الفصل التاسع والثلاثون
يراقبها دون أن تدري
في ذلك المساء عادت سمر من رحلتها، دخلت الي غرفتها وقد كان الوقت متأخرا جدا، كانت ماسة تحاول النوم ولكنها لم تستطع، فتفكيرها كان مركزا حول قاسم ورسالته الجافة التي حملها لها لطيف، ولكن ربما هذا للأفضل، فهو مرتبط بفتاة أخرى وفي النهاية مصيره ان يعود اليها، وماسة لن يعود ليتذكرها ابدا، فلا رابط يجمعهما.
قالت سمر وهي تمعن النظر الي سرير ماسة، فماسة كانت اعتادت النوم تحت الأغطية، فهي حتى في عز الصيف لا يمكنها النوم دون غطاء.
-هل انت مستيقظة؟!
شتمت ماسة في سرها فلا رغبة لديها برؤية احد او الحديث مع أحد، ولكنها بطبعها لطيفة ولا تجيد الكذب، ازاحت الغطاء قليلا عن وجهها لتجد سمر واقفة فوقها تحدق بها بغرابة، ابتسمت ماسة بتوتر وهي تعتدل في مكانها، وقالت مرحبة بسمر:
-أهلا بكي، آسفة لأنك ستضطرين لمشاركة غرفتك معي.
حدقت بها سمر من رأسها حتى اخمص قدميه، وهتفت بدهشة:
-يا الهي كم تغيرتي! لو صادفتك بالشارع لم أكن لأعرفك.
جلست فوق سرير ماسة وتربعت قائلة بعفوية:
-لقد كنتي مع عائلة ثرية، لما عدتي إلينا؟! اجلسي وحديثني، كيف عاد اليك صوتك؟!
جلست ماسة على مضض، حقا لا رغبة لها بالحديث الآن، ولكنها لم ترد ان تكون فظة:
-والداي بالتبني تعرضا لحادث، لهذا...
قاطعتها سمر بفظاظة:
-اجل اعلم هذا، ليس هذا ما اريد معرفته، اخبريني هل تملكين المال؟
تنحنحت ماسة بتوتر، هذه السمر لا تعرف الخصوصية أبدا:
-لدي حساب بالبنك، انه لأجل جامعتي!
ضحكت سمر ساخرة:
- جامعتك! ارجوكي لا تضحكيني، اية جامعة هذه، هل كنتي جيدة بالدراسة للدرجة التي تطمحين بها لدخول الجامعة؟!
لم تجد ماسة داع لان تشرح لها عن طموحاتها واحلامها فمن الواضح جدا انها ستسخر من كل شيء تتفوه به، تركتها سمر وركضت مسرعة حينما اعلن هاتفها عن وصول رسالة ما، راقبتها ماسة وهي تجلس فوق سريرها وتبدأ بالكتابة بسرعة لترد على الرسالة، وابتسامة حالمة ارتسمت فوق شفتيها، هزت ماسة اكتافها بضجر وهي تحتض دميتها، واخذت تراقب سمر من فوق اذني دميتها وهي تهمس له بصوت خفيض:
- قاسم...ما رأيك؟!هششش أخفض صوتك سوف تسمعك، صحيح انت محق، بانتظارنا ايام عصيبة.
كانت ماسة قد عمدت لمخاطبة دميتها باسم قاسم، وهكذا ستشعر بأنه لم يتخلى عنها ابدا، كان هذا نوع من احلام اليقظة التي اعتمدتها في الماضي، ولكنها قررت ان تجعل هذه الاحلام شبه حقيقية، ادارت دميتها لتحدق في عينيها الخرزية والتي لا تحمل اي تعبير على الاطلاق، وهذا طبيعي لأنه جماد، ولكن ماسة قالت بعتاب:
- ابعد نظراتك الساخرة هذه عني، فقد اكتفيت منها.
وأغلقت الضوء الذي بجانبها واحتضنت دميتها لتغفو بسلام، بينما قاسم أخذ يحدق بالشاشة التي أظلمت بعد اطفائها النور، كان قد عاد للتو من اجتماع عمل طارئ، وعلى الفور قام بتشغيل الهاتف حينما عاد مساءا متأخرا، وقد رأى في البداية وجه فتاة حنطية سوداء الشعر، وعيونها ضيقة صغيرة ساخرة، ولكنها كانت جذابة نوعا ما، فقد سمع آخر حوارهما حينما سخرت من ماسته بشأن دراستها الجامعية، ولم يعجبه ان يقوم احد بإحباط عزيمة ماسة والسخرية منها، ولكن ان يسمعها تخاطب الدمية باسمه، ان تستعيض عنه بدميته التي اهداها لها في الماضي، أليس هذا دليل كاف على حبها له، ام ان الحب الذي تكنه له ليس الا حبا أخويا، يجب عليه ان يسجل كل ما تمر به ماسة حتى لا يفوته شيء، فالعمل يكاد يخطفها منه، وهو لا يطيق صبرا بدونها.
مضت الايام ببطىء شديد على ماسة، كانت الايام طويلة مرهقة، والليالي مضنية شاقة، مضى اسبوعا واحدا برفقة عائلتها، كان الشيء الوحيد الذي يسعدها ويجمل لحظاتها هو وجود بدر الصغير، فقد كانت سمر تخرج من الصباح ولا تعود الا مساءا، وزوجة والدها تقضي نهارها اما بالحديث على الهاتف، او زيارة جاراتها، وكانت توكل لها أعمال المنزل الشاقة والعناية ببدر الصغير، ماسة لم تكن تعترض، فهي أرادت ان تغمر نفسها بالأعمال المتعبة كي لا يشرد فكرها الي قاسم، كانت تكدح في النهار حتى يأتي الليل فتنام من شدة التعب دون التفكير بقاسم، ولكن هذا لا ينجح دائما فهي ان تجاوزت التفكير به، يقتحم احلامها ويفسد نومها، فتنهض مفزوعة متضايقة، وبعدها يهجرها النوم فتجلس لا تفعل شيئا سوى التفكير به وبما يفعله، راحت تتذكر الشروط التي فرضها عليها كي يسمح لها بالخروج من حياته، وتذكرت كلماته بالحرف الواحد وكأنه قالها لها بالأمس:
- سأخرج من حياتك كما ترغبين ولكن اريد منك وعدا، اذا وافقتي والتزمتي به، حينها فقط سأختفي ولن أعود الا اذا أردتِ انتي ذلك.
هزت ماسة برأسها موافقة، والخوف يتملكها، فمن نظراته علمت بأن الامر لن يكون سهلا ابدا.
تنهد قاسم منهزما، فهي تتوق للتخلص منه، ولا خيار امامه سوى الامتثال، ولكن عليه ان يضمن حقوقه:
- سترفضين اي شخص يتقدم لخطبتك ولن تتزوجي دون علمي، وان كان هناك من يعجبك، فعليكي ان تأخذي موافقتي قبل ان تتزوجي، وأيضا هناك حفل زواجي، فلا عائلة لدي غيرك، لهذا لن يتم زواجي الا بحضورك انتي، وبالنسبة لدراستك، فأنا سأتكفل بكل شيء يخصها، من مصاريف وكتب ورسوم، سأودع في حسابك مبلغا شهريا...
تتذكر ماسة جيدا، بأنها لحظة أرادت الاعتراض، أوقفها ولم يدعها تتفوه بأي كلمة:
- أنا لا افعل هذا لأجلك، انها وصية أمي، لذا انا ملزم بذلك، لا تقلقي فلن ازعجك بوجودي، يمكنني التكفل بكل هذا بضغطة زر ومن أي مكان أقطن به، لذا اطمئني، كل هدفي هو تحقيق رغبة امي ليس اكثر فلا تسيء الفهم.
كلماته هذه الجمتها عن الاعتراض بأي شيء وأيضا الالم الذي سببته كلماته جعلتها عاجزة عن أي رد، كل ما فعلته هو ان هزت رأسها بالإيجاب موافقة على شروطه، التي كانت في صالحها أكثر مما هي في صالحه، امها العزيزة قد أمنت مستقبلها وضمنته حتى بعد مفارقتها للحياة، وعلى ماسة ان ترد لها الجميل وان لا تعسر الامور بالنسبة لقاسم، عليها ان ترحل من حياته كي يتفرغ هو لحياته، كي يتزوج وينجب الاطفال ويتابع حياته التي توقفت بسببها.
ومن ثم شعرت بالغضب فجأة، ونهضت بحدة وهي تنفض عنها ماء الغسيل والأواني، واتجهت بخطوات واثقة غاضبة الي دب الباندا الجالس الي سريرها وحيدا، فالبيت خال الا منها هي وبدر الصغير والذي أعطته بعض الفروض الصغيرة لينجزها في غرفته، اقتحمت غرفتها وأغلقت الباب بشدة خلفها، وأخذت تروح جيئة وذهاباً.
قاسم كان جالسا في غرفة مكتبه، شعر بالضجر لغيابها، انها تمضي وقتا خارج غرفتها أكثر مما تمضيه داخلها، ربما كان عليه ان يتسلل الي بيتها ليلا، ويزرع كاميرات خفية في جميع انحاء البيت ليرى ما تفعله، اين تغيب كل هذا، أخذ ينظر الي الشاشة الثابتة على باب غرفتها المغلق، فقد جلب الشاشة الكبيرة التي ستريه وجه ماسته بوضوح، وعلى مدار الاسبوع كان يراقبها ويمتع عينيه بمرآها، كانت تدرس شقيقها الصغير وتداعبه وتعزز ثقته بنفسه بأساليبها الرقيقة، وقد عرف انها تقوم بتدريسه سرا عن زوجة أبيها، التي يطل وجهها دائما عبر الباب وتمتلئ الشاشة بوجهها طالبة من ماسة الاعتناء بالمنزل وشقيقها الصغير، فهي اما مريضة، او ذاهبة الي السوق، او لدى جيرانهم، ولديها دائما نفس الرسالة.
- ماسة اعتني بالبيت وببدر انا ذاهبة لرؤية ام محمد، وحينما يعود والدك حضري له الطعام.
ماسة حبيبته التي لم تدخل المطبخ يوما، يعتمد عليها الآن في جميع شؤون المنزل، وما كان يزعجه ان ماسة لا تشتكي أبدا، كانت تطيع بصمت دائم، وحين تعود بعد ساعات طوال، تكون مرهقة فتلقي بنفسها الي سريرها وتغرق في نوم عميق محتضنة دميتها.
اقتحامها لغرفة نومها بهذا العنف والغضب يشتعل في عينيها جعله يقفز متأهبا في مكانه، وثبت نظراته عليها، ما بها لما هي غاضبة، كانت تروح وتجيئ أمام الكاميرا، ملابسها مبللة بالماء، وشعرها المرفوع على شكل كعكة، يتهدل منه خصلات فوق جينها وخلف أذنيها وعنقها الجميل، كانت ترتدي قميصا طويلا فضفاضا، وبنطالاً أسود قد ثنت اطرافه كي لا يصل اليه الماء، أخذ قاسم يراقبها بترقب، يريد معرفة ما ألم بها وسبب غضبها.
توقفت فجأة والتفتت الي دبها الباسم الساخر:
- هل تعلم انك رجل أحمق، اجل انت! لا أدري كيف تمكنت من انهاء الجامعة بتفوق وانت بهذا الغباء!
ارتفع حاجبا قاسم بدهشة، انها تخاطبه، توجه له الكلام حرفياً.
- لا تتصنع الغباء، فأنت تعرف جيدا عما أتكلم!
ابتسم قاسم ساخرا وهو يخرج من خلف مكتبه ليقف امام شاشته الكبيرة، ليراقب ملامحها الفاتنة بشكل أقرب وأفضل، قال ردا على كلامها، يخاطبها وكأنها تسمعه هي أيضاً:
- للتو اتهمتيني بالغباء وبنفس اللحظة نفيتي غبائي بنفسك، انتي كتلة من التناقضات حبيبتي.
صاحت ماسة بحدة وهي ترفع اصبعها في وجه الدمية محذرة:
- أزل هذه البسمة الساخرة عن وجهك، والا ازلتها بنفسي!
عقد قاسم حاجبيه بصدمة، فلو لم يكن متأكدا من عدم مقدرتها على رؤيته لأقسم بأنها تراه تماما كما يراها:
- يا الهي! أنت كتلة تناقضات متحركة، تقول شيئا، وتفعل شيئا مغايرا تماماً، من تعتقد نفسك لتتحكم بي، من تكون؟!
صرخ قاسم دون وعي منه وبغضب يعادل غضبها آلاف بل ملايين المرات:
- زوجك! وليذهب كل من يعترض الي الجحيم، انا مالكك الوحيد، انا الأحق بك من جميع البشر حتى من نفسك. يا الهي! وهل تسأليني من أكون؟! أنا جنتك أذا رغبتي وجحيمك ان اعترضتي.
ضرب بقبضته الحائط بشدة، ولشدة غضبه لم يشعر بأي ألم، فقد طغى ألمه النفسي على ألمه الجسدي، تنفس بعمق وهو يحاول تهدئة نفسه، لا يدري لما كل هذا الغضب والانفعال وهي أصلا لا يمكنها رؤيته او سماع صوته، عاد للتحديق الي وجهها الحزين متسائلاً ما بالها؟! من الذي أزعجها؟! لما تشن عليه هجوما ضاريا وهو من خرج من حياتها بناء على طلبها، متى قال شيئا وفعل عكسه، يا الهي سوف تصيبه بالجنون حتما، اقتربت منه وجلست امام الكاميرا تحدق الي دب الباندا بغضب، هتفت تقلده ساخرة:
- لا تتزوجي دون إذني، زواجي لن يتم دونك، أنتي عائلتي الوحيدة.
والآن ماذا؟! ماذا حدث لتلك الشروط اللعينة؟! كيف تجرؤ على القول لي بأنك لا تريدني في حياتك، لا تريد أي شيء يربطك بي!(تابعت حانقة وقد احتد صوتها اكثر وترقرقت الدموع في عينيها) حتى البيت الذي عشت به أجمل أيام حياتي، كيف تجرؤ على بيعه أيها الأحمق؟!(أخذت نفسا عميقاً وهي تحاول أن تتمالك نفسها) تريد السفر والزواج؟! لا بأس! سافر، ارحل، حتى لو ذهبت الي الجحيم لن أعترض، ولكن اترك البيت وشأنه عليك اللعنة!(مسحت بعنف دمعة هاربة انحدرت من عينيها الباكيتين، وقالت بصوت ضعيف مهزوز) تريدني ان أحضر زفافك؟!... حتى لو أتيت إلي وتوسلتني، حتى لو ركعت لي راجيا كي أحضره لن أفعل! الا تريد قطع علاقتك بي؟! إذن عليك أن تنسى أمري، انسى كل شيء أيها الأحمق المعتوه، وأخرج من حياتي بصمت وهدوء كما فعلت انا! لما عليك أن تعذبني وتنبذني بهذه الطريقة، كيف تعاملني كنكرة حقيرة وتتخلى عني بهذه السهولة؟! كيف تفعل هذا بي...
كانت غارقة بالأسى على نفسها، كانت تبكي وتنوح بأعلى صوتها ولم تنتبه للشخص الواقف ببابها يحدق اليها متألما مصدوما يائسا، لا يعلم ماذا يفعل كي يخفف عنها.
احتدت نظرات قاسم حينما رآه خلفها يراقبها، شتم بعنف وهو يراقب تقدمه البطيء المتردد منها:
- عليك اللعنة ماذا تفعل بغرفتها ايها الحقير؟!
وكتم انفاسه مترقبا خطوة صالح القادمة، وأخذ يقول هامسا بصوت بدا يعلو تدريجيا آملا ان لا يقترب منها أكثر:
-لا تتقدم منها، لا تفعل، لا تلمسها ايها الوغد، أقسم ان فعلت ...لا اللعنة عليك أيها الحقير.
كان صالح قد اقترب منها بحذر وكأنه يتقدم من حيوان جريح يخشى ان يؤذيه لشدة ألمه، وما ان لمس رأسها الباكي المنحني، حتى انتفضت مبتعدة عنه بألم، الا انه سحبها بين ذراعيه يحتضنها ويهديها، وهو يهمس بتمتمات حانية رقيقة، قاسم لم يحتمل ما يراه امام عينيه، كيف سمحت لذلك الوغد بلمسها، هي زوجته هو، وحده من يحق له لمسها فكيف تسمح لذلك الحقير بأن يضع أصبعا واحدا عليها، ولكنها ابتعدت حالما رأته (خاطبه عقله بتعقل) هو من استغل انهيارها وضعفها، فلا يوجد من يواسيها سوى دب من جماد، وهو قاسم الذي يتوق لاحتضانها لا يمكنه فعل اي شيء عدا مراقبتها، صرخ بمرارة وقهر:
- كالجحيم أنا...
كان قاسم يشتعل من الغيرة والغضب، لم يحتمل رؤيتها بين احضانه، فأطفأ الشاشة على الفور، ولكن هذا ليس حلا أبدا فهو يشعر داخله ببركان هائج يهدد بالانفجار بأي لحظة ويحرق الأخضر واليابس، زفر بغضب وهو يعيد اضاءة الشاشة، فالفضول يكاد يقتله عما يفعلانه الآن، ولكن حينما اعاد التشغيل، عادت الغرفة فارغة كما كانت، فلا وجود لماسة او صالح، هدوء تام قاتل يهدد بإزهاق روحه، وعقله.
كانت تسير يدا بيد مع بدر السعيد بخروجه اخيرا من البيت في نزهه، فلا احد يهتم به ويأخذه في نزهات أبدا، وكانت هذه المرة الاولى منذ سنوات، راقبته ماسة بسعادة، فهي تحب ابتسامته البريئة كثيرا، نظر اليها صالح برقة:
- هل تشعرين بأنك أفضل؟!
هزت ماسة برأسها بسرعة، فقد كانت تشعر بالامتنان لوجوده، فقد كانت تشعر بألم واحباط كبيرين، ولولا وجوده لما استطاعت تجاوز هذه المرحلة، فقد اعتادت على كتمان مشاعرها دوما ولكن، لم يعد بإمكانها ذلك، فقد شعرت منذ لحظات بأنها تحتضر، وكان ظهور صالح بهذه اللحظة رحمة لها.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم