثماني وعشرون سنة من مراقبتك لي  فهمت ان لكي تصل الى القمة يجب ان تضحي بكل شيئ يعترض طريقك انت شخص عاش بهذه القاعدة ...ضحيت بنفسك من اجل الشركة وضحيت بعائلتك لكي تصل الى القمة ...حتى اخي تزوج من ابنة شريكك ...كان ذلك تكتيكا قويا للارتقاء بالشركة.

اعترض شقيقه معترضا على كلامه بحقه وبحق زوجته ولكن والده اسكته امرا جون بمتابعة حديثه، فتابع جون زافرا انفاسه بتوتر:

- ماريانا لم تتخرج من الجامعة ووالدها كان صياد سمك فقير...وهي قد صنعت مالها من مجال التمثيل، لكني سمعت بانها ما زالت تفتقر الى المال.

قال والده مزمجرا فقد نفذ صبره في انتظار المغزى من كلام ابنه المفضل:

- اذا ماذا؟

تابع جون بتردد طفيف:

- اذا تسببت انا وماريانا في اشاعة خبيثة سوف تعيق طريق مستقبلك بالرغم من الجامعة والعائلة وظروف اخرى ... اصبحنا شخصان عاشقان بصدق كسرو معايير العالم ...اعتقد باننا سنغير مجرى الاحداث لتصبح صفقة قوية لارتفاعك الى القمة ...ما رايك يهذا الحل ؟

والدته كتمت صدمتها بينما اخوه نهره بنظراته الغاضبة بينما جون ما زال مثبتا نظراته على والده متاملا ان تعجبه فكرته ويصفح عنه، امره والده بالمتابعة وقد بدا واضحا ان كلام جون بدا يلقى صدى لديه:

- تابع ما تقول

تابع جون مع ازدياد امله بثقة اكبر:

- ولاني  من تسبب بهذه الفضيحة التي قد تؤثر على سمعتنا المهنية ...اذن انها مسؤوليتي لاخراجك من هذه المشكلة.

نظرات والده كانت حادة رافضة مزعزعة للثقة التي بدأت تتراجع في عروق جون، واتى سؤاله المنتظر؟

- اذن انت قررت ان تضحي بنفسك من اجلى انا؟

قال كيم بضيق معبرا عن يأسه من تنكر والده له في الايام السابقة:

- بالنسبة لي هذا افضل كثيرا من ان تبقيني بعيدا عنك.

وفجأه شقت ضحكة صغيرة وجه والده العابس الحاد ونظر الى زوجته سعيدا بما سمعه من ابنه الاصغر قائلا بفخر:

- يا له من ابن قمتي بتربيته يا عزيزتي....لم الاحظ ابدا متى كبر الي هذه الدرجة...فقد كنت مشغول جدا بالشركة...لكنك قمتى بتربيته جيدا انه يشبهني تماما...عمل جيد عزيزتي

وراح يضحك بشده وهو يتناول طعام افطاره وقد بدا الانزعاج على والدته وشقيقه الاكبر اللذان كانا يعلمان جيدا بان هذه تضحية كبيرة منه...زواجه من فتاة بسيطة جاهلة وليست من مستواه ابدا ليست العروس التي تمنتها له والدته ابدا...ولكن كل ما يهم والده هو الامبراطورية التي بناها من صغره ولا يريد خسارتها ابدا ...احنى جون راسه شاعرا بالضيق لاعجاب والده بعرضه الغريب وفي نفس الوقت كان يشعر براحة كبيرة انه استطاع كسب رضا والده وثقته مجددا.

أتت الخادمة مسرعة:

- سيدي...هناك شخص بالخارج يستدعيك؟! قالت انها ماريانا!

هز جون برأسه موافقا، وترك الجميع سفرة الطعام وذهبوا لمتابعة حياتهم الطبيعية، بينما استعد جون لمواجهة ماريانا، فهي ليست فتاة يستهان بها.

كانت تهز قضبان باب البيت بشده تحاول اقتحامه او تحطيمه فهي تريد ان تنفجر به وتقتله على تجرؤه ووقاحته امسكت ببعض الحجارة الصغيرة واخذت تلقيها نحو سور بيته المرتفع فاتاها صوته عبر مكبر صوت خارج الباب:

- هل ستضربيني بهذه الحجارة؟!

أخذت ماريانا تبحث عن مصدر الصوت، الذي عرف عن نفسه قائلا ببساطة:

- هذا انا جون عمود الانارة 

شعرت ماريانا بانه يستهين بها وبغضبها اقتربت من مكبر الصوت صارخة:

- انت ( شتمت حينما وجدت نفسها تتعارك مع مكبر صوت فقالت بحنق) اخرج 

عاد ليجيبها بنفس الغرور الذي عهدته به:

- لكني لا اعيش هنا...هذا منزل والدي 

انتظرت ماريانا قليلا وهي تتأمل بجدران البيت العالية ، ودهشت حينما رأت باب المرآب يفتح وحده على الكهرباء، أجل أن ذلك الوغد ثري حقا، لما يربط حياته الناجحة بحياتي الفاشلة...ذلك الأحمق...خرج يقود سيارته البيضاء الثمينة، وبالحال ركضت اليه ماريانا لاهثة، فبادرها مسرعا:

- لقد اتيت لتناول الافطار برفقة عائلتي...انا في عجلة من امري...سأرسل لك لاحقا رسالة نصية اخبرك بها بعنوان بيتي.

نظر الى ساعته الثمينة قائلا بذهول ساخر:

-أوه... ما زال الوقت باكرا جدا...هل حصلتي على بعض النوم؟

كانت ماريانا مذهولة اكثر من بروده واستهانته بالامر وكان يتصرف ببراءة مستفزة جدا سالته بحده:

- هل انت من فعل ذلك؟...قلت للناس اننا سنعلن خطوبتنا...هل انت مجنون....ايها الندل المجنون!

ابتسم جون لردة فعلها الغير متوقعة واجابها بكل بساطة؟

- لا....انا لست مجنون

نظرت ماريانا بنفاذ صبر الى الحارس الذي اقترب من السيارة يحمل بعض الهدايا المغلفة في يده وتابع جون نظراتها حيث قال لسائقه الخاص:

- اوه نعم ضعه في صندوق السيارة من فضلك 

ونزل من سيارته الفارهة ليفتح صندوق السيارة . دافعا ماريانا الملتصقة بباب سيارته للخلف ببرود فظ امام نظراتها المستنكرة فلحقت به الى صندوق السيارة صارخة بحنق:

- يا! هل انت مجنون؟!

وضع يده اليمنى في جيبه بعد ان تاكد من وضع الاغراض بالصندوق وانحنى نحوها قائلا باستخفاف:

- اخبرتك بانني لست مجنون ...هل لديك مشاكل في السمع؟


تابع...

تعليقات

التنقل السريع