القائمة الرئيسية

الصفحات




 

الفصل الثاني والعشرون

خيوط الماضي

في صباح اليوم التالي، اعدت ماسة نفسها لتأخذ الدروس التي اتفقت عليها مع قاسم، ذهبت الى غرفة ميرنا كي تدعوها لإفطار سريع اعدته قبل ان تنغمس بالدراسة، ولأنها ارادت وجود ميرنا بينهم كي تشعر براحة اكثر وكي يجد قاسم رادع ان فكر بأمور غير لائقة، وحينما تأكدت من استيقاظها تماما ذهبت لإيقاظ قاسم، طرقت الباب وفتحته بعد ثلاث طرقات صاخبات، كان ممدا بنفس الملابس التي بدلها بالأمس ولكنه لم يتحرك من مكانه فقد بقي ساكنا وكأنه ينتظر اقترابها منه، عادت ماسة لضرب الباب بقوة وراقبت تململه وتأففه، حالما رفع نظره اليها ووجدها واقفة بالباب بصرامة ونظرات حازمة، هتف ضاحكا:

صباح الخير ايتها الشرسة، ما هذا الصباح الصاخب؟

اشارت له بيديها بسرعة وهي تتراجع للخارج:

لقد اعددت وجبة افطار سريعة، لا تتأخر يا استاذي العزيز والا اعفيتك من مهامك.

واستدارت عائدة الى حيث ميرنا تنتظرها.

ابتسم قاسم وهو ينهض بحماسة ونشاط، سيبدأ عهدا جديدا مع ماسة فقد حان الوقت لإصلاح سوء الفهم الذي حدث بينهم، بعد انتهائها من الإختبارات لن ينتظر دقيقة واحدة، فهو بالفعل بدأ بإجراءات السفر، حالما تنتهي سوف يغادر برفقتها الي تركيا، لا يوجد مجال للانتظار أكثر، فما توقعته والدته قد حدث، فقد ظهر والدها مطالبا بعودتها الى كنفه، لا يعلم كيف يتصرف، فقد عرض عليه المال مقابل تركها وشأنها، الا ان الرجل الخبيث اعترض ولم يوافق بحجة ان الشخص الذي قام بإبرام الاتفاق معه قد توفى، وان ابنته لا يجب ان تبقى في منزل شخص غريب لا يمت لها بصلة، فهو بالنهاية ليس شقيقها الحقيقي، وقد تأكد قاسم بأن هذا الرجل اذا اتجه الى القضاء فسوف يكسب القضية لا محالة، بالرغم من انه يملك ما يثبت أنه الأحق بوجودها معه، ولكنه لن يضغط على ماسة، ويحملها فوق طاقتها فقط لان عائلتها المحتالة ظهرت من العدم، سوف يتوصل لطريقة مسالمة دون ان تشعر ماسة، ويحل هذه المعضلة بهدوء، تنهد قاسم بضجر وهو يتذكر ما حدث بالأمس، فقد أتاه شقيقها المزعوم، كان في البداية هادئا مغرورا واثقا بنفسه، وكأنه أتى وهو على يقين تام بأنه سيحصل على ما اتى لأجله، بكل نزق بدأ حديثه:

أنت لا تعرفني بالتأكيد، ولكني أعرفك جيدا، فقد سألت وبحثت وبعد ان تأكدت أتيت اليك؛ لنضع الامور في نصابها.

عبس قاسم مستفسرا:

أخشى أنني لم أفهم حديثك، أرجو أن تكون أكثر وضوحاً.

ابتسم بسخرية وهو يعبث بأصابعه:

ماسة، شقيقتي الصغيرة، أنا هنا من أجلها.

لمعت عينا قاسم بغضب خفي، فقد مر بعقله الكثير من الردود، وقد كانت على طرف لسانه، لولا خوفه على ماسة لأطلق العنان لمشاعره المهتاجة لتسيطر على تصرفاته، وتتحكم به.

قال قاسم ببرود:

- لا يوجد لماسة أشقاء غيري على حد معرفتي، لذا أعتقد بأنه لا داعي لخوض نقاش عقيم في هذا الموضوع.

ارتفع حاجبا صالح باستخفاف وقال بغرور تاق قاسم لتحطيمه وتحويله إلى أشلاء.

- يا رجل! إنه ليس نقاشاً عقيماً بالتأكيد؛ فوالدي أمضى حياته نادماً على تفريطه بها، وأخبرني بأن الإتفاق كان مع والديك، والآن بعد رحيلهما؛ لا يوجد أي داعٍ لوجودها بينكم، عليها أن تعود إلى حيث تنتمي.

وقف قاسم بهدوء ودار حول مكتبه إلى أن أصبح أمام صالح الذي شعر بضآلته داخل مقعده الجلدي الوثير، ولمح قاسم في عينيه توتره الشديد وتأكد بأنه ليس بهذه الثقة التي يحاول إظهارها، فهو جبان ضعيف من الداخل.

ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق شفتي قاسم القاسيتين وانحنى ليصبح وجهه مقابلا لوجه صالح، وقال بنزق ونظراته تخترق عيني صالح بعمق.

- ماسة موجودة حيث تنتمي، والدك خسرها منذ أن أبرم العقد مع والدي، والدك العزيز لا يوجد له أي حق عليها.

استقام قاسم وهو يستدير ليعود إلى مقعده الجلدي الدوار الفاخر وقال بحزم:

- غادر، وأخبر والدك بأن ينسى أمر ماسة إلى الأبد فقد عاش اثنى عشر عاماً دونها ولم يبق في عمره أكثر مما مضى، أرجو ألا أراك مرة أخرى.

كانت ثورة صالح مضحكة أكثر مما هي منفرة، فقد نهض عن مقعده بشدة وأخذ يتهدد ويتوعد قاسم بأنه إن لم يمتثل لمطلبه سوف يناله السوء، راقبه قاسم ببرود ولم ينبس ببنت شفه وبضغطة زر واحدة اندفع رجال الأمن ليسحبوا صالح ويلقوا به خارجاً.

قاسم كان على علم بأن الأمر لن يقف الى هنا، فقد أتى بعد أقل من ساعة من رحيل صالح، رجل كبير السن، بدا في السابعة والخمسين من عمره وطالب برؤية قاسم، وحينما قابله قاسم، اتضح له انه والد ماسة المزعوم.

كان الرجل مهندما دون اناقة، حليق الذقن مصبوغ الشعر، كانت نظراته لا تبعث على الراحة أبداً، فقد جالت في انحاء المكتب، متمعنة متفحصة، وكأنه يخطط بطريقة للسطو عليه أو ربما أسوأ.

راقبه قاسم بضيق واشمئزاز ظهر جليا فوق قسماته الحادة، وقد أدرك بأن هذا الرجل يمكن شراءه فعلاً فهو لم يتغير أبداً عما وصفته والدته به، فما زال ذلك الجشع الخبيث الذي باع ابنته من اجل المال دون أي شعور بالذنب، شعر قاسم بكره شديد حياله، حالما تراءى في مخيلته وجه ماسة البريء الباسم، فقد شعر بالهالة السلبية التي احاطت المكان بوجوده، فكر قاسم بأنه لن يستطيع التخلص من هذه العائلة الجشعة بسهولة دون ان تطال ماسة سمومهم، لذا رحب بالرجل العجوز واستقبله داخل مكتبه بأدب جم، فلأجل عين تكرم مرج عيون، وهو لا يرى سوى عيون محبوبته الغالية.

بدأ صابر حديثه متظاهرا بالحكمة مرتديا ثوب الوقار.

- والديك رحمهما الله كانا نعم الخُلق والأخلاق، فبحياتي لم أرى لهما مثيلا، والله على ما أقول شهيد، فقد تركت طفلتي الغالية برعايتهم وأنا على ثقة بأنها ستكون على أفضل حال مما ستكونه معي، لم يكن بإمكاني رعايتها جيدا بسبب فقري و ضعفي، فقد عانت طفلتي المسكينة الأمرين، ولم أستطع تعويضها غياب والدتها الراحلة، لكن، ظهور السيدة حنان في حياتها كان بمثابة معجزة من الله سبحانه وتعالى، و الآن يا بني أنا رجل كبير و مقتدر أستطيع العناية بابنتي، صدقني لم أكن لأظهر في حياتها مجددا لو انها ما زالت في كنف السيدة حنان، أقسم لم تكن لتراني ماثل أمامك أبداً، ولكن انت بالتأكيد لن تقبل أن تعيش ابنتك في بيت رجل غريب لا يمت لها بصلة أبداً، فهذا محرم في شرع الله، وذنب عظيم لا يغتفر.

كان قاسم يستمع بصبر بالغ، وانتظر بهدوء الى ان انتهى صابر من حديثه المتملق والذي لم يلامس أعماق قاسم نهائيا، فبحياته لم يصادف اناس مكشوفين جدا غاية في الخبث لدرجة ان يرى بوضوح النية الحقيقية التي يخفيها داخله، قاسم لن يشعر أبداً بالاطمئنان أو الأمان، على ماسته في كنف هذا النوع من البشر.

قال قاسم مؤيدا كلام صالح بهدوء:

- بكل تأكيد، انت محق فيما تقول، لا يمكن أبداً مخالفة شرع الله، ماسة نشأت على الاخلاق الحميدة، والتربية الدينية الصالحة، لذا بإمكانك الاطمئنان جيدا عليها، فهي بأمان تام معي، وبالنسبة لكوني رجلا غريباً عنها، فهذا الأمر لن يدوم طويلا.

عبس صابر متسائلا:

- لم أفهم، ماذا تعني؟!

ابتسم قاسم وأجاب بهدوء وثقة:

- أنا وماسة، سوف نتزوج.

وحالما سمع صابر كلمات قاسم، ثار حنقه و زال قناع الحكمة والوقار الذي قام بوضعه، وصاح بثورة عارمة:

- ماذا تعني؟! ألا يفترض أنك شقيقها، كيف تفكر بالزواج منها، كيف تجرؤ على تجاوز حدودك معها، وتجاوزي أنا؟! والدها!؟ أنا لن أقبل بهذا الزواج أبداً.

اتبع كلماته الأخيرة بضربة عنيفة بقبضته فوق المكتب بقوة.

أمعن قاسم النظر إلى صابر بهدوء، انه لا يروق له أبداً، فقد حاول احباط حجته ليرى ردة فعله، وقد أتت كما توقعها تماماً، هدف صابر ليس استرجاع ابنته أبداً، سبب وجوده هنا في مكتبه لا علاقة له بحبه لابنته او خوفه عليها، وبالرغم من ذلك، قرر قاسم أن يجاريه، فهو لا يريد ان يطال بطشه محبوبته البريئة.

- ما عاش من يتجاوزك يا عمي، فأنا ابن أصل و أفهم الأصول تماما، لذا؛ أنا أتقدم رسميا بطلب يدها منك، وأنا على استعداد ان ادفع لك المهر الذي تطلبه، بعد موافقتك ومباركتك لزواجنا بالطبع.

راقب قاسم تبدل ملامح صابر من الذهول الى الادراك الى الجشع ومن ثم محاولة تدارك الأمر والتظاهر بأبوته الزائفة لماسة، وخوفه المعدوم عليها .وقال بنفاق واضح:

- أنا لا يمكنني اجابتك دون رؤية ابنتي والتحدث معها بهذا الشأن، فموافقتها على الزواج منك شرط أساسي كي اوافق انا، وبالتأكيد اذا وافقت لن اقف عائقا أمامكم.

لمعت عينا قاسم بانتصار، وتنهد براحة وهو ينهض من مكانه ليجلس مقابل صابر وقال بحماسة ولهفة:

- اتفقنا إذن، ماسة الآن مشغولة بالاختبارات النهائية ولا رغبة لي بإزعاجها بشأن هذا الأمر، لحين انتهائها، بعد ذلك سنرتب موعدا للقائكم ونتحدث بهذا الشأن ونحسم الأمر.

خرج والد ماسة راضيا مسرورا بعد ابرام هذا الاتفاق، بينما قاسم شعر بهموم الدنيا وقد تراكمت فوقه فماسة لم تعلم بعد، بموت والديه، فكيف ستتقبل فقدان والديها، وزواجها منه في آن واحد، لن يكون الأمر سهلاً أبداً، واعتراض صالح لطريقه أثناء عودته مساء الأمس برفقة ثلاثة من اصدقائه الفاسدين، جعله يتأكد من أن خططه بشأن ماسة سوف تبوء بالفشل لا محالة، وكل ما حاول ان يجنبها اياه سوف يصيبها دون رحمة او رأفة بحالها.

تكاثر صالح واصدقائه عليه، وحاولو تقييده وضربه ضربا مبرحا، الا ان قاسم كان اقوى و أضخم منهم، فلم يستطيعو مجابهته أبداً، بالرغم من انهم اصابوه عدة اصابات طفيفة، بالكاد أثرت عليه، وقبل ان يلوذو بالفرار، صرخ صالح مهددا متوعدا:

- هذه ليست النهاية يا قاسم، فماسة لن تكون لك أبداً، والايام بيننا.

ومن هنا نبع خوف قاسم الشديد على ماسة، فهو لا يمكن ان يفارقها أبداً، فذلك الوغد قد يقوم بأذيتها بأي شكل من الأشكال، ومن المستحيل ان يستهين بتهديد صالح، فإن فعل ذلك كأنه وضع حياة ماسته على المحك، وكيف لماسته ان تتعرض للأذى وهو على قيد الحياة يتنفس.

يتبع...

تعليقات

التنقل السريع