لفصل الثالث والعشرون
لن يتخلى عنها ابدا🥰
نزل السلالم يتهادى بخفة، كانت ميرنا تجري محادثة على الهاتف، بينما ماسة منكبة على دروسها تقرأ وتدون ملاحظاتها، وتمسك بين أسنانها ساندوش صغير قامت باعداده من المائدة المرصوصة أمامها.
تقدم منها دون أن تشعر به، وباغتها بسحب الساندوش من فمها وعلى الفور قضم قطعة كبيرة منه داخل فمه أمام نظرات ماسة المصدومة، وحالما رأت اختفاء طعامها داخل فمه الكبير، جن جنونها وأخذت تشوح بيديها بحنق وغضب، فاندفع قاسم هاربا منها، في ارجاء الصالة، وهتف ضاحكاً بإغاظة:
- مهلا، على رسلك أيتها الشرسة، ألم تقومي بدعوتي لتناول الطعام؟!
جعدت ماسة وجهها متذمرة غاضبة، وأشارت له بغيظ:
- دعوتك للمائدة وليس لسرقة طعامي.
اختبأ قاسم خلف الستارة متفاديا لكماتها الصغيرة المندفعة نحوه، وأخرج رأسه ليقول مستظرفاً:
- وكيف سأتأكد من أنكِ لم تضعي السم لي في طعامي، كان يجب ان آكل مما تأكلينه كي أضمن حياتي.
ذلك الأحمق، كيف يختطف من فمها الطعام ويأكله دفعة واحدة، فقد كان في فمها هي، ذلك الغبي المقرف، وكي تخفي احراجها الذي تغلغل داخلها، سمحت لغضبها أن يتملكها كي لا يلاحظ ما سببه لها من احراج أمام ميرنا التي أغلقت هاتفها وأخذت تراقبهم بغموض.
أشارت ماسة بحنق:
- لو كنت انوي قتلك، لما كان السم احد خياراتي، كنت سأستخدم وسيلة أشد فتكا وألماً، كي تليق بمقامك الرفيع.
تظاهر قاسم بالبؤس وقال يستدر عطفها:
- يا الهي، من أين أتيتي بكل هذه القسوة، بدأت أخاف منك حقاً.
نفخت ماسة بقوة، جعلت خصلة متمردة، هاربة من ربطة شعرها المحكمة تطير من فوق حاجبها لتستقر جانباً، وأشارت بيدها مستسلمة:
- لا فائدة!
عادت لتجلس الى المائدة وأشارت لميرنا التي كانت متسمرة تراقبهم بعبوس ان تجلس لتتناول طعامها، وحذا قاسم حذوها وجلس قبالتهم وقد ارتدى قناع الجمود، وقال بحزم:
- يجب أن تعطي كل ذي حق حقه، فلنفسك ايضا لديه حق، لا تخلطي وقت الدراسة بالطعام أو العكس، فأساس التركيز السليم يأتي من التغذية السليمة.
وجه نظراته الي ميرنا التي كانت تعبث بطعامها بضيق:
- أليس كذلك ميرنا؟!
ارتفعت نظرات ميرنا لتحدق به بغرابة، ومن ثم هزت رأسها مهمهمة بالموافقة، وأشغلت نفسها بتناول طعامها بهدوء.
في غرفة المكتب جلس قاسم يراقب ماسة وهي تحاول حل مسألة معقدة كان قد شرحها لها، لم يقم باستعجالها أبداً، فمراقبته لها كانت بمثابة بلسم لروحه، ودواء لجروحه، فقد وجدها فرصة سانحة ليحفر ملامحها الجميلة داخل ذاكرته، كان شعرها الحريري معقودا فوق رأسها على شكل كعكة مستديرة، وقد تطايرت بعض الخصلات المتمردة من ربطتها المحكمة، لتنسدل فوق عنقها الغض وخلف أذنيها الصغيرتين، وخصلة وحيدة ظلت تتهدل فوق جبينها كلما حاولت ثنيها او تثبيتها خلف أذنها، تعود بعناد واصرار لتستقر فوق جبينها، كانت أشبه بلوحة فنية نادرة يتمنى أمهر الفنانين والهواة لو كانت ماثلة امامهم لرسمها، انحدرت نظراته الى عنقها الطويل وراقب نبض عروقها الرقيقة تحت جلدها الناعم، وراح يتخيل قلادة من الماس تحيط بعنقها الشفاف، وأجزم بأن القلادة لن توازي جمال ماسته الثمينة ولمعانها في عينيه.
كانت ترتدي قميصا أحمر فضفاض يصل الي اسفل خصرها النحيل، كانت محتشمة جدا بوجوده، فقميصها محكم الاغلاق بأزرار حمراء يانعة من عنقها وحتى خاصرتها، فقد حرصت على ظهورها أمامه بهذا الاحتشام المبالغ فيه، كي لا تثير غرائزه التي تثار فقط من النظر الى عينيها البريئتين، وتذكر تلك اللحظات القصيرة التي كان يفاجئها بها بملابس نومها الخفيفة ذات القبة الواسعة والاكمام القصيرة، تذكر ارتباكها وحرجها واختبائها عن نظراته تحت اغطيتها البغيضة، تذكر كم كانت تثيره تلك الحركات البريئة وتفقده صوابه، وراح يتعمق في التفكير بتلك القبلة الصغيرة التي أختطفها منها رغما عنها، كان يعلم بأنه لا يجب عليه ان يتطرق لتلك الافكار المتطرفة في هذه اللحظة ولكن، مشاعره التي كبتها طويلا لم يعد باستطاعته احتمالها اكثر، فهو يريد منها اكثر من ذلك يريد ما هو حقه وملكه دون ادنى حد او شرط، فجأة، تبدلت ملامح ماسة من العبوس والتفكير الي ابتسامة واسعة مشرقة، وخبطت اقدامها بالأرض بحماسة وهي تصفق بيديها، كان قاسم يراقب قسماتها الرائعة بذهول، لقد سلبت لبه بابتسامة، منذ صغرها وتلك الابتسامة تشل حواسه وتجعله غير قادر على التفكير او التركيز، تلك الابتسامة هي شمسه الساطعة، التي تذيب قلبه الجليدي، وتسقط حصونه دون هوادة، نهضت ماسة بسرعة واقتربت منه تعرض عليه الحل الذي توصلت اليه في النهاية، وتتحداه ان يكون الحل خاطئا، فهي تفحصت وتمحصت، وحاولت شتى الطرق وبالنهاية حصلت على هذه النتيجة، نظر قاسم الى خطوات الحل التي قامت بها، ومن خطوات الحل تأكد بأنها فعلا توصلت الي النتيجة الصحيحة، ولكن لم يظهر هذا على قسماته التى كانت ماسة تتابعها بترقب، واعتلى العبوس ملامحه وهو يضع الورقة من يده ونظر اليها متنهدا، زفرت ماسة باستسلام، واشارت بيدها معترضة.
هذا مستحيل، كنت واثقة من انني توصلت الي الحل الصحيح.
القت بنفسها فوق مقعدها يائسة تحت نظرات قاسم المتمعنة، وأشارت:
انا استسلم، الفيزياء ليست مجالي، من المستحيل ان أفلح بها أبداً.
وقف قاسم ودار حول مكتبه، سحبها من يدها لتقف بمواجهته، وقال وهو يشدد على كل حرف يقوله:
لا تخاذل، لا استسلام، هذه الكلمة لا اريد سماعها أبداً، وأنتي لن تكرريها أبداً، هل هذا واضح؟
ابتسمت ماسة باستظراف وأشارت له بخفة:
اطمئن، أؤكد لك بأنك لن تسمعها مني أبداً، لأني لن انطق أبداً بها فأنا بكماء.
لا يدري لما شعر وكأن سكين حادة غرست عميقا داخل قلبه، فهو في احلامه، لا يسمع سوى صوتها ولا يرى غيرها أبداً، بل ان من مخططاته بعد اعلان زواجه بها ان يعرضها على بعض الاطباء ليعرف ما سبب عجزها عن الكلام، لم يفكر بها أبداً على انها بكماء او اقل قدرا من غيرها من الفتيات، اخذ نفسا عميقا، وهو ينظر الى وجهها المبتسم بلطافة وكأن الأمر لا يعنيها، وقال بحزم:
كرري ما اشرتي به الآن مرة أخرى، وأؤكد لك بأنك سوف تندمين أبداً.
لماذا هذا الغضب الغير مبرر، ان قاسم رجل مزاجي متناقض، وهي لن تفهمه يوما، انتزعت نفسها من بين يديه وامسكت اجابتها الخاطئة، ووضعتها أمام عينيه، واشارت بنفاذ صبر.
ماذا سأفعل بهذه الورطة، كيف سأتجاوز هذه المادة البغيضة، ان غبائي لا حدود له.
ابتسم قاسم برقة قائلا:
تلميذة القاسم يستحيل ان تكون غبية، فلا وجود لكلمة غباء في وجودي، لقد احسنتي، اجابتك صحيحة مئة بالمئة، لا يوجد لديكي أخطاء.
اتسعت عيناها بصدمة، ومن ثم اخذت تقفز بسعادة بعد ان ادركت ما قاله، ودون ان تحسب حساب لتصرفها، قامت بعفوية بتقبيله فوق وجنته، وشكرته بخجل واختفت من امامه بلمح البصر، وبقي هو متسمرا في مكانه، يتحسس موضع قبلتها بذهول وسعادة، وهمس بينه وبين نفسه.
وكيف لا اقع بغرام هذا الكائن.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم