الفصل الواحد وعشرون
سعت لحتفها بقدميها
فوجئت به يخرج من دورة المياه وقد لف على خاصرته منشفة سوداء كسواد حظها، هي ارتبكت وردة فعلها الغبية ابت واستكبرت ان تنقذها من هذا الموقف السخيف، بينما هوتسمر مكانه، محدقا بها، يكاد نفسه ينقطع بسبب ضربات قلبه المتسارعة.
فكرت ماسة وهي تراقب قطرات المياه المتساقطة من شعره فوق عضلات صدره الصلبة، (من اين اتت هذه العضلات) لم تدرك ماسة بأنها تكتم نفسها ولكن ارتفاع حاجب قاسم بتساؤل عن سبب وجودها، جعلها تدرك ذلك، كما انها ادركت انها الإنسان المناسب في المكان الغير مناسب، ودون حتى ان تحاول شرح موقفها، ركضت بسرعة نحو الباب تريد الهروب من امامه، وتعود لملاذ غرفتها الآمن، ولكن جسد قاسم الصلب سد طريقها وحال بينها وبين وصولها الى الباب، تنفست ماسة بقوة وهي تتراجع خطوتان للخلف متفادية ارتطامها بجسده العاري، وركزت نظراتها فوق قدميها حيث تقف، فالنظر اليه بهذا الشكل ليس لائقا بها أبداً .
أشارت له بيديها دون ان تنظر اليه:
سأعود بعد ارتدائك ملابسك.
واتبعت قولها بالفعل، فخطت خطوتان باتجاه الباب آملة ان يفسح لها الطريق لتخرج، ولكنه بقي واقفا في مكانه لم يحرك ساكنا، اغلقت عينيها بشدة وهي تكز على اسنانها، استحق ذلك، فأنا الغبية الوحيدة الملامة هنا على تصرفها، رفعت نظراتها اليه ببطىء و أشارت له بيديها معتذرة:
أسفة، سأنتظرك في غرفة المكتب لنتحدث.
كان النظر اليه صعبا جدا وهو على هذا الوضع، اللعنة، كان عليها التفكير الف مرة قبل اقتحام غرفته، ولكن قد فات الاوان، وعليها الآن احتمال نظراته الساخرة التي يرميها بها، اللعين انه يستمتع بكل لحظة، قال بتشدق وهو يراقب عينيها و ضغط اسنانها على شفتيها، والذي يدل على مدى توترها وارتباكها:
بإمكانك اخباري بما تريدينه الآن، فلا نية لي للنزول الى المكتب.
هزت رأسها موافقة، وابتسمت باستخفاف، ومن ثم أشارت وهي تحاول جاهدة ان تتجنب نظراته وجسده الماثل امامها دون اي سوء او حرج:
ما اريده ليس مهما على الاطلاق، دعنا نتحدث في وقت آخر.
مهما حاولت لان تجعل الامر سهلا فهو لن يجعله سهلا عليها على الاطلاق، اذ انه احكم اغلاق باب غرفته، واتجه الي مقعد وضع بجانب الغرفة وقال ساخرا، وهو يجلس واضعا ساق فوق أخرى:
اتوق لسماع ما هو بنظرك ليس مهما على الاطلاق، كلي آذان صاغية، تكلمي.
اللعنة، حسنا، ستخبره بما تريد وتذهب، وهنا تذكرت، هي بالفعل لا تعرف ما تريد، هي أتت لتبحث عن ميرنا، فقد جلبتها افكارها السوداوية الي هنا، ابتلعت ريقها واشارت بكل بساطة، آملة ان ينتهي الأمر بسلام.
كنت ابحث عن ميرنا.
التمعت عيناه بغضب خفي، حاول جاهدا كتمانه ولكنه ظهر جليا في عينيه، وأكدت لها ذلك عظمة خده التي اخبرتها كم يمارس من جهد ليكتم غيظه، فكرت ماسة بأسى، كيف يقولون ان قول الحقيقة هي حبل النجاة، او ايعقل انها حبل نجاة الاخرين، وبالنسبة لي حبل مشنقتي، لقد انتهيت.
قال قاسم وهو يمارس على نفسه أشد انواع الكبت، وبدا واضحا انه لن يتهاون بالأمر:
وهل..وجدتها؟!
ابتلعت ماسة ريقها بصعوبة، ولاحظ قاسم عنقها الطويل وكيف تحركت عروقها اثناء ابتلاع ريقها، وفكر بثورة عارمة في داخله، (الخوف لن يشفع لكِ أبداً، فقد سبق السيف العزل).
هزت ماسة رأسها بارتباك، نافية سؤاله ونافية افكارها الغبية المتدفقة، واشارت بسرعة تريد الهروب من سوء الموقف، فقد تأخر الوقت وعليها ان تراجع دروسها وانظرو الى الموقف السخيف الذي وضعت نفسها فيه، يا الهي كيف فكرت بهذا، لقد ظلمته وجرحت مشاعره وعليها ان تتدارك الامر بسرعة، كي تخرج بأقل الاضرار النفسية والجسدية:
لقد فكرت بسخافة فلتعذرني ارجوك، سأعود لمتابعة دروسي، (وأشارت الي المفتاح بيده، وتابعت بتوسل لذيذ في عينيها)اذا سمحت لي!
شيء في عينيه أنذرها، بأنها سخافة لن تغتفر، وهي لم تعد تحتمل هذا الموقف وهذا المكان وان لم تهرب الى ملاذ غرفتها، سوف تفقد اتزانها، وسيكتشف مدى خوفها منه.
ولكنك نسيتي دورة المياه، ألن تبحثي داخلها، ربما هي مختبئة بالداخل تنتظر رحيلك.
اتسغت عينا ماسة بصدمة، هو لا يعني ذلك بالتأكيد، ولكن نظراته المترقبة الغامضة المنصبة فوقها بانتظار خطوتها التالية، انبأتها بأنه، يحاول استفزازها ليس الا، انبأتها بمدى غضبه لتفكيرها السيء به، و للامانة هي لم تجرؤ على الوصول بتفكيرها الى هذا المدى، فهي بالرغم من تحرر صديقتها، الا انها تثق بها كثيرا، وتعلم جيدا بأن تحررها ليس الى الحد الذي يسمح لها بإقامة علاقة محرمة، فكل ما كانت تفكر به بأن صديقتها قد تأمل بأقتاعه انها الخيار الافضل والأمثل له من خطيبته الغائبة، ولكنها أبداً لم تصل بتفكيرها الى المدى الذي وصل اليه هو، رفعت يديها بإدراك لحجم الورطة التي وضعت نفسها بها.
أعلم بأنها ليست بالداخل، أريد العودة الى غرفتي!
أتت كلماتها الاخيرة يائسة متوسلة رغما عنها، واقتربت من الباب آملة ان يقوم بفتحه لأجلها، رفع نظراته للحظة الى السماء ومن ثم زفر بحدة وهو ينهض من مكانه بنفاذ صبر، واتجه اليها بخطوات هادئة بطيئة ومع كل خطوة يتقدم بها نحوها كانت تزيد التصاقها بباب نجاتها الذي كانت تأمل لو يفتح من تلقاء نفسه كي تطلق قدميها كالريح هاربة الى ملاذ غرفتها الآمن .وبدلا من ان يقوم بفتح الباب لأجلها، ارتكز على باب غرفته، واصبحت محاصرة بين جسده وبين الباب لا تستطيع الهرب ولا تستطيع الصراخ، كل ما كانت تفعله هو التقلص في مكانها كي تتفادى ملامسته وتنأى بنفسها عنه.
ماذا تعتقدينني؟! (لم ترفع نظرها اليه وبالطبع لم تعرف ما قال، امسك بذقنها كي يرفع رأسها المنحني لتقابل نظراته، اليائسة، وقال بصوت معذب لم تسمعه ولكنه وصل اليها خلال نظراته اليائسة، ولفحتها حرارة انفاسه الدافئة) هل تختبرين صبري؟!
ضربات قلبها المتسارعة صمت أذنيها، انها مازالت تعشقه، بل تحبه بجنون، لا سفره ولا نبأ خطبته، ولا صرامة مجتمعها وظلمه، أثناها او منع قلبها عن النبض بحبه، قاسم بكل مزاياه وعيوبه، احبته دون زيادة او نقصان، ولا تعلم الى متى سيستمر هذا الحب مدام لن يبادلها حبا بحب، كيف ستنتزعه من قلبها، وهو يحاول الالتصاق بها بكل فرصة تسنح له، لا يوجد لها خيار سوى الابتعاد وهذا ما تنويه وتخطط له مستقبلا، فضعفها بوجوده ارهقها، وتراجعها عن كل قرار اتخذته بسببه أحبطها، لا يمكنها ان تستمر معه على هذا المنوال تحت سقف واحد.
أملت ان يكون سبب وجودك امامي هو رغبتك بالاطمئنان علي، ولكن قد خاب ظني، فأنتي تظنين بي أسوأ الظنون، تشعرينني بأنني غريب عنك، وكأننا لم نكن يوما مقربان، وكأنك لم تعرفيني أبداً.
أجل انا لا اعرفك، اعتقدت اني أعرفك، كنت واثقة منك بالفعل، فقد آمنت بك قبل ان تفارقني، وأملت حينما تعود، ان تعود مثلما كنت، ولكنك تغيرت، تغيرت كثيرا، لدرجة أن اكتشف، بأن الشخص الذي عرفته و آمنت به لم يكون له وجودا سوى بأحلامي...ابتعدت ماسة عند يده الممسكة بذقنها، وقد فقدت الامل من ان يفتح لها الباب لتخرج بهذه اللحظة، لا بأس سوف تسايره، لن تثير حفيظته ولن تفقده صوابه، ولن تدع ذلك المشهد لتلك القبلة المحرمة ان يتكرر، انحنت لتخرج من حصاره ووقفت أمامه تشير بيدها.
انا فعلاً أتيت للاطمئنان عليك، هلا ارتديت ملابسك و جالستني قليلا، ارجوك!
عبس قاسم مفكرا، انها تتبع معه تكتيكا جديد، انها تحاول ترويضه، واخضاعه، انها بدأت تعرفه أكثر من نفسه، واذا كانت تعرفه كيف جرؤت على التفكير به على هذا النحو السيء، أمعن النظر اليها، الي شفتيها المرتجفة، وعيناها الدامعة المتوسلة، وارتعاش جسدها الهش الهزيل، وانتبه فعلا الى مدى ضعفها وبراءتها، وسذاجتها، يا الهي، كيف فكر ان يفتك بها ويصب جام غضبه عليها، كيف فكر ان ينتهكها حتى تستسلم تماما له، كيف يسمح لشيطانه بأن يسيطر عليه ويتحكم برغباته، كيف له ان لا يرى كم هي خائفة مرتعبة منه ومن مشاعرها نحوه، استدارت ماسة لتحدق خارج النافذة على امل ان يستجيب قاسم لطلبها فيبدل ملابسه ويعود اليها متناسيا غضبه ومتجاهلاً غبائها، آملة ان يبدآ صفحة جديدة كما طلبت منها والدتها، سوف تحل مشاكلها معه بالكلام والنقاش، لن تهرب منه ولن تتجنبه، لن تعذبه ولن تعذب نفسها.
عاد قاسم مرتديا شورتا أزرق قصير فوقه شباح ناصع البياض، مد لها كفه، وكان يحمل بداخلها مرهماً للجروح، رفعت نظرها اليه متسائلة، فأجابها بلطف وابتسامة شقية في عينيه
منذ ان اشتريته لم أستخدمه، فكتفي ما زال يؤلمني ولكن يدي لا تستطيع الوصول الى الالم، هلا ساعدتني ارجوكي؟!
عضت ماسة شفتها بتوتر، فهذا كله بسبب غبائها، هي تشعر بالخجل من لمسه، كيف ستلمس جسده بينما هي تكاد تختنق بمشاعرها المتناقضة نحوه، وحالما أوشكت على الاعتراض، سارع مبررا لها.
لقد تلقيت عدة ضربات اليوم وقد زاد الالم، كنت سأطلب من ميرنا ولكن...
لم تدعه يكمل، فقد اختطفت المرهم من يده بسرعة، واشارت له بيدها ان يستلقي فوق السرير كي تضع له القليل على جراحه، اخفى قاسم ابتسامته المنتصرة عنها وهو يستلقي فوق سريره براحة بانتظار ان يشعر بلمسة يديها الرائعة فوق جسده المشتعل حبا وتوقا لها، تنهدت ماسة باستسلام، وبدأت بوضع المرهم فوق ظهره وكتفيه، هو لم يكذب أبداً، فقد كانت هناك بعض الرضوض والكدمات، وعلامات زرقاء انتشرت على طول ظهره، كانت تدلك جسده بالمرهم بعبوس، فهي تعلم سبب الكدمة القديمة، ولكن تلك الكدمات الحديثة ما سببها، كيف تورط بمشكلة ليحصل عليها.
اعتدل قاسم في مكانه حالما اعلنت انتهائها، اغلقت المرهم ووضعته في مكانه، وبقيت واقفة في مكانها تحدق اليه، بتوتر وأسئلة كثيرة تدور في خلدها، ربت الى جانبه فوق السرير وناداها.
اجلسي الى جانبي.
فكرت ماسة بإصرار(بأحلامك) وسحبت المقعد الى قرب السرير وجلست متظاهرة بأنها لم تفهم جيدا ما قاله، ولكنه لم يهتم، يكفي انها بقربه والى جانبه.
بدأت ماسة في محاولة منها لفتح حديث ودي وكأنها تعلن هدنة بينهم:
كيف أصبت بهذه الكدمات؟!
تظاهر قاسم بالتفكير قليلا ومن ثم جلس باعتدال قبالتها كي يتسنى له رؤيتها جيدا، وبدا بسرد الأكاذيب التي اخذت تتدفق من فمه بسهولة وسلاسة:
كنت مارا بإحدى الشوارع في طريق عودتي حينما سمعت صوت فتاة جميلة تصرخ بخوف، في البداية لم اهتم كثيرا فقد اعتقدت بانها تهيؤات او اشباح منتصف الليل، ولكن فجأة ظهرت الفتاة بوجهي، حتى انها كادت تصطدم في مقدمة السيارة، ولكني لحسن حظي تفاديتها، نزلت من السيارة لأصرخ عليها، فقد شعرت بصدمة كبيرة من ظهورها ولم استطع تخطي الامر بسهولة، ولكني فوجئت بها تختبئ خلفي وتشير الى مكان المظلم الذي اتت منه وتقول لي ارجوك ساعدني ، وحينما نظرت الي حيث اشارت ظهر امامي اربعة شبان سكارى وبدأو بتهديدي ان لم اترك لهم فريستهم سوف اندم، ولكن انتي تعلمين كم انا شهم ومغوار، لم استطع ترك تلك الفتاة المسكينة لهم، فهاجموني اربعتهم بقوة شديدة ولكني بفضل الله تغلبت عليهم وانقذت تلك الفتاة المسكينة من براثنهم، ومن ثم اوصلتها لمنزلها وقبل ان نفترق طلبت مني رقم هاتفي...كي تستطيع التواصل معي وشكري عما فعلته لأجلها، تعملين كيف الفتيات يفقدن صوابهم حينما يروني.
ماسة منذ البداية كانت تستمع له بإنصات فائق وتعابيرها كانت تتغير ما بين سخرية وعدم تصديق، ولكن في ختام قصته الخيالية المبالغ اكتشفت بانه كان طوال الوقت يسخر منها وبانه لم يعني اي حرف مما قاله لها، كل ما فعله هو تضييع وقتها الثمين في ترهاته السخيفة، تراجعت للخلف لتستند على مقعدها براحة اكثر، واخذت تراقبه بفروغ صبر وضيق، ومن ثم نظرت بساعة يدها بضجر واشارت له.
حسنا يا اخي المغوار، لقد اضعت 20 دقيقة من وقتي الثمين دون فائدة، ارجو ان تكون قد استمتعت جيدا بانتقامك مني...هلا اعطيتني المفتاح اريد الذهاب لمتابعة دروسي.
حسنا برغم من ان كلمة اخي طعنته كخنجر مسموم الا انه لن يفسد هذه اللحظات الجميلة بغضبه وعصبيته فلا شيء يهمه في هذه اللحظة سوى وجودها الى جانبه، ابتسم قاسم بمرح، وقال بخفة وغرور:
النتيجة واحدة مهما اختلفت القصة، ففي النهاية خرجت مضروبا واجنابي متورمة، ولكن ما رأيك بي؟ هل نلت اعجابك؟
هزت راسها نافية باشمئزاز:
اطلاقاً، فانا لم اصدق كلمة واحدة مما قلت، احتفظ بأكاذيبك هذه الى خطيبتك المصون.
هز راسه معترضا:
انها بعيدة جدا ولن استفيد شيئا من سرد مغامرتي لها،( واقترب منها وكانه ينوي اخبارها بسر ولا يريد احد غيرها ان يسمعه) ما رايك بميرنا؟ هل اخبرها بقصتي؟ لربما تعاطفت معي واعجبت بي.
اشارت له بحدة:
ابقى بعيدا عن صديقتي..والا جعلتك تندم يا قاسم.
يا الهي كم احب نظرة التهديد في عينيها، ابتسم متراجعا ومتظاهرا بالخوف:
وانا واثقا من انك تعنين كل كلمة تقولينها(اتبع قوله بتدليك ما طالته يداه من كتفه حيث قامت بإصابته في المرة الماضية بعد ان لمسها دون اذنها على حد قولها) كيف تمكنت من رفعي ورمي بالأرض، حتى الآن ما زلت لا اعلم كيف استطعتي ذلك.
ضحكت ماسة برقة، فهي ايضا لا تعلم كيف فعلت ذلك، فهي لم تطبق ما اتقنته من فنون القتال على احد ما من قبل فقد كان هو اول تجاربها وقد جعلها تندم في الحال حالما فعلت، فقد خشيت فعلا ان يتأذى ضهره بشدة، فقد حذرها مدربها من خطورة هذه الحركة وطلب منها ان لا تطبقها الا على المتحرشين او الخاطفين وقاسم لم يكن أياً منهم، حمدا لله انه لم يصيبه اي مكروه.
راقب قاسم ابتسامتها الصافية النقية، فقد مضى وقت طويل منذ ان تعاملت معه براحة هكذا دون قلق او توتر، لقد شعر وكان الروح دبت في جسده بعد سنوات طويلة من الجفاف، فقد اشرقت شمسه واطلت عليه بنورها الدافئ عند رؤيتها ابتسامتها البريئة.
امي اصرت ان اخذ دروسا في فنون القتال، ان والدتي الحبيبة لها رؤية واسعة على المدى البعيد، واحمد الله على انني استمعت لها واتقنت ما تعلمت، فانا الآن لا اهاب أبداً عندما اكون وحيدة في اي مكان، فانا فتاة يمكنك الاعتماد عليها.
كانت اشارتها مليئة بالفخر والحبور وكان قاسم في غاية السعادة لأجلها خاصة بعد ما واجهه اليوم، ففكرة ان يعترض طريقها احد ولا تستطيع الدفاع عن نفسها فكرة مخيفة بل هي قاتلة، وبالرغم من ذلك عليه ان يشدد الحراسة عليها، فهي الآن بخطر وهو لا يستطيع ابلاغها عن هذا الخطر كي لا يوترها ويؤثر على اختباراتها النهائية، فالكثرة تغلب الشجاعة كما يقولون وهو لن يشعر بالأمان الا حينما تكون امام عينه طوال الوقت، من الجيد انه تبقى يومان فقط، بعد ذلك اليومان سوف يجلس معها ويصارحها بكل ما حدث، سيخفف من الحمل الثقيل الذي يحمله فوق ظهره وينغص عليه حياته، تنهد براحة عند تفكيره باقتراب النهاية التي طال انتظاره لها.
هذا رائع جدا وانا سعيد جدا لسماع ذلك، ربما احتجتك يوما للانتقام من مجموعة الصعاليك الذين هاجموني اليوم
صفقت ماسة بيديها بحماسة:
سأكون سعيدة جدا بتحطيم رؤوسهم، فلا احد يجرؤ على الاطاحة بأخي الكبير وانا موجودة.
بصعوبة رسم ابتسامة على شفتيه تحمل سعادته بحبها له وتحمل امتعاضه لتمسكها بمناداته بأخي، ماسة لاحظت ضيقه وتبدله، و قررت الاستئذان والعودة الى غرفتها، ولكن هناك امر انتابها الفضول بشأنه، اشارت له بيديها تسأله بفضول:
متى تعلمت اشارات الصم والبكم؟
ارتفع حاجبيه بصدمة، لقد كشفته، اما انها ذكية جدا او انه غبي جدا، فبالتأكيد سوف تكتشف ذلك مع مرور الوقت وكثرة لقائهما مع، اجابها باستظراف.
قبل عامان من عودتي الى اليكي آه لقد اعتدتي اغاظتي دائما لأنني لا افهم اشاراتك، لذا اخذت عهدا على نفسي ان لا اعود دون ان اتقن هذه اللغة، انها ليس صعبة جدا، فقد اعتقدت انكي في غاية الذكاء لأنك اتقنتيها بسرعة وسهولة، ولكن الحقيقة انها كالماء كانت بالنسبة لي.
انهى جملته تلك بغرور..فكرت ماسة، كالماء؟! احقا؟! ذلك الكاذب اللئيم، اشارت له بسخرية.
يا الهي قد كشفتني! ارجوك دعه سرا بيننا ولا تخبر والدتي بحقيقة غبائي.
يا الهي كم هي جميلة حينما تتصرف معي براحة دون قيد او رادع، اشار على فهمه بإشارة السحاب وكانه يغلق فمه بإحكام ويخبرها بان سرها في بئر عميقة.
ولكن لدي شرط..
نظرت اليه بريبة، فسارع يوقف افكارها السيئة قبل ان تطاله وتؤذي مشاعره
لا ارجوكي لا يذهب فكرك بعيدا، فقط طلب صغير لا يخدش الحياء ان وافقتي سأحتفظ بسرك الى الابد.
ضحكت ماسة بمرح، فقد كذب الكذبة وصدقها، لا بأس سوف تجاريه بسخافته، اشارت له.
هات ما لديك.
ابتسم قاسم بانتصار واشار لها بإشارة الصم والبكم دون ان يصدر اي صوت.
سوف توافقين ان اراجع لكي دروس الفيزياء بالغد.
وحالما حاولت الاعتراض اوقفها بسرعة هاتفا:
افعلي ذلك لأجل امي، ليس لأجلي او لأجلك فقط من اجل والدتي.
عرف كيف يأخذ الموافقة منها بأسلوبه المراوغ، ووالدتها هي نقطة ضعفها، لربما هي من طلبت منه ان يساعدها في دروسها، امي الحبيبة انا حقا محظوظة لوجودك في حياتي.
لا بأس، هذه الليلة سأجهز الدروس الصعبة واتي اليك بالغد لتشرحها لي.
اتسعت ابتسامة قاسم بحماسة وهتف وهو يهم عليها ليحتضنها بلهفة، دفعته بعيدا عنها بلطف واشارت له بمزاح:
هل نسيت الم ظهرك بهذه السرعة؟
وتراجع بسرعة بعد ان فهم التهديد المبطن لكلماتها الممازحة الا انه كان يعلم بانها تعني كل كلمة تقولها، وقال بظرافة متداركا الموقف وهو يملس شعره الاسود الناعم:
بالتأكيد لم انسى ولكن اخذتني الحماسة، يا الهي كم انتي عنيفة.
ابتسمت ماسة برقة واشارت له ان يعطيها المفتاح، اتجه الى الباب وفتحه لها وهو يشير لها بيده سمعا وطاعة، وقبل ان تخرج من الباب سحبها الى احضانه بسرعة وضغطها قريبا جدا الى قلبه، كان يتمنى ان تطول لحظة وفاقهما فهو لا يعلم ان كانت ستتكرر مرة اخرى، وماسة صمدت طالما انه لا يحاول ان يفعل شيئا اخر غير العناق، ولكن لم تستطع الاحتمال اكثر وخشيت ان تستيقظ ميرنا وتراهم على هذا الوضع المريب لذا تململت بين ذراعيه مطالبة بالإفراج عنها، وتراجع قاسم وهو يبتسم بحرج واجاب نظراتها المتسائلة:
الامر كان يستحق المحاولة، تصبحين على خير.
خرجت ماسة بسرعة الى غرفتها تحت نظرات قاسم الذي بقي واقفا يراقبها الى ان اختفت داخل غرفتها.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم