الفصل الاول
كان مستلقيا على ضفاف النهر يحدق بالسماء الزرقاء المكدسة بالغيوم غطى عينه اليسرى فلم تتحمل عيناه اشعه الشمس القوية واخذ يراقبها من بين اصابعه وقد تسللت اشعه الشمس من بين الغيوم، القى بيده الى جانبه وتنفس عميقا ليزفر أنفاسه المثقلة بالهموم.
على الجانب الآخر، استلقت تلك الممثلة الجميلة، (ماريانا) ممدده فوق رمال الشاطئ يديها تعانق حباته الذهبية وتستشعر دفئها الذي يغمر جسدها البارد الهزيل بسبب حنينها وشوقها الى حب حياتها الوحيد، والبحر يهدر غاضبا من خلفها وامواجه تتصارع وتتسابق للوصول الى الشاطئ، ملتفة بثوبها الابيض الملائكي، كنقاء قلبها البريء الطاهر، قلبان حزينا مكلومان لديهما من الشقاء ما لا يستطيعا البوح به لأحد، يدفنان حزنهما داخل قلبيهما ويواجهان العالم بقناع ابتسامة مشرقة.
كان في رحله صغيره برفقه اصدقائه على ضفاف النهر كانوا يغنون ويرقصون ويتمازحون كانوا صاخبين جدا جدا ولم يحتمل (دان) البقاء بالقرب منهم لذا اختار بقعه بعيده عنهم مسافه 20 مترا وغفى بين الحشائش الخضراء والاعشاب البريه فتح عينيه مرغما حينما الحت عليه ذراعان غليظتان بهزه ودفعه وحثه على الاستيقاظ نظر (دان) الى صديقه عابسا متذمرا وكان صديقه بدوره مرعوب خائف وعيناه شاخصتان نحو جسر مرتفع عاليا فوق ضفه النهر تقف فوقه فتاه جميله مرتديه ثوب احمر قصير ومن الواضح جدا انها تنوي الانتحار، تعالى صياح اصدقائه بخوف انها سوف تقتل نفسها بصدق، وعاد صديقه المزعج ( كريس) يلح عليه ويحثه على الاستيقاظ:
- اعتقد انها تريد الموت افعل شيئا!
تابع صديقه بصوت مرتجف واجف:
- انها ابنه مالك البنك او شيء من هذا القبيل....الفتاه التي توقفت عن مواعدتها!
نظر (دان) نحوها ببرود متثائبا، وعاد للنوم مجددا و كأن الأمر لا يعنيه، على ما يبدو انه اعتاد على مثل هذه الحوادث، فليست المره الاولى التي يحدث بها ذلك فهو يقيم علاقات مع الفتيات العازبات، وحينما تجد الأمور ويطلبن أكثر مما وعدهم يقوم بهجرهم، فهذه نهايه كل فتاه تتجاوز حدودها معه وتطالبه بأكثر مما يعرض، هو لم يخدع اي فتاة قط، لطالما اخبرهم بان قلبه ليس ملكه وأنه أبدا لن يتخلى عن خطيبته لأجلهم، الا انهن لم يبالين بكلامه، فكل واحده كانت تعتقد بأن لديها القدرة على سحره وايقاعه بشباكها وخطفه من خطيبته المزعومه وبالنهايه جميعهمن يفشلن ويلقين نفس المصير، بخطوات بطيئه متخادله هادئه اتجه ( دان) الى تلك الفتاة ذات الثوب الاحمر صاحبة الشعر القصير الاسود، نظر اليها عن قرب تأمل وجهها جيدا، عيونها المحمرة من كثرة البكاء، راقب نظراتها الحزينه وسمع شهقاتها المتألمة، وبادلته النظرات بلوم وعتاب وشوق وألم، عل قلبه يرأف بحالها ويعود اليها.
جلس فوق المصطبه التي انشأ عليها سورا لجسر حديدي، كانت في فمه قطعه من الحلوى( المصاص) القاسيه، كان باردا لا مباليا وكأن امرها لا يعنيه بالفعل، بداخله تمنى لو تقتنع بكلامه وتنسى أمره، قال بسخريه بارده:
- هل انت منحرفه؟! كل هؤلاء الاولاد بامكانهم رؤيه ملابسك الداخليه.
كان يشير إلي اصدقائه الذين يراقبونهم بتوجس، من أسفل الجسر ، نظرت اليه من بين دموعها فهي تعرفه جيدا وتعرف طريقته في ثنيها عن قرارها، ولكن هذه المره سوف تنفذ تهديدها بقتل نفسها، ولن تهتم لكلماته الساخره المنمقه.
تابع بسخريه اذا كنت ستفعلين ذلك لماذا لا تقدمين لنا العرض كاملا!
قالت بعزم واصرار في صوتها ونظراتها:
- سوف ألقي بنفسي بالنهر.
تابع سخريته منها دون ان يعيد النظر اليها:
- يا الهي...اسمع نباح كلب داخل اذني!
وراح يحاول تنظيف أذنه وكأنه يزيل حشرة مزعجة تضايقه، عادت الدموع لتدفق من عينيها بغزاره فلا مبالاته وسخريته زادت من ألمها، صرخت بحدة:
- سأموت.
اخرج الحلوى من فمه ونظر اليها وبعصاتها الصغيره حاول تنظيف أذنه ليسمع صوتها جيدا متابعا سخريته القاسيه منها:
- ليس نباح كلب بل هو نحيب بقرة ...اللعنة!
لم تحتمل سخريته منها فقط شبهها بالكلب اولا ومن ثم بالبقره أنها غالت في تقدير نفسها،فهي لا تعني شيئا له ابدا، بداخلها كانت واثقه جدا بانه يحبها، رجته متوسلة ودموعها المعذبه تتدفق من عينيها:
- فقط قل شيء واحد....أخبرني انك تحبني!
اخذ يضغط فوق اذنه بقوه منزعجا من كلماتها الغبية، هذه المره كانت اعند من اي مره اخرى، طالبته باصرار وصوت مرتجف متوسل:
- فقط اخبرني انك تحبني... اذا انتظرتك... سانتظر حينها بدون ان اشعر بالملل... سانتظر بدون كلمه واحده.
تظاهر بتأمل عصاة الحلوى الصغيرة التي بيده، بينما تركيزه وحواسه اتجهت اليها... انها تطلب منه وعدا، يعلم جيدا بانه لا يستطيع الايفاء به، انها تضغط عليه كما يفعل كل شيء واي شيء في حياته، لم يعد يستطيع الاحتمال، لا يمكن لاحد ان يجبره على شيء لا يريد فعله، حتى لو كان هذا الاحد اغلى واقرب الناس اليه، فهو يفعل ما يشاء فقط. نظر الى البعيد وقال بصوت اجش خفيف:
- اقفزي... اقفزي!
كانت نظراتها يائسه حزينه مصدومه بينما اعاد الحلوى الى فمه، وببطىء وقف على قدميه ونفض ملابسه من الغبار واستدار مبتعدا عنها، ليتركها تواجه مصيرها الذي اختارته بيديها.
- ما الذي ليس عندي؟! ماذا فعلت تلك الكلبة الغبيه بك؟! م الذي تملكه ولست أملكه.
لاحقته كلماتها الغاضبه الحاده، من بين دموعها بينما اخذ يبتعد عنها تدريجيا غير مباليا باي شيء تقوله او تفعله، وكأن كل همه في هذه الدنيا، العوده لرفاقه والتلذذ بطعم الحلوى التي تذوب في فمه.
كان يرتدي سروالا واسعا مليئا بالجيوب، وفوقه تي شيرت بأكمام، طويله ويربط على خصره النحيل قميصا تتارجح اكمامه يمينا ويسارا مع كل خطوه بطيئه متخادله يخطوها، لاحقته بنظراتها البارده الباكيه وكأنها تحاول نقش هيئته في قلبها وعقلها قبل ان تموت، وهو لم يبالي بأمرها وتركها وذهب بعيدا عنها.
شعرت بأن ليس لها حياة بدونه شهقت من بين دموعها وعادت للنظر الى ماء النهر العميقه في الاسفل، واغلقت عينيها مستسلمة منهزمه باكية فشلها الذريع واستسلمت الى احضان مياه النهر البارده، صوت رشاقات الماء التي تتطايرت جراء اصطدامها بمياه النهر، وصرخات اصدقائه الخائفه المرتعبه انبأته بأن تلك الغبيه نفذت تهديدها بالفعل والقت بنفسها بهذا الجو البارد الى مياه النهر من هذه المسافه البعيده العالية. انتابه غضب شديد واتسعت عيناه بصدمه وهو ينظر للخلف، لرؤيتها وتأكد من فعلتها الغبيه حينما لم يجد سوى حذائها وكانت هي قد اختفت ولشدة غضبه منها، قرر ان يتابع طريقه ويتجاهل انتحارها الاخرق ويتجاهل نداء قلبه وعقله وضميره بان يعود لانقاذها.
وبالنهايه تغلب عليه قلبه الحنون وعقله الحكيم وضميره الحي، لا يمكنه ان يتخلى عنها حتى لو كانت مجنونه غبيه فهي فعلت ذلك بسببه هو، بسبب عشقها له وهو مسؤول عن افعالها الخرقاء، ركض الى حافه الجسر، وحينما لم يرى لها اثرا القى بنفسه خلفها بمهاره يحسده عليها افضل الغواصين.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم