القائمة الرئيسية

الصفحات




 

الفصل الثامن والثلاثون

الكاميرا الخفية



- لقد أكدت لي بأنها تعمل، وحتى هذه اللحظة لم أرى سوى الظلام! هل تحاول خداعي؟!

قال الرجل المسكين بتوتر:

- سيدي، انا حقا لا اعلم ما هي المشكلة، اذا كنت تحب سآتي لفحصها لك، ربما حدثت مشكلة بعد ان غادرت.

صاح قاسم غاضبا بشدة:

- فلتأتي لإصلاحها على الفور، وان كان هناك خطأ فستتحمل انت العواقب.

اغلق قاسم الهاتف بسرعة وهو يزفر بغضب، ذلك العامل اللعين، هل يسخر مني، كيف لا تعمل الكاميرا كما يجب. 

بعد فترة تفكير قليلة، راجع نفسه بعمق، ذلك العامل بعد تركيب الكاميرا قام بتجربتها وكانت تعمل، فقد عرضت كل شيء فوق شاشة هاتفه، لماذا الان لا يمكنها ان تعرض اي شيء، ايعقل ان ماسة قد لاحظت وجودها، او ان الدمية سقطت فاهتزت الكاميرا الصغيرة من مكانها او وقعت وكسرت، اللعنة، ماذا يمكن ان يكون السبب تنهد قاسم بنفاذ صبر، ان كل دقيقة تمر يضيع بها الكثير وذلك العامل لم يظهر بعد.

كانت فكرة وضع كاميرا في الدمية أخذها من مسلسل كوري، أعجبته الفكرة وأحب ان التكنولوجيا توصلت لهذا التقدم والتطور الذي يمكنه من مراقبة من يحب دون ان يعرف الطرف الآخر بذلك، حينما ابلغ لطيف تلك الرسالة القاسية، كان يعتمد اعتمادا كلي على هذه الكاميرا، فقد اوهم ماسة برسالته انه تخلى عنها وخرج من حياتها، ولكنه بكل بساطة لا يستطيع ذلك، ولكنه رغب ان يعاقبها وينتقم منها لقسوتها عليه، كيف تعامله هو بهذه الطريقة، هو من تمنى اخفاءها بين ضلوعه وحمايتها من جميع البشر، كيف تتهمه بأذيتها ومحاولة التحرش بها، كيف تتهمه بهذا الاتهام الفظيع، صحيح انه قبلها مرة سابقا، وفرضت عليه شروطها كي لا يكرر هذا التصرف، وهو اعتذر لها ووعدها بعدم تكراره، ولكن على ما يبدو انها لم تغفر تصرفه معها، ودليل على ذلك انها صارحت صالح بما حدث، كيف وثقت به لتخبره امرا خاصا الي هذا الحد، ترى هل صارحها بحبه، ألهذا تركته وذهبت لتعيش معه في بيته متحججة بوالدها، بينما كل همها ان تكون قريبة من صالح فقط، تلك الحمقاء الغبية، الا تعلم بأن الموت هو الشيء الوحيد القادر على ابعاده عنها، ولكن كيف ستعلم ذلك، فذلك السر بينه وبين والدته فقط، فتح درج مكتبه السري المغلق بقفل ومفتاح، واخرج منه خيط نجاته الرفيع الذي يتمسك به، اخرج عقد ملكيته، أخرج سبب وجوده على هذه الحياة بعد رحيل والديه. راح بذاكرته الي والدته حينما كانت على فراش الموت، كانت عمليتها صعبة جدا، وكان نجاحها ضئيل جدا، حالما استيقظت والدته بعد انتهاء العملية، طالبت بحضور قاسم امامها، اعترض طاقم التمريض على وجوده، فأي اثارة او جهد قوي، قد يسرع في وفاتها، الا انها اصرت وقد أخبرتهم بأنها ستموت بكل الاحوال، وقبل طاقم التمريض على مضض.

كانت والدته المسكينة مثقلة بالهموم، وتأنيب الضمير يتآكلها، لم ترغب بالرحيل عن الدنيا، دون ان تصلح الخطأ الذي ارتكبته بحق ولديها العزيزين، كان كل همها ان تجمعهما معاً برباط وثيق لا يستطيع احد غيرهما احلالهما منه، وبالرغم من ان قاسم رغب بذلك كثيرا، وقد رقص قلبه فرحا، لقرار والدته الحبيبة، الا انه حينما رأى صعوبة الأمر عليها وحشرجة صوتها الضعيف المتقطع، عارض الأمر وحاول ثنيها عن قرارها، ولكن اصرارها كان اشد واقوى من ارادته، استعان قاسم برجل دين نصحوه به، وأتى به قاسم بسرعة البرق كي يسجل عقد زواجه من ماسة غيابياً، وبما ان ماسة ما زالت قاصراً، وحنان هي الوصية الوحيدة عليها، وانها تدرك مصلحتها جيدا وقد اكدت للشيخ بان هذا ما تريده ابنتها ايضا، وان هذا في صالحها ونجاة لها من حياة بائسة، سوف تعانيها ابنتها بعد موتها اذا لم يتم هذا الزواج. 

بعد وقت قصير اقتنع الشيخ بتنفيذ طلبها، ولأن حنان لم تكن بحال جيدة ولم يكن لديها الوقت الكافي للنقاش او الجدال، أتم الشيخ الإجراءات بعد أن شرح له قاسم بالمختصر الشديد وضع ماسة وعائلتها السابقة، يومها والدته أخذت منه عهدا أن لا يضغط عليها، ويهتم بإنهاء دراستها وان لا يصارحها بهذه الحقيقة، الا بعد ان يحصل على اعتراف بحبها وبموافقتها التامة على زواجها منه، وبعد ذلك، يظهر هذا العقد.

قاسم يومها شعر بالامتنان الشديد لوالدته، واعتذر اليها عن اساءته الظن بها، وطلب منها السماح وهي ايضا طلب السماح منه للعذاب الذي سببته لكلاهما، وبعد انتهاء كل شيء ودعته والدته بإبتسامة راضية واغلقت عينيها بسلام، وهي مرتاحة الضمير هانئة البال، وقد شعر قاسم براحة كبيرة أنه نفذ وصية والدته والتي كان بها رضا لجميع الاطراف.

انتزع قاسم من دوامة ذكرياته وصول العامل الذي كان مرتعبا متوترا فهو كان واثقاً من تركيب الكاميرا بطريقة صحيحة، ولكنه لا يعلم اين الخطأ. صاح به قاسم بحدة:

- اذا كان الخلل الحاصل بسببك فلا تلم الا نفسك.

سلم هاتفه للعامل كي يجد المشكلة، ويقوم بحلها فقد كان قاسم يخطط لجلب شاشة كبيره ليعلقها فوق الحائط بغرفة مكتبه، كي يتسنى له مراقبتها ورؤية وجهها بوضوح، جلس الرجل ونظر الى الشاشة السوداء الظاهرة وبنظرة راحة ارتسمت فوق وجهه المخطوف قال:

- انها تعمل،لا يوجد بها اي مشكلة ابدا.

نظر قاسم الى الشاشة السوداء وشتم بحده وهو يمسك بياقة الرجل:

-هل تسخر مني يا رجل؟! ام انك لا تملك عينان لترى بهما؟!

قال الرجل بخوف متلعثما:

-ما عاذ الله يا سيدي ان اسخر منك! انظر بنفسك الى الشاشة وأصغي جيدا، هناك أصوات خافتة تأتي من بعيد، لربما الدمية مغطاة بأشياء سميكة، لذا لا ترى سوى السواد.

عبس قاسم وهو يعيد التحديق الى الشاشة، وأمسك الهاتف وقربه من أذنه ليسمع الأصوات الخافتة التي ذكرها ذلك العامل البائس، أجل أنه يسمع اصواتا خافتة، صوت صراخ أطفال، وصوت آخر بدا كصوت نسمات هادئة بالكاد تسمع أو هكذا هيء له، أبعد الهاتف عن أذنه، وعاد للتحديق الى الهاتف، ان العامل محق! هناك أصوات بالفعل، ماسته الغبيه ماذا فعلت بالدمية؟! أين وضعتها؟ ألم يكن مكانها الدائم فوق سريرها! هل هي غاضبة منه جدا لدرجة ان تزيلها عن مرآها تماما؟! زفر بحدة وهو يستعيد كلمات صالح:

-لقد فرحت به كفرحة طفل صغير بعودة والده الغائب.

سخر قاسم من قول لطيف، فربما أخبره بذلك، كي لا يكسر بخاطره، فمن الواضح أن ماسة وضعته في دولاب او تحت سرير أو شيء مظلم اسود لعين، كي لا تتذكره ابدا او حتى يخطر في بالها.

القى قاسم بالهاتف بضجر الى طاولة المكتب وصاح بالرجل:

-كنت اعلم بأنها فكرة سيئة، أغرب عن وجهي الآن.

العامل المسكين لم يكن له ذنبا في شيء، فقد ارسله رجل الصيانة الخاص بشركة قاسم، فقد أشاد له بهذا العامل الجديد، وأخبره بأنه يتقن كل عمل يقوم به، وقد شعر باليأس لأنه فشل في أول مهمة يقوم بها لرئيس عمله، انحنى محبطاً وهو يتراجع لينسحب خارجاً من غرفة المكتب، وفجأة تسمر في مكانه، وهو يحدق بشاشة الهاتف السوداء، نظر له قاسم بنفاد صبر:

-ما بالك يا رجل؟! اخبرتك بان ترحل.

أشار العامل المسكين الى الهاتف بفرحة بدأت تتسلل تدريجيا الى وجهه وهتف متلعثماً:

-سيدي؟ انظر! الشاشة السوداء تتحرك!

وبالحال نظر قاسم الى الهاتف وسارع بأخذه والتحديق جيدا الى الشاشة، التي كانت تتحرك بالفعل، وتدريجيا أخذ السواد يتناقص ويختفي، حتى انبثق أمامه وجه ماسة السعيد المشرق يطل عليه كقرص الشمس، المطل من بين الغيوم السوداء وحالما اكتملت الصورة وتم زوال السواد نهائيا. هتفت ماسة بحبور:

-ها انت ذا!

وحملت الدمية بين ذراعيها ورفعتها عاليا بالسماء وهي تنظر اليها بابتسامه رائعة.

-يا الهي، اعتقدت انني فقدتك للابد!

عانقت ماسة دميتها، ليظهر عنقها الغض الطويل امام وجه قاسم المتجهم، كانت تضم الدمية اليها بشده وتقبلها وهي تصيح بفرحه غامرة:

-معا الى الابد، لن افارقك أبداً، حتى لو تخليت عني أنا لن أتخلى عنك ابدا!

كان قاسم مبهورا، تلك الكاميرا كانت فكرة عبقرية جدا، هو الآن بالفعل لن يفارقها ابدا، كان يحدق بالشاشة بذهول وحبور معا، فقد نجح في الالتصاق بها كالعلقة ولن يتركها ابدا.

-شقيقتك جميلة جداً!

وهنا ادرك قاسم وجود العامل الذي نسي وجوده تماما مع فرحته برؤية ماسته الغالية، فقد كان ملتصقاً به محدقا الى الشاشة وابتسامة بلهاء غبية ارتسمت فوق شفتيه، شعر قاسم بغيرة شديدة تجتاحه، ذلك الغبي لما لا يزال هنا؟! لماذا لم يرحل؟! أغلق شاشة الهاتف بسرعة ونظر الى العامل بحدة.

-ألم اطلب منك الرحيل منذ ساعة تقريبا؟ لما ما زلت واقفا هنا؟!

ارتبك العامل متوتراً وأخذ يعتذر بكلمات سريعة متواصلة:

-اسف سيدي، أرجو منك المعذرة! سوف اغادر الان.

وقبل ان يختفي خارج الغرفة ناداه قاسم امرا:

-انتظر!

شعر المسكين وكأن قلبه سيتوقف من سرعة نبضاته الخائفة، هل سيفصله من عمله؟ بالتأكيد فهو قد تجاوز حدوده وتغزل بشقيقته الوحيدة أمامه! تسمر في مكانه وهو يسمع خطوات قاسم تقترب منه:

-تفضل، هذا مكافأة لك لأنك احسنت عملك، أرجو ان تبقي هذا الامر سرا بيننا!

هتف العامل بسعادة مطلقة وهو يأخذ المال من يد قاسم الممتدة، وراح يشكره بامتنان وحبور وغادر مسرعا وهو يكاد يطير من الفرحة، وأسرع قاسم الى مكتبته وابتسامته تتسع اكثر فاكثر، لتتحول الى ضحكة عميقة وأمل بقدوم أيام أجمل، عبس بشدة متضايقاً حالما أخترق أذنه صوت امرأة حاد مزعج فور تشغيله لهاتفه:

-هل تشفقين على دمية من قماش، كم انتي سخيفة، انها مشوهة وقبيحة، والقمامة هي مكانها، عليكي ان تعيديها الي سلة النفايات حيث وضعتها.

شتم قاسم بحدة لاعنا هذه المرأة الفظة، ما شأنها؟! ولما تتدخل فيما لا يعنيها؟! كم تمنى لو كان بينهم ليصرخ بها ويضع لها حداً.

أتى صوت ماسة الرقيق الهادئ:

-انه ليس دمية! انه صديقي وأخي وحبيبي المخلص، فلم يكن أحد غيره رفيق لدربي طوال السنوات الماضية، وأيضا انا لا اراه مشوها ابدا، فبنظري هو أجمل ما بالوجود، يكفي ان انظر اليه فيعيد الي وجهي البسمة ويعيد الي قلبي دقاته المفقودة!

والتفت الكاميرا لتنتقل من وجه زوجة ابيها الخبيثة، الي وجه ماسة الباسم الفاتن، وهمست برقة وهي تقترب من وجه دميتها غامزة بعينيها الناعستين(أليس كذلك) لتتسارع ضربات قلب قاسم بقوة ويضخ الدم في عروقه معلنا عشقه الابدي لهذا الوجه الفاتن الذي امتلك قلبه وعقله دون رحمة.

فقد أتت كلماتها الرقيقة اللطيفة، لتمتص غضبه تماما وتحول وجهه العابس الي وجه عاشق ولهان غارق بالحب حتى أذنيه، وتذكر وجه العامل الذي غادر منذ قليل، وضحك بعمق وهو يشاهد نفسه يحدق بماسته ببلاهة تماما كما فعل عامل الصيانة من قبله.

يتبع...

تعليقات

التنقل السريع