الفصل السادس والثلاثون
زيارة مفاجئة
تنهدت ماسة وقد شعرت براحة غريبة، ان بدر كفيل بأن يبعد أفكارها عن قاسم، ومن يدري ربما تنساه وتخرجه من حياتها للأبد، بدر ذلك الطفل المسكين، فقد اعتقدت انها هي الوحيدة التي عانت من قسوة هذه العائلة، لم تكن تعلم بأن شقيقها الوحيد يعاني كل هذا الالم ايضا، نفس السخرية والمعاملة الفظة، يا الهي! ما ذنبه هو ان كان الله قد ابتلاه بهذا المرض، فلما يحاسبه البشر على شيء ليس بيده، شعرت ماسة بشرارة من القوة والارادة تتملكها، فحينما كانت صغيرة، من الله عليها بحنان، تلك السيدة التي كانت بالفعل اسما على مسمى، وبفضلها عاشت حياة لم تتوقعها ابدا، فقد كان ظهورها في حياتها كانبثاق اشعة الشمس من خلف الغيوم المكدسة، فأنارت حياتها وغمرتها بالحب والحنان، وهكذا قررت ماسة ان تكون لشقيقها، سوف تقف جانبه وتسانده، سوف تعلمه كل ما تعلمته وتصنع منه شخصا اخر، ستصنع منه طفلا سعيدا واثقا بنفسه، لن تدع اي احد يحطمه، او يحبطه، همست لنفسها بسعادة:
سأكون كالمرأة الخارقة في حياتهsuper" woman".
أثناء تناولهم لطعام الغداء، رن جرس الباب، فأسرع بدر ليرى من القادم، عبست ماسة حين عاد بدر اليها راكضا:
- ماسة، هناك رجلا يطلبك.
غصت ماسة بطعامها، وسارع صالح بأعطاءها كأس من الماء، كانت مصدومة، ما الذي اتى به الي هنا، لم يكن هذا في الاتفاق الذي بينهم، شعرت بالتوتر والارتباك، ولاحظ صالح توترها، وقف متأهبا للذهاب بدلا منها لمقابلة قاسم، الا انها اعترضت طريقه بسرعة هامسة:
_ سأقابله انا!
واتجهت بخطوات مترددة امام نظرات والدها العابسة، وزوجة والدها التي اخذت تحلل وتجمع وتضرب لتخرج بنتيجة ترضي تحليلاتها الغير منطقية، وحالما خطت للخارج رأت لطيف مستندا الي سيارته بانتظار خروجها للقائه، صرخت ماسة بحبور كادت ان تطير من شدة السعادة، اخيرا هناك شخصا يحبها بصدق ويحترمها دون نفاق او مصلحة، ركضت اليه تعانقه بشوق وحنين:
_ يا الهي ! اعتقدت بأنني لن اراك ابدا، انا سعيدة جدا لقدومك!
ابتسم لطيف بسعادة وقد ترقرقت الدموع بعينيه، فلم يتوقع هذا اللقاء الحار، هتف بسعادة مطلقة:
_ لقد اخبرني السيد قاسم بأن لا افر هاربا اذا سمعت صوتك، يا الهي انه محق انت تتحدثين، كم انا سعيدا بسماع صوتك يا عزيزتي.
عبست ماسة ممازحة وقد تجاهلت ضربات قلبها التي ازدادت تسارعا مع ذكر قاسم في حديثهما.
_ ألهذه الدرجة صوتي سيئا؟!
ابتسم لطيف وهو يربت فوق رأسها بحنان بالغ:
_ ان صوتك أفضل من صوت ام كلثوم لدي، فهو اجمل صوت على الاطلاق.
ابتسمت ماسة بسعادة، قليل من الثقة ودعم الذات لن يضروها، فهي بالآونة الاخيرة مرت بصعوبات لا يحتملها بشر، اخذت نفسا عميقا وزفرته ببطىء، من الجيد رؤية شخص طيب ولطيف ومن عبق والدتها الراحلة، فأمها كانت تحب لطيف كثيرا تحترمه وتقدره، لذا ماسة حذت حذوها، نظرت اليه بحبور وقالت:
_ تعال معي الي الداخل، تعرف الي والدي...هيا!
رفض لطيف برقة، دون ان يتحرك قيد انملة من مكانه:
_ لا داعي لذلك يا صغيرتي، لقد اتيت لأوصل لكي بعض الاشياء التي تخصك، قاسم اصر على ان اسلمك اياها بنفسي، تعالي.
واخذها الي مؤخرة السيارة وصدمت ماسة حينما رأت جميع أشياءها وأغراضها التي احبتها وتعلقت بها، ودبدوب الباندا المشوه الذي طاقت لأخذه معها ولكنها لم تستطع، كانت سعيدة بأن جميع اشيائها التي احبتها عادت اليها، وعليها ان تعترف انها تشعر بالامتنان لقاسم لأنه فكر بإعادة كل شيء لها، احتضنت دب الباندا بشوق وحنين جارف، عليها ان تعترف بأنه اكثر الاشياء التي تمنت الحصول عليها، راقبها لطيف برقة وهي تحتضن دبدوبها وتذكر قول قاسم له، وكان محتار كيف سيقول لها رسالته تلك، كان لطيف يعلم بأن تلك الرسالة أتت من قلب مجروح متألم، ولكنه لم يكن يرغب ابدا، بجرح قلب آخر، خاصة بعدما رأى السعادة تشع من عينيها الجميلتين، قال لطيف برقة وهو يبتلع الغصة التي تجمعت في حلقه:
_ دعيني اساعدك في نقلهم الي الداخل، اذا لم يمانع اهل البيت دخولي الي بيتهم بالطبع.
نفت ماسة برأسها بسرعة، ونادت على صالح كي تشير له بأن لطيف سيدخل البيت برفقتها:
_ اطلاقاً! هيا بنا، سأساعدك.
وبدآ بنقل الاغراض الي داخل غرفتها التي تشاركها بها سمر والتي حتى هذه اللحظة لم ترها ماسة، لأنها خرجت برحلة مع صديقاتها، قام لطيف وصالح بنقل جميع الاغراض الي غرفتها امام نظرات زوجة والدها الحاسدة، ومن ثم ببادرة منها هدفها الفضول ليس إلا، قالت بنفاق:
_ سأساعدك على ترتيب أشيائك في الغرفة،(وتابعت بتلميح جشع ممازح كي يصل كلامها الى سمع لطيف) كان على شقيقك ان يرسل لك بيتا اكبر ليتسع كل هذه الأغراض،(وتابعت حينما اصطدمت عيناها بعيني لطيف العابستين) ما أعنيه هو ان الغرفة صغيرة وبالكاد تتسع لماسة وشقيقتها، لو كان البيت اكبر لوضعناها في غرفة اخرى وحدها، ولكن كما ترى البيت صغير جدا ومتواضع.
احرجت ماسة من اسلوب زوجة والدها، ولكن لم يكن بيدها حيله، فعلى ما يبدو ان الظروف جميعها تكالبت عليها كي تظهرها امام قاسم بوضع بائس حقير، حاولت تدارك الموقف كي لا يلتقط لطيف المعنى الآخر لكلامها، وقالت بسعادة:
_ خالتي لا تعلمين كم يعجبني هذا البيت الصغير، فما نفع البيت الكبير الفارغ من العاطفة والحب، لطالما تقت الي بيت صغير يجمعني بمن احب، وبالنسبة لأشيائي الكثيرة، فسوف اتشاركها مع سمر بالتأكيد.
هزت زوجة والدها راسها بامتعاض، فلم يعجبها رد ماسة على الاطلاق، فأجابت بضيق ساخرة:
_ وهل سيمنع حجم البيت الحب والعاطفة من دخوله، انتم جيل لا يفقه شيئا بالحياة.
امسكت ماسة بيد لطيف وسحبته للخارج:
_ تعال لأعرفك بوالدي!
ذهب لطيف برفقتها وقد استشعر بالسعادة المزيفة التي تتصنعها ماسة امامه، ولكنه لم يرغب بإحراجها اكثر مما فعلت زوجة أبيها:
_ ابي..! أعرفك الي لطيف، رفيق دربي في سنوات حياتي الماضية.
تصنع والدها السرور الزائف وهو يقوم بالترحيب بضيف ابنته:
_ اهلا وسهلا بك، يسعدني ان اقابل الاشخاص الذين احسنوا لابنتي في غيابي، وجود أشخاص مثلكم في هذه الدنيا يؤكد لي ان مازال هناك خير باق.
قالت لطيف بود وهو يرسم ابتسامة صغيرة:
_الشرف لي يا سيدي، فابنتك مثال للأدب والأخلاق، يسعدني ان اتعرف بك أيضا.
وجه والدها لها الحديث:
_ قدمي لضيفنا القهوة يا ابنتي...
قاطعه لطيف بأدب رافضاً:
_ لا تتعبي نفسك، فالسيد قاسم بانتظاري، علي الذهاب الآن.
رافقته ماسة الي الخارج وهي تشعر بأنها تودع آخر ذكرى من حياتها الماضية، كانت تشعر بانقباض في قلبها وكأن هناك امرا سيء سوف يحدث.
وقف لطيف في مواجهتها مترددا وقد بدا في جوفه الكثير من الكلمات، وبالرغم من انها تعلم بأن ما سيقوله بالتأكيد لن يعجبها، الا انها حثته على الحديث بلطف قائلة:
_ تحدث، نحن وحدنا ولا احد يسمعك.
قال لطيف بضيق من نفسه ومن قاسم، تمنى لو انه لم يكلفه بهذه المهمة الشاقة، ولكن لا يمكنه العودة الي قاسم دون ان يحمل ردها اليه:
_ اسف لأني مضطرا لقول هذا ولكنها اوامر قاسم، (هزت برأسها مبتسمة، لتشجيعه على الاستمرار، اخذ نفسا عميقا وتابع) طلب مني اخبارك بالاحتفاظ بأشيائك، فهو لا يريد اي شيء يذكره بك، وهو سيرحل الي تركيا ليتمم زواجه، ولن يعود ابدا الي هنا، وسوف يعرض البيت للبيع كي يتخلص من اي ذكرى او رابط يربطه بك.
راقبت ماسة رحيل لطيف بابتسامة لطيفة على وجهها، وبسكين عميق تغرس داخلها، اختفى لطيف من امامها وترك قلبها نازفا داميا خلفه، لا تعلم كيف تماسكت امامه، لا تعلم كيف احتملت ان تلتفت بهدوء وتعود الي غرفتها، وكأنها شبح هائم يتجول دون ان يلوي على فعل شيء، جلست فوق سريرها بينما كانت زوجة والدها تفقد اشيائها التي ارسلها قاسم وتثرثر دون توقف، حتى انها لم ترفع نظرها الي ماسة الشبه ميته، واستمرت زوجة والدها بالثرثرة بأشياء تافهة لا تفقه ماسة فيها اي شيء، استلقت فوق سريرها ودفنت نفسها تحت الاغطية لتهرب من نظرات زوجة اليها، ولكنها لم تنجو من ثرثرتها المتواصلة الى الحد الذي جعل ماسة تتمنى لو تفقد السمع مرة أخرى، فقد كانت متألمة جدا، شعرت وكأنها تنازع، لم تتوقع ابدا ان يتخلى عنها، اول شيء فعله بعد رحيلها هو التفكير بخطيبته، يا الهي كم كانت واهمة، تلك النظرات والهمسات التي كانت تراها وتسمعها منه ليست الا اضغاث احلام، خيالها رسم الحلم الجميل الذي طالما حلمته وعاشته وحدها، معتقدة ان هناك شرارة قد تشعل الحلم وتجعله يضيء ويشرق ويتحول الي حقيقة ساطعة، كم انتي غبية يا ماسة! لقد خدعتي للمرة الثانية على التوالي، ومن نفس الشخص، انها لسخرية القدر منها، فقاسم كيف سيحبها او يتمسك بها، فهي من عائلة وضيعة ولا تملك اسما ولا لقبا ولا مكانة، سالت دموعها بصمت فوق وجنتيها، لم تصدر صوتا كي لا تعاني تحقيقا صارما من زوجة والدها، عليها ان تكتم وتحتمل وتتألم بصمت، فعلى ما يبدو انها خلقت بصمت لتعيش بصمت وتموت بصمت وهل للصمت خيارا آخر غير الموت.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم