الفصل السابع
عودة الابن الضال
ولأنها كانت في غاية التعب لم تعترض وفي الحال استلقت على مقعد السيارة واغلقت عينيها العسليتين وراحت في سبات عميق، تنهد لطيف براحة وقام على الفور بالاتصال بقاسم تماما كما طلب منه
- اجل سيدي ، أنها نائمة الآن ، لم تشعر بشيئ فهي مرهقة جدا ، سيدي هل هما بخير؟
اجابه قاسم بصوت عميق حازم :
- والدي قد فارق الحياة على الفور ، وامي ما زالت تخضع لعدة عمليات ، (تحشرج صوته بدموع مكتومة ) لا نعلم أن كانت ستنجو ام لا ، أنت اعتني بماسة جيدا ولا ترسلها إلى البيت الآن فخالتي الآن تعاتي من صدمة شديدة وهي لن ترحم ماسة أبداً، لو اضطر الامر فخذها الى بيتك لتمضي هذه الليلة الى حين أن اقنع خالتي بالعودة الى بيتها.
اجهش لطيف بالبكاء فقد كان ابا القاسم خير الرجال وافضلهم جميعا وقد كان صديقا اكثر من سيد عمل أنه اسف جدا لرحليله بهذه الطريقة المؤلمة.
- لا داعي للقلق سأهتم بأمرها جيدا ، أن ابنتي قادمة لزيارتي اليوم ، ستقضيان وقتا ممتعا معا بالتأكيد لا تقلق بهذا الشأن.
تنهد قاسم بحزن:
- جيد ، لن اوصيك اذن ، الى اللقاء.
وبالفعل اوقظ لطيف ماسة بعد وقت قصير، وشرح لها الأمر قائلا بأن السيارة بها عطل لن يمكنها من الاستمرار حتى منزلها واضطر القيادة إلى بيته لأنه كأن الأقرب إليه، ماسة تفهمت الامر ولم تناقشه كثيرا خاصة عندما اعلمها بوجود ابنته بسنت التي تزوجت منذ ثلاثة اعوام واصبح لديها طفلان فتاة وصبي رضيع ولد حديثا، وفي الحال أنخرطت ماسة برفقتهم فهي بالماضي اعتادت الذهاب إلى بيتهم قضاء الوقت مع زوجة لطيف وابنته التي لم يشعراها أبداً باعاقتها ولطالما عاملاها جيدا، ماسة احبت الطفلة الصغيرة زهرة، فقد كانت مثلها لا تستطيع الكلام جيدا بالكاد تعلمت بعض الكلمات الصغيرة، وقد اعدت زوجته سارة غداء فخما على شرف ماسة وبالفعل مضت برفقتهم وقتا رائعا، واخبرها لطيف بأن والديها وخالتها يعلمان بشأن امضاء ليلتها في بيته، وابتسمت ماسة فرحة فبالنهاية لن تتعرض لتنمر خالتها الدائم عليها وقررت أنها ستمضي هذه الليلة بسعادة منقطعة النظير.
بعد عدة ساعات خلد الجميع إلى النوم الا ماسة فالنوم لم يعرف طريق إليها، لعدة اسباب أهمها قاسم ، وعدم مقدرتها على التكيف مع فكرة استقراره بالخارج، ومن ثم غياب امها التي لم تعتد مفارقتها منذ سنوات طويلة والسبب الأخير هو اشتياقها لسريرها المريح الدافئ فهي اعتادت على جو غرفتها ومنزلها المريح كم تشتاق لوالدتها تتوق لعودتها وعادت بافكارها الى قاسم ، بالتأكيد هو سعيد الآن بعروسته الجديدة لدرجة أن لا يفكر بالعودة أبداً للعيش معهم ، كم كانت غبية حينما اعتقدت بأنه احبها كما احبته ، كيف اسائت فهمه رغم تجاهله رسائلها وعدم رده عليها وسلامه البارد في رسائله لوالدتها كم كانت حمقاء ربما اسائت فهم مشاعرها لأنه الرجل الوحيد بحياتها فهي لم تعرف غيره وتعرف بأنه ليس شقيقها لذا سمحت لنفسها أن تحبه وتتعلق به ، كان عقلها يصرخ ماسة أنتي غبية جدا كما أنك لستي سوى مراهقة تافهة قد تتعلق بأي شخص يبتسم لها أو يعاملها بلطف تنهدت بأسى وهي تشفق على نفسها وعلى حبها الساذج الضائع ودفنت رأسها داخل اغطيتها تحاول إجبار نفسها على النوم وعدم التفكير بأشياء تؤرقها.
بعد الظهر عادت ماسة الى منزلها بعد أن امضت وقتا طيبا مع عائلة لطيف، فقد استمتعت بكل لحظة قضتها بينهم، حينما وصلت منزلها لم تكن خالتها موجودة ولكن ماسة لم تهتم كثيرا، لذا ركضت لغرفتها لترتمي في احضان دبها الحبيب المشوه و حينها غرقت في النوم بسهولة كبيرة تعوض ما فاتها من نوم ليلة امس، راودتها احلاما جميلة وتخلل هذه الاحلام طيف قاسم فهي تحلم به كل ليلة تقريبا ولكن بعدما علمت برغبته من الزواج من أخرى غادر طيفه احلامها ، ولكن لما الآن قد عاد ليزورها مجددا ، ولماذا وجهه بهذه الكآبة ، ترى ما الذي يعكر صفوه ، يبدو نحيفا جدا وهناك هالات سوداء تحت عينيه ، يبدو أنه واقع في الحب لدرجة أن لا ينام الليل ، هكذا فكرت بغيرة وقد ارتسم الغضب فوق ملامحها البريئة، شعرت بلمسات يديه حقيقية جدا على وجهها يديه تمحو العبوس عن جبينها، ولكن مهلا لحظة ، واخذت عينيها تتسع تدريجيا بادراك ، أنها ليست نائمة ، هي لا تحلم ، قاسم يجلس الى جانبها فوق سريرها ، نظراته البائسة مرتكزة عليها ، أنه فعلا امامها ، شهقت بصدمة كبيرة وتراجعت للخلف مسرعة وقد سحبت غطائها الى حافة ذقنها ونظرت إليه غير مصدقة وجوده الى جانبها ، بدت وكأنها تحدق الى شبح ، لا صوت يظهر فقط أنفاس متسارعة وأصابع مرتجفة وعيون مشتتة ، آه كم يتوق للمسها وضمها ونسيان العالم داخل احضانها ، ولكنه لا يستطيع فعل ذلك ، فإن فعل فستكتشف امره، وحينها لن يتركها أبداً ، ارتسمت فوق وجهه ابتسامة عابثة وهمس بسخرية هو يقرص وجنتها بخفة.
- لست شبح فلتطمئني يا رصاصتي القاتلة.
صاحت ماسة بفرحة أنه موجود فعلا وهذا يعني بأن امها ايضا عادت وعند إدراكها لهذه الحقيقة المفاجئة نهضت بسرعة عن سريرها وقفزت من فوقة متجاوزة اياه لتركض لرؤية والدتها بفرحة عارمة، اخذت درجات السلم بسرعة خطيرة لو لم تنتبه لربما سقطت وكسرت عنقها ولكنها لم تبالي فكل ما ارادته هو عناق والدتها الحبيبة ، وصلت لنهاية السلم بسرعة ونظرت حولها ولم تجد لوالدتها اثر ضربت فوق جبينها لغبائها بالتاكيد والدتها ستكون بغرفتها ترتاح من عناء السفر ركضت لغرفة والدتها مسرعة وتجاوزت قاسم الذي لحق بها مسرعا حالما قفزت عن السرير ليوقفها عن تهورها ، ولكنها تجاهلت وجوده للمرة الثانية واقتحمت غرفة والدتها كالاعصار، ولصدمتها لم تكن داخلها ايضا، تفحصت المرحاض علها تكون هناك ولكن لا اثر ، فلا يوجد حقائب سفر ولا حياة بالمنزل فهو خالٕ من البشر عداها هي وقاسم وأدركت حتى أنها لا تشم رائحة والدتها الطيبة في الارجاء ، ايعقل أنها لم تعود برفقة قاسم، اجل ، قاسم عليها أن تعرف منه، والتفتت بسرعة لتصطدم به فقد كان مستندا إلى باب الغرفة يراقبها بعبوس وشيء آخر في عينيه لم تفهم ما هو، تبادلا النظرات لوقت قصير سمحت لنفسها بأن تتأمل مظهره الوسيم، فقد ازداد عرض كتفيه واضح جدا أنه مارس الرياضة البدنية ليحصل على هذه العضلات الصلبة، فملابسه الضيقة جعلت من الصعب عليها أن لا تنتبه لهذا التغير، وارتفعت نظراتها إلى وجهه الملتحي لتلتقي بنظراته التي كانت تتأملها أيضا ببطئ من رأسها حتى أخمص قدميها، وهنا شعرت بنفسها عارية أمام عينيه، فهي كانت ترتدي بيجاما حمراء دون أكمام وصدرها مفتوح على شكل ٧وبالكاد تغطي خصرها النحيل، عدا عن سروالها الضيق، تجمدت في مكانها واتسعت عيناها برعب، لقد مضى على غيابه خمسة سنوات وقد تغيرت كثيرا عما كانته قبل خمسة سنوات فقد نضجت وازدادت أنوثه، ولم يكن من اللائق أبداً أن تظهر أمامه بهذه الملابس، ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة خبيثة فقد ادرك بما تفكر حينما رأى نظرتها المرتعبة، وتحول جمودها ورعبها إلى غضب هائج، دفعته بسرعة من طريقها وركضت مسرعة إلى غرفتها لتغلق على نفسها بالقفل واستندت إلى باب غرفتها لتلتقط أنفاسها المتسارعة وتهدأ من ضربات قلبها التي تقرع كصوت الطبول ، يا الهي ما الذي دهاها ، عليها أن تأخذ حذرها في الايام القادمة، أضاءت غرفتها باللون الأحمر الوهاج، وعرفت أن قاسم خلف الباب يطلب سماحها له بالدخول ولكنها لم تجب وجلست فوق سريرها تراقب خطوته التالية والتي كانت عبارة عن توهج النور الاحمر داخل غرفتها بشكل متواصل وملح، ومن ثم تحرك مقبض باب غرفتها لاسفل، وهنا شعرت بغضب شديد، الا يجدر به الرحيل حينما ترفض لقاءه كيف يجرؤ على محاولته اقتحام غرفتها، من الجيد أنها اغلقته بالقفل ، وبعد قليل توقف الضوء عن التوهج و توقف المقبض عن الحركة، ورأته يمرر من تحت الباب ورقة صغيرة و من ثم عم الهدوء المكأن، التقطت ماسة الورقة وقرأتها.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم