القائمة الرئيسية

الصفحات

 


الفصل الثالث

العلوم الطبية بحرها واسع جدا، فهناك قسم خاص بالمكتبة يختص بما يتعلق في العلوم الطبية فقط، ابتسمت لونا بسعادة، فعند تخرجها من هذه الجامعة ستكون ملمة بالعديد من المواضيع الطبية الهامة التي تتعلق بتخصصها، امتدت يدها لتسحب كتاب اعجبها غلافه، ولكن يدا اعلى من يدها، وظل شخص اطول واضخم منها اطل من فوقها ليسبقها ويأخذ الكتاب، التفتت بسرعة لتعترض ولكن ذلك الشخص لم يبتعد واحتجزها بين جسده ورفوف الكتب، صدرت عنها شهقة لا ارادية حالما اصطدمت عيناها بنظرات عينيه الساخرة، الا انها لم تنتزع عينيها عن وجهه الصارم، قالت بحدة:

لقد انتقيت الكتاب اولا.


اجابها ساخراً مقلدا نبرتها العدائية:


أنا حصلت عليه أولا.


وبما انه لم يفسح المجال لها للخروج من حصاره، ابتسمت ساخرة وهي تمسك بيده التي تعترض طريقها وتزيحها:


إذن مبارك عليك.


وما ان تملصت من أسره حتى أعادها اليه مجددا بعنف، وقد أمسك بها من ياقتها وقرب وجهها اليه، ليقول لها بصوت خفيض مهدد وهو يطيل التحديق بعينيها:

هل تتحدينني؟! 


عبست لونا وهي تمسك بيده الممسكة بياقتها وقالت ببراءة:


اطلاقاً! لما أفعل شيئا كهذا؟!


لم يعجبه ردها، فكل بادرة تصدر منها تستفزه لا اراديا ولا يعلم سبب لهذا الشعور المربك:


إذن، تسخرين مني؟!


حاولت نزع يده الممسكة بها بقوة ولكن دون جدوى، فهمست بحدة وهي تبادله النظرات بعناد:


لا شأن لي بخيالاتك السخيفة! اتركني الآن!


ضحك بقسوة، لا يصدق نبرتها التحذيرية، وقال بهمس مخيف وهو يقرب وجهه كثيرا من وجهها لدرجة ان انفاسه الحارة احرقت بشرتها الحساسة:


خيالاتي السخيفة؟! وان لم أتركك ماذا ستفعلين؟!


بينها وبين نفسها ارادت لو تركل نفسها الاف المرات على تسرعها، الم تأخذ عهدا على نفسها بتجنبه والتخرج من هذه الجامعة بسلام، ماذا يحدث معها، وكيف للسانها السليط ان ينطق دون إذن منها تظاهرت بالثبات وداخلها يرتجف خوفاً:


لن أفعل شيئاً لأنك ستتركني! 


اتسعت عيناه بصدمة من ثقتها الزائدة، بينما أخذت تشتم نفسها بسرها مرارا وتكرارا لغبائها، فقد اعتادت التصرف بهذه الطريقة مع مدير المطعم وأمثاله من المتحرشين، يبدو انها لن تنجو هذه المرة.


قال فرانكو وهو يشد على أسنانه غيظاً، محاولا السيطرة على غضبه:


-  تعجبني ثقتك بنفسك كثيراً، ولكن...لا تتحديني، لاني حينها، سأحول ثقتك هذه الي أشلاء متناثرة.


لا يجب عليها ان تستهين بتهديداته، فاليوم فقط حاول قتلها، فقط لأنه سمعها صدفة، الآن ماذا سيفعل بها، وهي تتعمد استفزازه حتى رغما عنها.


تنهدت تحاول استدرار عطفه الذي كانت واثقة انها لن تحصل عليه ابدا:


واثقة من ذلك، فمن أكون أنا كي تحداك! لن أجرؤ على ذلك!


افلتها فجأة دافعا اياها بعيدا عنه، بينما لونا تكاد تقسم بأنها لم تشأ ان تبدو كلماتها الأخيرة ساخرة، ولكن رغما عنها، انهت عبارتها بأشد الطرق سخرية، وكانت سعيدة لأنه بدفعه لها حجبت تعبيراتها المؤنبة عن عينيه كي لا يعلم مدى تأثير تهديده عليها.


قال لها وهو يرفع اصبعه في وجهها محذرا:


يبدو أنك تشعرين بالحماية من قبل شخص ما، ولكن حذاري يا آنستي الجميلة، فبإشارة واحدة من يدي سيختفي درع حمايتك هذا بلمح البصر.


التمع الخوف بعينيها، فهي لا تريد أذية أستاذها، ليس بسببها فهذا سيكون ظلما في حقه، ابتسم فرانكو بخبث، حينما رأى الخوف والتردد بعينيها، هز رأسه متشفيا بانتصار، وأخبرها وهو يضغط الكتاب الذي اختارته فوق صدرها معيدا اياه لها، ليستدير ويبتعد من أمامها:

انتظري وراقبي!


كانت لونا تتساءل، ماذا حدث للتو، كيف تمكن من اخافتها وزعزعة ثقتها بنفسها، صرخت في أثره، وهي واثقة بأنه ابتعد عن مجال سماعها:


أيها اللعين المغرور، أنا أكرهك!


وهنا تعالت الاصوات المهمهة باعتراض على الجلبة التي أحدثتها بين ارفف الكتب الهادئة، شتمت في سرها وهي تتمسك بالكتاب جيدا وتغادر من المكتبة، لتلحق بمحاضرتها.


أثناء المحاضرة، أبدى استاذها جون اهتماما خاصا بها، وكان يقصدها بكل سؤال عما اذا كانو بحاجة لفهم نقطة غير واضحة كي يعيد شرحها، ولكن لونا كانت تهز برأسها مهمهمة مع بقية الطلاب معلنة فهمهما للدرس جيدا، وفي قرارة نفسها فكرت بأنها حتى لو لم تفهم فسوف تعلن فهمها، فهي لم تحب ابدا ان تكون تحت المجهر، وعلى ما يبدو ان جميع زملائها ركزوا معها ومع استاذها، بعدما حدث صباحا في الجامعة، مما جعلها تشعر بعدم الراحة والتوتر طوال الوقت، وحالما انتهت المحاضرة كانت اول المنصرفين من القاعة كي لا تجلب لنفسها الكلام وسوء الفهم، بينما لاحقتها نظرات استاذها المتحسرة لعدم تمكنه من ايقافها لبعض الوقت برفقته.


بعد ان عادت لونا مساء من المطعم، وجدت ماتيلدا تنتظرها على رأس الشارع خارج منزلها، أسرعت بخطواتها وقد انتابها القلق الشديد، فهي لا تملك هاتفا وربما أصيب احد افراد عائلتها بسوء:


ماتيلدا! ماذا هناك؟! هل الجميع بخير؟!


طمأنتها ماتيلدا بسرعة حينما رأت قلقها على عائلتها، وقالت معتذرة:


الجميع بخير لا تقلقي، انه، فقط...أردت


تنهدت لونا الصعداء، فتلعثم ماتيلدا وتوترها لا يعني سوى شيئا واحد:


انه توماس؟ متى خرج من السجن؟!


قالت ماتيلدا بحرج وهي خجلة من شقيقها الصغير عديم المسؤولية، فهو اعتاد للظهور بحياتها بعد غياب اما ليطالبها بمبلغ من المال، او ليختبىء عندها من ملاحقة رجال المافيا له:


مساء أمس، فقد أتاني مصابا وممتلئا بالجروح، لقد قمت بتضميدها له، وحرصت على راحته كي لا يورط نفسه بالمزيد من المشاكل، الا انه سرق مني المال الذي ادخرته لمدرسة ابنتي واختفى، أنا لا اعلم ماذا أفعل وكيف أتصرف؟!


وارتمت بين ذراعي لونا تفرغ الدموع من عينيها بحرقة وألم، سالتها لونا برقة مشفقة على حالها:


هل لديكي فكرة عن مكانه؟! سألحق به ربما استطعت انقاذ القليل مما سرقه.


وعلى الفور أعطتها ماتيلدا العنوان الذي اعتاد الذهاب اليه ليسهر ويبذر امواله، وقد أخبرتها ان المبلغ قيمته ٧٠٠دولار، علقت لونا حقيبتها بكتف ماتيلدا وانطلقت بسرعة علها تستطيع ايجاده قبل ان ينفق مال شقيقته.


اللعنة! ما هذا المكان؟!


كان هناك العديد من الفتيات والرجال يتدافعن للدخول، ولكن رجلا حفظ امن كانا يمنعان دخول بعض الأشخاص، وهم ما دون ١٨ عاما، ومن لا يملك تذكرة دخول، وهي تذكرة تعطى للأشخاص المواظبين على الحضور الي هنا، وأيضا لاحظت لونا ان هناك من يميل اليهم ليهمس بأذنه فيسمحوا له للدخول بسرعة دون جدال، هي بحاجة لمعرفة ما يهمسون به كي تستطيع الدخول والوصول الي توماس الحقير، اقتربت بتردد من احدى الفتيات وسألتها:


ماذا يجب ان نفعل لنستطيع الدخول ؟!


تأملتها الفتاة من رأسها حتى أخمص قدميها، وقالت ساخرة:


يا الهي! مستحيل ان يسمحوا لك بالدخول، انتي دون السن القانونية، اسمعي يا فتاة اذا كانت هذه المرة الاولى لك فنصيحتي لكي ان ترحلي بينما يمكنك ذلك.


وبالرغم من سخريتها الا ان نصيحتها كانت صادقة، وقد شعرت بالخوف لوهلة وأرادت التراجع، ولكن حينما تذكرت دموع ماتيلدا المنهمرة ويأسها بدلت رأيها وقررت ان تحاول لأجلها، تقدمت من احد رجال الأمن وقالت بصوت عال وواثق:


انا اريد الدخول، فأحد اصدقائي بانتظاري بالداخل.

صاح الرجل بعد ان حدق اليها مليا، هناك العديد من الفتيات القاصرات حاولوا خداعه للدخول، ومن الواضح انه اعتقدها واحدة منهم.


اين هويتك؟!


عضت لونا على شفتيها، فهويتها بالحقيبة، وحقيبتها تركتها مع ماتيلدا، وهي واثقة انها لو اخبرته بذلك، سيتأكد من انها مخادعة ويسحبها خارجا من شعرها، شدت ظهرها وهي تقف مستقيمة، وقالت بشجاعة وجرأة لم تشعر بها أبدا:


هلا أخبرت توماس  دميرو، بأن لونا جونزاليس تريد رؤيته؟!


ضاقت عينا الرجل فوقها، وهو يعود ليتفحصها مجددا، ومن ثم مال الي رفيقه هامسا حدق اليها رفيقه قليلا ومن ثم غاب الي الداخل، وخرج اليها برفقة توماس، الذي ما ان رآها حتى هتف بحماسة:


لونا جميلتي كم اشتقت لكِ


وحاول سحبها معه الي الداخل، ولكنها انتهزت فرصة خروجه اليها كي تسحبه هي معها الي الخارج، لتأخذه في زاوية بعيدة عن العيون، ومن ثم دفعته بعيدا عنها، غاضبة منه:


كيف تفعل ذلك بشقيقتك؟! كيف لك ان تكون بهذه الحقارة؟


ضحك توماس ساخرا وهو يتأملها، فهذه الفتاة لا تعلم كيف هي الحياة الحقيقية في الخارج.


اسمعي يا صغيرتي، الحياة ليست سهلة ابدا، احيانا الإنسان يضطر لفعل أشياء لا يرغب بها.


سخرت منه لونا وهي لا تصدق ما تسمعه منه:


انه عذر أقبح من ذنب! هذا لا يعطيك الحق بأن تبادل الاحسان بالنكران، توماس انت تعلم جيدا وضع شقيقتك!

نظر اليها توماس بانزعاج، فآخر ما يرغب به هو سماع نصائح طفلة، بالأمس فقط كانت على مقاعد الدراسة، اقترب احد رجال الأمن الذين منعوها سابقا من الدخول، وهمسوا شيئا ما في أذنه، فهز توماس رأسه موافقاً، وما ان ذهب ذلك الرجل، حتى فكرت لونا باستدرار استعطافه على شقيقته لعل وعسى، يشفق على حالها ويعيد اليها نقودها التي سرقها منها.


توم أرجوك، أعد لماتيلدا المال، حتى لو كان ناقصا هذا لن يهم، أرجوك فقد تركتها باكية وبحال مزرية حقاً.


ضاقت عيناه عليها محدقاً بها غموض، ومن ثم قرر أن يعدل من أسلوبه في الحديث اليها، وتكلم بلطف:


صدقيني كنت اتمنى لو باستطاعتي ذلك! ولكن قد فات الاوان.


شعرت لونا بانقباض في قلبها، لا يمكن ان يكون صرف المبلغ كاملاً وهمست بخوف وترقب:


فات على ماذا لم أفهم؟!


أمسك توم بيدها وقال وكأنه مغلوب على أمره:


لقد رهنت المبلغ كاملا لونا، ولكن مازال لدي فرصة الربح، ما رأيك ان تأتي معي الي الداخل، ربما وجهك الجميل هذا يجلب الي حسن الحظ وأربح مبلغا مضاعفا، اساعد به ماتيلدا


عبست لونا مترددة، فهي لا تحبذ فكرة دخولها الي هذا البار، خاصة وانه قد اختص فئة عمرية محددة للدخول فقط، وهي لا تشعر بالراحة لمرافقة توم، فشخص خدع شقيقته لا يؤتمن جانبه أبدا.


لا أدري! لا، لا اريد الدخول، انت اذهب وانا سأنتظرك هنا! ولكن لا تتأخر!


قال توماس متظاهراً، بعدم الاهتمام، وكأن الأمر لا يعنيه أبدا من بعيد أو قريب:


حقا لا استطيع ان أعدك لونا، ولكن ان لم أخرج بعد ١٠ دقائق لا تنتظري، عودي الي ماتيلدا وأخبريها بأن تعتبر المال دينا في رقبتي وسأرجعه اليها بالتأكيد.


واستدار عائدا الي البار، لحقت لونا به بسرعة ووقفت أمامه، نظر اليها وقد لاحت ابتسامة نصر في عينيه سرعان ما اختفت، قالت لونا بتوجس:


اذا الأمر يستدعي عشرة دقائق فقط، اذن سأرافقك، لكن ماذا لو خسرت الرهان؟!


ابتسم مطمئنا اياها وقال بحماسة:


مستحيل ان أخسر وانتي معي، تعالي فلندخل بسرعة.

دخلت لونا الي البار وحالما خطت الي الداخل عرفت فداحة الخطأ الذي ارتكبته، كان المكان أشبه بوكر ماجن للممنوعات، النساء شبه عاريات، والرجال سكارى يسعون خلف شهواتهم ورغباتهم، رائحة النبيذ، والكحول تغرق المكان، والدخان وأشياء أخرى لم تستطع تمييزها أو معرفتها، وللحظة صغيرة فكرت بالتراجع والانسحاب، وظهر هذا واضحاً في عينيها ونظراتها الخائفة، نظر إليها توماس بعبث واقترب من أذنها هامسا:


- لا تخافي، انت بأمان معي.


وأحاط خصرها بإحكام واقترب من أصدقائه الذين كانو بانتظاره، ضاحكا بحبور:


- آسف لتأخري، فقد كنت أقنع حظي الجميل بمرافقتي.


تمنت لونا لو تنشق الأرض وتبتلعها، فقد اتجهت جميع الأنظار إليها لتتفقدها، من راسها حتى أخمص قدميها، كانت ترتدي سروال من الجينز الأزرق، وفوقه قميص أحمر دون أكمام، ربط عند خصرها النحيل، ليظهر رشاقة قدها الممشوق، وشعرها الأحمر الناري استرسل فوق ظهرها كغيمة رائعة تبهر العيون، عيونها الخضراء الواسعة، تهربت من نظراتهم الشهوانية المتفحصة، ومالت الي توماس، هامسة بتوتر:


- لن أبقى لأكثر من عشرة دقائق، امي تنتظرني ولا اريد ان أتأخر عليها.


أومأ برأسه موافقا، وبعد أن اجلسها في الي جانبه انغمس باللعب والمراهنة على أموال شقيقته المسكينة، كانت لونا تتابع المنافسة والتحدي دون أن تفعل شيئا بينما النساء المرافقات لمنافسي توماس على نفس الطاولة يصرخن ويشجعن رجالهم، أما بالقبلات أو كلمات الغزل الفاضحة، تقوقعت لونا على نفسها تتابع بصمت وتحسب الدقائق لانتهاء الجولة كي تعود إلي أمان منزلها، اقترب منها توماس هامسا:


- استرخي ايتها الجميلة، ستعودين الي ماتيلدا بمبلغا مضاعفا ثقي بي.


قال الثعلب للدجاجة، فكرت لونا ساخرة، بإمكانها أن تسلم رقبتها الي أفعى كوبرا ضخمة، ولكن يستحيل أن تثق بتوماس، لم تكن تعلم بأنها كانت محط أنظار اغلب الرجال في الصالة، فقد بدت بريئة جدا وصغيرة جدا لتتواجد بمكان ضحل كهذا، وهي لم تكن تعي ذلك أبدا، مال أحد الرجال الي توماس وهمس بأذنه شيئا ما مما جعل ابتسامة خبيثة ترتسم على وجه توماس، الذي عاد إليها هامسا بحماسة كبرى:


- حبيبتي لقد ضمنا الفوز.


وغمزها عائدا ليزود الرهان بحبور هاتفا وهو يرفع كأس نبيذه:


- نخب جالبة حظي، لونا الجميلة!


شعرت لونا بالدم يتدفق في عروقها من شدة الاحراج، عضت على شفتها بضيق وغطست في مقعدها متلهفة لانتهاء الجولة داعية أن يكسب توماس كي تعود لماتيلدا بنقودها الضائعة.

تابع...


تعليقات

التنقل السريع