القائمة الرئيسية

الصفحات


 


 الفصل السادس


نقطة تحول في حياتها


أمضت ماسة أسبوعاً مضنيا مع المرأة التي يفترض أن تكون خالتها ، فهي كانت قاسية، فظة، تتعامل مع ماسة كأنها فتاة لقيطة، بالرغم من أنها ليست كذلك ولكن ماسة كانت ترد على كل كلمة جارحة بابتسامة رائعة بريئة، فهي باستطاعتها أن تعكر صفو خالتها أيضاً وتجعل أسبوعها اسوأ من الجحيم ، الا أنها أرادت الترفع عن رد الاساءة بالاساءة، وقررت أن تعيش حياتها بسلام رغما عن المنافقين الذين يحيطون بها، ففي ليلة مسائية أعدت ماسة وجبة عشاء لذيذة لها ولخالتها و ركضت الدرجات مسرعة، طرقت باب غرفتها وفتحته بسرعة فلا فائدة من انتظار صوت لن تسمعه ليسمح لها بالدخول، كانت خالتها تسرح شعرها وحينما رأت دخول ماسة المفاجىء تذمرت صارخة.
-يا الهي لقد أخفتني، ماذا بكي؟! 
نزعت ماسة المشط من يد خالتها وأشارت بيدها وهي تقبل أصابعها ، لتفهمهما أنها تبدو اكثر من رائعة ومن ثم سحبتها من ذراعها على طول السلم وسط صرخات خالتها المعترضة والتي اضطررت لتجاري خطواتها لئلا تسقط عن السلالم ، ولم تتركها ماسة الا بعد وصلت إلى غرفة المعيشة حيث أعدت سفرة شهية من الوجبات السريعة والمقبلات وأيضاً الكثير من التسالي ، عبست خالتها ونظرت إليها بدهشة.
- ماذا يحدث؟ هذا ليس من عاداتك ، لمن أدين بهذا الشرف؟
هزت ماسة رأسها نافية وأشارت الى قلبها، اي أنها تحبها لذا قامت بهذه المفاجأة، نظرت هناء الى المقبلات وكانت جميعها المفضلة لديها و قد شعرت بالغرور والتفاخر أن ماسة تحاول كسب رضاها بهذه التصرفات، جلست إلى المائدة بتباهي وهي تقول بتكبر وغرور
- لا تقومي بتلك الاشارات الغبية فأنا لا افهمها على اية حال "ومن ثم تناولت قطعة من المعجنات المحشوة بالجبن وقضمت قطعة صغيرة منها وهي تتابع بنزق" اذا كنتي تقومين بهذه الحركات لأزوجك من ابني قصي فأنتي واهمة اذن "ونظرت إليها بعنجهية وهي تسكب بعض العصير في كأسها بينما ماسة تحدق مليا بشفاهها لتعلم ما الذي تقوله خالتها بالضبط "من المستحيل أن تتزوجي بابني أو ابن أي إمرأة أخرى ، فلن تخاطر أي إمرأة بتزويج ابنها الى بكماء كي لا يتوارث احفادها هذه الاعاقة، حتى اختي نفسها لن تقبل بتزويجك من قاسم لنفس السبب.
لا ، ليس هذا السبب ، ماسة تعرف ذلك جيدا ، أن امها لا تفكر بهذه الطريقة أبداً ، ولكن أختها الشريرة فقط من تفعل ذلك، ماسة تثق بوالدتها ، وتعلم جيدا بأن ما يمنع زواجها من قاسم هو رابط الإخوة الذي تربيا عليه ، وايضا نظرة المجتمع لعلاقتهما اذ أنها تربت على أنها شقيقته ولا احد يعلم بأنها متبناه ، نفضت ماسة رأسها من الأفكار السوداء التي بدات تلمع في عقلها بعد كلمات خالتها القاسية ، هذه الليلة لن تسمح لشيئ أن يعكر مزاجها رمت لخالتها احدى ابتساماتها البريئة وقامت بالضغط على أزرار التشغيل وفقزت فوق الكنبة ووضعت فوق حضنها طبق به تشكيلة من المكسرات والسناكس الخفيفة وأشارت الى الشاشة أمامها وربتت الى جانبها لتدعو خالتها للجلوس ومشاركتها بمشاهدة الفيلم حتى أنها اختارت الفيلم يناسب ذوق خالتها من ناحية الغموض والدراما ، تنهدت خالتها برفق وهي تحدق الى الشاشة وقررت أن تعلن هدنة مؤقته وتسترخي فيها لمشاهدة الفيلم.
نهضت ماسة في الصباح وكعادتها استعدت للذهاب إلى نادي ركوب الخيل فهي تذهب إليه كل جمعة واثنين فقط من الأسبوع وتمضي هناك ستة ساعات تتعلم فيها كيفية ركوب الخيل بمهارة وكيفية الاعتناء بالخيول وتدريبهم على الأنصياع لاوامرها فقد كانت تستمتع بوقتها في نادي الخيول اكثر من نادي السباحة ، فالبرغم من أنها اتقنت السباحة جيدا الا أنها تذهب مرة واحدة او اثنتين في الشهر الى المسبح الخاص ولكنها كانت تحب اكثر الذهاب إلى البحر وممارسة هوايتها في احضان الأمواج المتلاطمة ، ولكن منذ أن شاهدت والدها بالصدفة هناك برفقة زوجته قررت أن لا تعود الى البحر مجددا حتى أنها في ذلك اليوم لم تستطع النوم وعادت لها الكوابيس التي كانت ترافقها في أحلامها ، لذا لم تخاطر بالعودة إلى هناك كي لا تصادف احدا من عائلتها مرة ثانية وتخسر عائلتها الجديدة المحبة فقد أتى والدها قبل ثلاثة اعوام متعللا بالاشتياق لها و رغبته برؤيتها ، في ذلك اليوم راقبته ماسة بكره شديد فهي تذكره من كوابيسها التي كانت تلازمها ، يومها ركضت هاربة من امام نظراته الخبيثة ، واتت حنان تسحبها الى داخل المنزل وهي تطلب من زوجها الاهتمام بالأمر ، ومن بعد ذلك اليوم لم يعد مجددا ، نعم كانت ماسة طفلة سعيدة الحظ بفضل عائلتها الجديدة ، بعد أنتهاء يومها تقريبا كانت الساعة الثأنية ظهرا عادت الى المنزل برفقة لطيف الذي كان يرافق والدتها دائما في تسوقها وقضاء جميع مصالحها، واثناء قيادته السيارة ، اتاه اتصالا جعل عينيه تتسعا بصدمة وخوف ولكن ماسة لم تنتبه لهذا فهي كانت غارقة في أحلام اليقظة التي اعتمدتها منذ سفر قاسم للدراسة بل وادمنت عليها ايضا ، فقد كانت تعيش في أحلام يقظتها كل شيئ لم تستطع عيشه في واقع حياتها وكانت سعيدة ومرتاحة لهذا النظام الجديد فلولاه لما استطاعت تخطي غياب قاسم وتخليه عنها بالنهاية لأجل فتاة أخرى ، انتبهت الى لطيف حينما سلك طريقا آخر غير طريق منزلها، عبست وسألته بدهشة بلغة الاشارة المعهودة، والتي فهمها لطيف دون الحاجة لكتابتها.
- إلى اين نذهب؟، لماذا غيرت الطريق فجأة؟ 
تهرب لطيف من نظراتها المنصبة عليه خلال المراة وقال ليشتت انتباهها.
-لقد طلبت مني خالتك بعض الاشياء وعلي شراءها.
تذمرت ماسة فهي متعبة جدا وكانت ترغب بالوصول بأسرع وقت ممكن كي ترتاح قليلا قبل حلول المساء، فالمول بعيدا جدا عن طريقهم، وهذا يعني امضاء ساعتين اضافيتين داخل السيارة، أخرجت دفتر ملاحظتها وقلمها اللذان اعتادت حملهما في جيب سروالها الجينز بكل مكان وكتبت بسرعة.
- ألا يمكن أن توصلني الى المنزل اولا؟، أنا متعبة جدا واتوق الى قسط من الراحة.
قرأ لطيف العبارة بسرعة ولكن لديه أوامر مشددة ولا يمكن الاخلال بها.
- آسف أنستي الصغيرة ولكن هذا لا يمكن الآن فأنا اصبحت في منتصف الطريق، كما أن خالتك شددت على ضرورة العودة مع الأغراض فهي تحتاج لها بشدة.
تنهدت ماسة باستسلام وهي ترمي بنفسها للخلف ، واخذ لطيف يدور بها ويراقبها في المرآة دون أن تشعر وقد بدا عليها النعاس الشديد والتعب والارهاق، دمعت عينا لطيف على حالها ، المسكينة ماذ ستفعل حينما تعلم بما حدث ، بالتأكيد لن تحتمل الصدمة ، اشار لها بيده كي تنتبه له وهمس قائلا بصوت حاني.
- لما لا تخلدين الى النوم قليلا وحينما نصل سوف اوقظك.
ولأنها كانت في غاية التعب لم تعترض وفي الحال استلقت على مقعد السيارة واغلقت عينيها العسليتين وراحت في سبات عميق، تنهد لطيف براحة وقام على الفور بالاتصال بقاسم تماما كما طلب منه.

يتبع...





تعليقات

التنقل السريع