القائمة الرئيسية

الصفحات




 

الفصل الرابع والعشرون

الحقيقة القاسية

أمضت ماسة نهارها في التدريب على المسائل الفيزيائية المعقدة، وكانت تعرض جميع حلولها الي قاسم، الذي كان يعدل اخطائها وينبهها اليها، ويعيد شرحها لها، وفي نهاية اليوم ماسة كانت واثقة، من قدرتها على اجتياز الاختبار بجدارة، وقبل ان تخلد الى النوم، دخلت غرفتها ميرنا، كانت تبدو متوترة مترددة، لم تكن على طبيعتها أبداً، وماسة لم تنتبه لها طوال هذا اليوم أبداً لأنها كانت منهكة بالدروس، فمادة الفيزياء طالما كانت غريمتها اللدود، وهي الآن متحمسة جدا لدخول قاعة الاختبار في الغد، فهي تشعر بثقة عالية، ونفسية متفائلة، وكل هذا بفضل قاسم، ربتت الي جانبها تدعو ميرنا للجلوس قربها، جلست ميرنا على مضض، فقد بدا في جعبتها الكثير من الكلام، ولكنها كانت مترددة في قوله، او تخشى قوله، وبالرغم من ذلك، احتاجت ان تحدث ماسة به بشدة.

ماسة؟! ما السبب الحقيقي لوجودي هنا؟

عبست ماسة بشدة، فهي لم تفهم معنى السؤال او هدفه جيدا، أخرجت ماسة من تحت وسادتها دفتر ملاحظاتها، والذي دونت عليه كل شيء اليوم، وكتبت بسرعة:

ما هذا السؤال؟! ماذا أصابك اخبريني؟

نهضت ميرنا بسرعة وهي تشبك يديها بتوتر، وبدأت تقول بسرعة وقلق:

انا أشعر بالضياع، ماسة لقد لاحظت اشياء غريبة، منذ فترة لاحظتها، ولكن، اشعر الآن بأنها حقيقية، انا مشتتة ولا أعرف هل أصدق ما تراه عيناي، ام اصدق مشاعري، لهذا أتيت أسألك.

وقفت ماسة بسرعة واحتضنت ميرنا بقلق، ترى ماذا اصابها وماذا تعني، امسكتها من يدها بهدوء، واجلستها مرة أخرى الي جانبها، واشارت لها برقة:

اهدئي، اسأليني ما شئتِ، كلي آذان صاغية.

تنهدت ميرنا براحة، ابتلعت ريقها وبدأت:

انتي تعلمين بأنني معجبة بشقيقك، بل كل يوم يزداد اعجابي به، انت اخبرتني بأنه مرتبط، ولكني لم اراه يوما يحادث خطيبته، ولم يحدثني عنها أبداً، بل انه لايرتدي في اصبعه محبس خطوبة حتى .انا اشعر بأن خطيبته المزعومة تلك لا وجود لها أبداً، لدي شعور يخبرني بأنك خدعتني بهذا الشأن كي أبقى بعيدة عن قاسم، هل هذا صحيح يا ماسة، هل قمتي بالكذب علي بهذا الشأن، اجيبيني بصدق أرجوكي؟!

وللحظة وجيزة ادركت ماسة بأن ميرنا محقة، ان قاسم لا يأتي على سيرة خطيبته مطلقا، ولم تراه أبداً يوما يحادثها هاتفيا، او يراسلها، كما انه بالفعل لا يرتدي محبسا، هي تفهم مشاعر صديقتها، ولكن، لماذا فكرت بأنني قد اكذب عليها بهذا الشأن، ماذا سأستفيد انا لو كذبت؟! تنهدت ماسة بابتسامة لطيفة وكتبت بهدوء:

اقسم لكي بأني لم اكذب عليكي أبداً، وانا ايضا لاحظت ان قاسم، أبداً لا يأتي على سيرتها أبداً، ولكنه مرتبط بالفعل، ولا ادري سبب عدم ارتدائه لمحبس في اصبعه، غدا سأسأله بهذا الشأن ثقي بذلك.

تغيرت نظرات ميرنا من الرجاء الي الغضب، حالما قرأت كلمات ماسة المكتوبة وقالت بقسوة:

هل تسخرين؟! كيف تفعلين هذا بي؟! هل ترينني اضحوكة تتسلين بها انتي وشقيقك؟ ههه كيف تتوقعين مني ان اصدقك؟ كيف تكونين شقيقته ولا تعلمين سبب عدم ارتدائه محبس، او عدم تواصله مع الخطيبة التي اخترعتها؟

صدمت ماسة لردة فعلها المبالغ بها، وعادت لتكتب لها بسرعة تشرح موقفها، ولكن ميرنا سحبت القلم من يدها والقته ارضا، وأخذت تصرخ بقسوة وعيونها الباكية تؤلم قلب ماسة:

لا اريد منك تبريرا، يا الهي ماسة، هل تعرفين كيف أشعر؟ أشعر بأني مخدوعة مستغلة، لقد سخرتي مني انتي وشقيقك بما فيه الكفاية، لقد استغليتي وجودي انتي وهو لتغطي على ذنبكم الذي لا يغتفر، اتعتقدين بأنني لم الاحظ نظراته اليكِ؟! لقد بقيت طوال اليوم اقنع نفسي بأن هذه مجرد تهيؤات لكن الحقيقة واضحة كوضوح الشمس، نظرات قاسم اليك ليس نظرات شقيق لشقيقته أبداً، بل هي نظرات ذئب جائع يتحين الفرصة للانقضاض على فريسته، انتي جلبتني هنا كي تحمي نفسك من شقيقك، انت تعلمين بأنه يشتهيكي واحضرتني هنا كي تكبحي جماح مشاعره وتلزميه بالسيطرة عليها، او لربما أسوأ، ربما كي يزداد تعلقا ورغبة بكي وأنتي تختالين امامه بغرور وتمعنين في تعذيبه...

ماسة لم تحتمل سماع المزيد من كلمات صديقتها القاسية، ابتعدت بوجهها عن صديقتها، يكفيها ما رأته منها لحد الآن، لن تستمع اليها أكثر فهي قد دمرت سلامها النفسي ولحظاتها الهادئة التي حاولت ان تنعم بها، ولكن ميرنا لم ترحمها، فقد أمسكتها بقوة وادارتها اليها وتابعت بقسوة:

لا ماسة، استمعي إلي، انا لا اريد أذيتك اقسم لك، ولكن ما تفعلانه هو أثم كبير، انتما شقيقان ومشاعركما تلك خاطئة، ولكن أكثر ما يغضبني، هو استهانتك بالأمر، كيف تكذبين علي بشأن خطيبته، كيف تفكرين بغواية شقيقك، يا الهي ماسة هل تدركين حجم فعلتك؟!

ماسة لا تدرك شيئا أبداً، أرادت الصراخ بأعلى صوتها بأنه ليس شقيقها الفعلي، أرادت ان تعترف بحبها الجارف له، كم ارادت ان تفهمها بأنه هواءها وشمسها التي لا تغيب، ولكنها لم تفعل ذلك لأنها تعلم بأنه لا يحبها، لأنه تخلى عنها وارتبط بغيرها، حتى دون ان يوضح لها سبب هجره لها، ولربما كان ارتباطه بتلك الطريقة كي يوجه لها رسالة صامته، بأنه لم ولن يحبها، وعليها أن تبقى بعيدة عنه، ولا تحاول التقرب منه بأي طريقة، لا ميرنا كيف نكأت جراحها ورشت فوقها الملح، لا تعلم كم آلمتها كلماتها، وجعلتها تواجه الحقيقة المرة التي بذلت جهدا خارقا كي تتناساها ولا تفكر بها، ماسة وضعت يديها فوق أذنيها وأغلقت عيناها بشدة لا تريد أن تعرف لا تريد أن تسمع او ترى، كل ما ارادته البقاء وحدها، وانطلقت صرخاتها قوية مدوية صاخبة، أذهلت ميرنا التي تركتها بسرعها وابتعدت مصدومة تراقب دموع ماسة المنهمرة كالشلال، هبطت ماسة فوق الارض محبطة يائسة باكية تضرب الأرض بيديها، تندب حظها، ولا تجد من تشكو له همها.

اندفع قاسم الى داخل الغرفة وصدم من هول المنظر، فبحياته لم يرى ماسته منهارة بهذه الطريقة، اتجهت نظراته الي ميرنا المحدقة بماسة بذهول، والتي لم تجرؤ على قول كلمة واحدة، أمام منظر ماسة الذي يلامس شغاف القلب ويجعل الحجر القاسي ينطق مشفقا على حالها، اسرع قاسم اليها، يحتضنها بين ذراعيه، يحاول ان يمسح دموعها ويخفف عنها، دون أن يفهم سببها، ونظراته المتسائلة منصبة فوق ميرنا تطالبها بشرح ما أصابها.

نظرت ماسة اليه من خلال دموعها، لماذا هو هنا، انه سبب حزنها وتعاستها، سبب عنائها وشقائها، انه سبب كل مرٍ وحلوٍ صادفها، كيف يمكنه أن جنتها وجحيمها في نفس الوقت، شهقت متألمة وهي تدفعه بعيدا عنها، وركضت الي الباب تمسكه بيديها مشيرة لكلاهما بالخروج من غرفتها وتركها وحدها، غادرت ميرنا على الفور، بينما بقي قاسما متسمرا في مكانه يراقبها بأسى، حاول الاقتراب منها فأوقفته بيدها، واشارت بحزم من خلال دموعها الي خارج غرفتها، عيونها الدامعة البائسة كغزال جريح تتوسله بأن يبتعد ويتركها وشأنها، تنهد قاسم باستسلام، و بخطوات مترددة بطيئة خطا خارج غرفتها لتسارع بإغلاق بابها بقوة واحكام قفله بالمفتاح، اصاب قاسم اليأس الشديد، شعر وكأنه طرد من الجنة واقفلت الابواب في وجهه .واتجه بخطوات سريعة غاضبة الي حيث توجد ميرنا.

استندت ماسة الى بابها تلتقط أنفاسها بصعوبة واتجهت بخطوات يائسة متخاذلة الى سريرها ألقت بنفسها وتدثرت بفراشها وتابعت وصلة بكائها الحزينة بصمت بائس.

يتبع...

تعليقات

التنقل السريع