القائمة الرئيسية

الصفحات

 



 الفصل الخامس


حب من طرف واحد

طوال فترة غياب القاسم عن المنزل اشغلت ماسة نفسها بدراستها و تعرفت على صديقات جدد واتسعت دائرتها الإجتماعية كثيرا، فقد كانت محبوبة من الجميع فلم تشكل اعاقتها الكلامية أي مشكلة لها في خوض الحياة كالخروج برحلات مدرسية أو تعلم السباحة وركوب الخيل حتى العزف على البيانو وتعلمت رقص الباليه وقد حرصت والدتها على تسجيلها في معهد فنون الدفاع عن النفس فماسة بسبب عجزها اي شخص قد يفكر بها أنها صيد ثمين وفريسة سهلة لذا كان حتاما عليها أن تتأكد بأن ابنتها بامكأنها الدفاع عن نفسها اذا كانت بعيدة عن عينيها، ماسة كانت طفلة سعيدة رغم كل شيء، كانت ترسل الرسائل باستمرار لقاسم بالبريد تستحثه على الإسراع بالعودة وتخبره كم تفتقده وتحدثه عن نشاطاتها التي أنغمست بها، ولكنه أبداً لم يرسل لها ردا واحدا قط على رسائلها، فقد كانت رسائله جميعها إلى والديه يحدثهم عن الجامعة ومغامراته وسير دراسته و يختم رسالته دائما بنفس العبارة

_ بلغو تحياتي إلى ماسة ولا تدعوها تهمل دراستها ، ابنكم المشتاق لكم كثيرا قاسم.

كانت ماسة تنتظر رسائله بلهفة ولكن على مدار الخمس سنوات الماضية ذبلت لهفتها وما عادت تسأل عنه وتجنبت سماع أخباره ولم تعد ترسل إليه اي رسالة، فقد شعرت ببعده وشعرت كم تغير، كانت تحزن كثيرا كلما ارسل رسالة لوالديه ولا تبدي اي ردة فعل عند سماع اخباره كانت تتصرف ببرود وجمود وفي غرفتها تبكي وتنوح بعيدا عن العيون، ولكن كما يقول المثل (تلك الشعرة التي قسمت ظهر البعير )وكانت رسالة من قاسم هي تلك الشعرة التي كسرت قلبها ودمرت أملها فقد أنهى قاسم دراسته الجامعية منذ عام ولكنه لم يفكر أبداً بالعودة فعلى ما يبدو أنه وجد هناك ما يسعده ويغنيه عن عائلته وعنها ايضا وما اكد لها ذلك هو رسالة منه لوالديه يخبرهم بأنه لن يستطيع العودة الآن، وارسل لهم دعوة لزيارته وكان مرفقا مع الدعوة صورة له برفقة فتاة جميلة جدا بعيون زرقاء وشعر ذهبي وابتسامة خلابة وكتب عبارة صغيرة في زاوية الصورة، "أليست جميلة ، انها كنتك المستقبلية"

حينها أدركت ماسة بأن ما كانت تكنه لقاسم ليس الا تعلقا شديدا نمى مع كل لحظة قضتها بقربه، شعرت بغيرة جعلتها تشعر بالكره الشديد نحو تلك الفتاة الجميلة والخيبة الشديدة نحو الرجل الذي يتأبط ذراعها، ركضت الى ملاذها، تبكي وتتذكر اين أخطئت، قاسم أخبرها بأنه سيعود لأجلها ولكن تلك الفتاة سرقته منها، اغوته وأوقعته بحبالها ، ما كأن على قاسم أن يسافر لو لم يسافر لبقي إلى جانبها ، ولكن أنه شقيقها الجميع يعرف بأنهما شقيقان، فلا احد يعرف أنها طفلة متبناة، هي تعرف بأنه ليس شقيقها وهو ايضا يعرف بأنها ليست شقيقته ولكن المجتمع الذي يعيشان فيه لا يعرف ذلك ، كانت تفكر ودموعها تغمر وجنتيها، لربما قاسم يحبها كشقيقة له ولكن هي بغبائها اعتقدت شيئا اخر، هو قال أنه سيعود لاجلها ولكن لم يقل لها أبداً أنه يحبها، اجل هذه هي الحقيقة، أن قاسم لم يحبها أبداً، وطوال الوقت اعتبرها شقيقة له، ولكن هي غالت في مشاعرها واوهمت نفسها بأنه شعور متبادل، وهنا ادركت بأن تلك الشقراء لا تستحق كرهها وحقدها عليها، تلك الشقراء اخذت ما هو متاح ومقدم لها، وهنا اتخذت ماسة قرارها، هي لن تذرف دمعة واحدة من أجل قاسم، ومن الآن فصاعدا لن تنسى أبداً بأن قاسم شقيقها وهي لا تحل له أبداً ولن تكون له مطلقا، ومع هذا القرار الجديد أنطلقت ماسة بخطة حياة جديدة لها خالية من قاسم تماما، كل ما تريده هو الدراسة والاعتماد على نفسها والاستقلال بها، كي لا تحتاج احدا أبداً.

- حبيبتي أواثقة أنك لا تريدين القدوم معنا! ؟

هزت ماسة رأسها مؤكدة بشدة مع ابتسامة تلامس شغاف القلب كي يرحل والديها وهم مطمئنين ولا يشعرو بما يعتمل داخلها من مشاعر عاصفة متناقضة، واشارت بيديها بسرعة.

- أنتم اذهبو واستمتعو بوقتكم، أنا سأعتني بكل شيء في غيابكم وأنتظركم بفارغ الصبر، وبلغو قاسم تهانيي الحارة.

كانت الامتحانات على الأبواب وارادت أن تركز على دراستها كي تحصل على منحة دراسية مثل قاسم بمعدل ممتاز، وقد اتفقت حنان مع شقيقتها أن تأتي لتمضي اسبوعان برفقة ماسة والتي هي فترة سفرهما بعيدا عنها، وقد قبلت شقيقتها على مضض، فما لم تعرفه حنان يوما أن شقيقتها هناء كانت تتظاهر بالود نحو ماسة ولكن في غيابها كانت تسيء إليها بكلماتها دائما، ولكن ماسة لم تكن تبالى ولم تجد أبداً داعي لأن تعكر صفو والدتها لسبب تافه كهذا، عدا عن أنها ستتسبب بخلاف بين شقيقتين وهي بغنى عن كل هذا لذا كانت تحتمل وتتجاهل وتصبر لأجل المرأة التي اعتبرتها ابنتها .قاسم تخصص في إدارة الأعمال كي يستطيع إدارة شركة والده واملاكه فهو الوريث الوحيد لهذه الشركة وعليه أن يكون ملما بأمور الإدارة والإقتصاد كما كان والده من قبله، كان شابا وسيما ابتسامته الجذابة كانت تصرع اي فتاة يصادفها و توقعها في غرامه ، قاسم كأن يعلم جيدا مدى تأثيره لذا كان يتجاهل محاولاتهم اليائسة للتقرب منه مما كان يفقدهم صوابهم فقد كأن فارسا لاحلام كل فتاة، فهو طويل ذو منكبين عريضين وخصر متناسق غليظ، وعينيه حادتان كالصقر تغطيهما اهداب سوداء طويلة وكثيفة وأنفه طويل ودقيق خالى من أي عيب وفمه غليظ مدبب يغطيه شارب أسود ناعم الملمس قد حرص دائما على تهذيبه وتشذيب لحيته فهو لم يكن يحب اللحية الطويلة أبداً، كان له الكثير من الأعداء من اقرانه من الشباب ، بالرغم من أنه لم يسئ لاحدهم قط الا أنهم كرهوه لأنه يملك كل شيئ من وجهة نظرهم ونعتوه بالمغرور المتعجرف وكانو يسئيون له في غيابه ويتملقونه في حضوره ويتقربون ويتوددون إليه وهو كأن يعلم هذا جيدا ويتسلى بمواقفهم المتناقضة ويستمتع برؤيتهم يتخبطون لنيل وده وصداقته ، قاسم لم يكن متكبرا أبداً ولكن ثقته بنفسه جعلتهم يحقدون عليه ولأنه دائما يكون على صواب وهم على خطأ، ولكن قاسم لم يشغل نفسه بهم فهو بالنهاية تعلم ألا يثق بأحد غير نفسه وألا يصارح احدا بأفكاره او أسراره التي كان يخفيها حتى عن والديه، كم كأن يتوق للعودة إلى منزل العائلة ويتابع حياته من حيث توقف ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.


يتبع...


تعليقات

التنقل السريع