الفصل الواحد والثلاثون
لن تعود اليه
حالما هدأت ماسة من نوبة بكائها ونواحها، التي استغرقت تقريبا عشرة دقائق، نعت خلالها والدتها حنان، الملاك التي أضاءت حياتها وانتشلتها من الذل والهوان الذي كانت تعيشه، ترحمت عليها ودعت لها في فؤادها، وتمنت من الله أن يمن عليها بقصر في الجنة، كما من عليها وجودها في حياتها، كان صالح يراقبها ولسان حاله يقول، لو ان والدتي عاملتها كابنتها يوما، لو انها اشفقت على حالها بدلا من ان تؤذيها وتحرضنا على أذيتها، لكان هذا الحب الجارف الذي رآه في عينيها وملأ قلبها، ملكا لوالدته، ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة ساخرة، وكيف ستحصل والدته على حبها هي الغريبة، في حين انها عجزت عن كسب حب اولادها الذين هم من لحمها ودمها، عاد ليراقب ملامحها الجميلة الباكية، صدقا كيف تبدو بهذا الجمال الخلاب وهي في أسوأ حالاتها، وحالما ارتفعت نظراتها البريئة الدامعة لتقابل عينيه المحدقة، شعر بسهم حاد مسنن يخترق قلبه عميقا، ولاحظ متأخرا، انه نسي ان يتنفس وهو يغوص في أعماق عينيها الجميلتين، في الحال شعر بالحرج من نفسه ونهض من مكانه وهو يأخذ نفسا عميقا ليهدىء من مشاعره المتأججة قبل ان يفقد السيطرة عليها، ناولها قطعة قماش صغيرة لتجفف دموعها، وكانت ممتنة له، عاد ليجلس امامها وهمس بصوت رقيق:
آسف، لم اقصد احزانك، ولكن لم ارد ان اكذب عليك مثلما فعل شقيقك.
هزت ماسة رأسها بتفهم، ووكتبت تسأله:
كيف ومتى حدث ذلك؟!
بدأ صالح بسرد ما قرأه في صفحة الانترنت، بل وأراها صورة من الحادث المشؤوم، لم يكن يظهر أشخاص بالصورة فقط سيارة مطبقة وشاحنة بضائع مقلوبة فوقها، وبدأت بقراءة ما كتب بشأن حادثتهما المأساوية، فقد كانا عائدين قبل موعدهما المحدد بأيام، لمفاجئة ابنتهم الوحيدة ولكن اعترضت طريقهم شاحنة محملة بالبضائع، وكانت الأرض زلقة فلم يستطع قائد الشاحنة السيطرة عليها، وحينها اصطدم بسيارة والديها وقد طبقت السيارة على من فيها تماما، وعرفت ماسة بأن والدها لم يتعذب اذ انه فارق الحياة على الفور، بينما والدتها المسكينة أمضت يوما ونصف اليوم تصارع الحياة، وبالنهاية لحقت بوالدها المسكين ولفظت انفاسها الأخيرة داخل جدران المستشفى، ولكن معرفتها بأنهما توفيا بسببها ولأجلها زاد من عذابها، فقد تمنت بالفعل لو انهم يبكروا بالعودة اليها، ولكن لم تطلب ذلك منهم أبداً، شعرت بتأنيب ضمير كبير يجتاحها، فلو لم تكن هي موجودة بحياتهم، لكانوا هم الآن على قيد الحياة، لم تعلم هل تحنق على قاسم، ام يجب على قاسم ان يحتد ويغضب عليها، لأنها تسببت في فقدانه لوالديه بمرحلة مبكرة من عمرهما، بدأت ماسة توقن، ان وجودها في حياة احدهم هو نحس بحد ذاته، فلا يوجد راحة او هناء بوجودها، وهنا قررت ماسة بأن لا تعود الي هذه العائلة أبداً، فخالتها لها الحق بكرهها وحقدها عليها، فهي تسببت بفقدان شقيقتها الوحيدة، ويتمت ابن شقيقتها الوحيد، راحت بذاكرتها لذلك اليوم، كيف كان يبدو قاسم ذلك الصباح، مرتديا ملابس انيقة مهندمة وحينما سالته عن وجهته اخبرها بأنه حفل زفاف، ماسة الغبية، كيف صدقت ان يتم حفل زفاف في الصباح الباكر، لو علمت انه كان يوم جنازة والديها لما فوتته أبداً، ولكن الذنب ذنب قاسم، فقد حرمها من وداع والدتها، كم تمنت لو رأتها او زارتها في ذلك اليوم في المستشفى وهي تصارع الحياة، ولكن قاسم لم يسمح لها بذلك، ربما أخفى عنها الأمر كي يعاقبها ويعذبها، كي ينتقم منها لسلبه اعز ما يملك منذ طفولته، أجل هذا ما فعلته ماسة تماما، كانت طفيلية بائسة، سرقت منه حب وحنان والديه، كانا يدللانها كثيرا ولا يرفضان لها طلبا، بالتأكيد قاسم يكرهها كثيرا الآن، كيف احتمل وجودها بقربه طوال تلك الاسابيع بعد موت والديه، كيف نظر الي وجهها وهو ممتلىء بالكره نحوها، انها لن تلومه ولن تدينه، بل هي ممتنة له على عدم طردها من المنزل حال عودته من السفر، بل وتقسم ايضا انه لو كان شخصا آخر بمكانه، لجرها من شعرها ورماها خارج بيته كخرقة بالية، فهي ليست الا نكرة، زعزعت حياتهم الهادئة بوجودها، وتسببت بدمار عائلة بأكملها، تذكرت بأن صالح أخبرها، بأنه بانتظار رد قاسم على بريده بشأن دفع مبلغا من المال لأجل اطلاق سراحها، ترى ماذا كان رده، ولكن لا لا تريد ان تعرف، بل انها لا تريد ان تعود الي قاسم، حتى لو دفع المال اكراما لذكرى والدته، لا تريد شفقته ولا تريد قربه ولا ترغب بإعاقة حياته بوجودها، خطت كتابتها الى صالح بسرعة وحزن والم:
لا أريد العودة الي قاسم، أريد ان ارحل بعيدا عن هنا، أرجوك ساعدني.
ماذا تعني اننا لا نستطيع فعل شيئا اليوم؟!
صرخ قاسم بغضب وهو يتحدث الي الرجل الذي كلفه بمهمة البحث عن صالح، وقد كان سعيدا جدا، حينما أتى له بمكانه وعنوانه، وكم عدد رفاقه، ولكنه طلب منه حرصا على سلامة شقيقته ان ينتظر حتى الغد، لأنه لا يعلم نواياهم بعد، وقد يكونوا مسلحين فيقومون بأذية ماسة بتهور، دون أدنى نقاش او تفاوض.
سيدي مما فهمته أثناء مراقبتي لذلك المنزل، ان الفتاة بخير، حتى أنهم يطلبون لها الطعام من الخارج، فأنا وضعت رجالا لمراقبة دخولهم وخروجهم، أنا لا أعتقد أنهم خطيرين، خاصة وانهم مبتدئين في هذا العمل، فهم ليس محترفون الي درجة ان يأخذوا جميع احتياطاتهم ولديك دليل لذلك أني تتبعت أثرهم بسرعة وسهولة، ولكن ما اخشاه حقا، هو ان يرتبكون لدى اقتحامنا ويتسرعوا بأذية شقيقتك، ظنا منهم ان هذا هو الحل الوحيد لخلاصهم، لذا علينا ان نتروى قليلا ونأخذ الحيطة والحذر.
شتم قاسم بقسوة، الى متى عليه ان ينتظر، كيف سيحتمل ليلة اخرى لعينة وهي بعيدة عن عينيه، صرخ بحدة وهو يتخلل شعره بأصابعه بعصبية شديدة:
يا للجحيم، علينا ان نتروى، الى متى علي الانتظار، أقسم بأن صالح سيناله اضعافا مضاعفة مما نالني، ذلك الوغد الحقير سوف يندم على اليوم الذي ولد فيه.
حاول حاتم تهدئته بحكمة:
فقط صبرا جميلا، الم يخبرك انه سوف يتصل بك، دعنا نرى نواياه ومطالبه، وحينها نحدد مدى خطورة الامر، ونخطط لخطوتنا القادمة، كل ما عليك فعله الآن هو الهدوء والاسترخاء بانتظار مكالمته، فهم بين أيدنا وتحت أعيننا، دعنا نخطط جيدا كي نضمن الفوز.
ولم يكن لدى قاسم اي خيار آخر بالطبع، فحياة حبيبته على المحك، ولا يمكنه المجازفة بها أبداً، لذا قرر ان يستمع الي حاتم ويجلس الي جانب هاتفه بانتظار اتصال ذلك اللعين.
أنا لا أفهمك، ألا ترغبين بالعودة الي شقيقك، انه بانتظار رسالة مني للتفاوض بشأنك.
كتبت ماسة رسالتها بسرعة:
انت تريد المال لتتخلص من ديونك اليس كذلك؟!
لمعت عينا صالح بجشع وهز رأسه موافقا، فهو بالفعل يحتاج الي المال، فقد تورط مع عصابة من المافيا لا ترحم، فإن لم يسلمهم مالهم، سوف يقتلونه ويأخذون أعضائه لبيعها وسداد ديونه، هو لا يمكنه المزاح معهم أبداً في هذا الشأن.
أجل! أخبرتك بأن حياتي على المحك.
أنا املك المال، لدي الكثير من المال في حسابي البنكي، لقد ادخرته والدتي لي من اجل الجامعة، خذه كله انا لا أريده، فقط لا تسلمني الي قاسم أو أبي، أنا بأمكاني العناية بنفسي جيدا.
وهنا قرر صالح سؤالها ما حيره منذ ان وقعت عيناه عليها:
ذلك القاسم، أعلم بأنه لا يعاملك كشقيقة، هل، (وبعد ترددا قصير تابع) هل قام بالتحرش بكِ؟!
ماسة احتارت بما تجيبه، خشيت ان تقول له لا بأنه لم يفعل، فيتجاهل طلبها ويسلمها الي قاسم، وخافت أن تؤكد له بأنه فعلا تحرش بها، فتسيء اليه والي سمعته، وتكون سببا في اختلاق المشاكل له، ومر طيف وجهه امامها، وابتسامته المشاكسة، فأخر يوما امضته معه كان من أجمل أيام حياتها، فقد كان لطيفا مشاكسا، شعرت وكأنها عادت معه الي لحظات طفولتهما الجميلة، كم أحبت ملامحه، وكم ستشتاق له، يكفي ما عاناه بسببها، حان الآن لتطلق سراحه، لن تحيطه بقيدها، فقد أفسدت حياة والديه ولن تكافئهما، بإفساد حياة وحيدهما، حتى لو اضطررت للإساءة اليه، فغالبا سينسى اساءتها حالما تختفي من حياته وبعدها لن يتذكرها أبداً.
هزت برأسها ودموعها المذنبة الصامتة تسيل فوق وجنتيها، واتسعت عينا صالح بصدمة، اذن فظنونه كانت في محلها، ترى الي أي درجة قام بأذيتها؟!عاد يسألها ليتأكد مما وافقت عليه:
ذلك الوغد؛ هل قام بالاعتداء عليكي..
في الحال هزت ماسة رأسها نافية، وكتبت بسرعة:
لا لم يصل الي هذا الحد بعد، ولكني لا اريد العودة، فهو ليس قريبي ولا يمت لي بصلة، اريد السفر، أريد أن اجد وظيفة لا أريد ان اعيش عالة على أحد، لا أبي ولا قاسم، لا أحد على الاطلاق.
بسرعة التقط الهاتف قبل ان يكمل رنته الاولى، ورغما عنه صاح مزمجرا، رغم تحذيرات حاتم له الا انه فقد أعصابه رغما عنه، فقد لعب صالح بأعصابه كثيرا، وقد امتحن صبره الي ابعد حد:
أيها الوغد، ان كنت تعتقد بأن بمماطلتك هذه سوف تبتزني لتحصل على مبلغ أكبر فأنت واهم ايها اللعين.
رق قلب ماسة لسماعها لصوته، يا الهي كم تاقت لسماع هذا الصوت، فقد حلمت به وتخيلته بعدة أشكال شتى، ولكن ما سمعته يفوق خيالها واحلامها، ذلك الصوت الرخيم الجذاب سرق قلبها وأفقدها دقاته واحدة تلو الأخرى، كانت ماسة تحبس أنفاسها وهي تحدق بهاتف صالح الذي أخذ يراقب تعابيرها بادراك، فقد ضغط على المايك لأنه يعلم بأن ماسة لن تسمع ما يقوله قاسم، ولكن مع اختلاف تعابير وجهها تسلل الشك الي حواسه، وبالحال كتم صوت المايك ووضع الهاتف على أذنه وخرج بعيدا، عن عيون ماسة التي لاحقته بيأس وأسى، كم أرادت أن تتعلق بالهاتف وتنتشله من يد صالح، لتعانق صوته وتصرخ باسمه، كم أرادت ان تستجديه وترجوه وتتوسله أن يسامحها على كل الاذى الذي سببه وجودها في حياته، أخذ صوت صالح يبتعد وينخفض بكل خطوة يخطوها بعيدا عنها.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم