الفصل الثامن
معا تحت سقف واحد
ورأته يمرر من تحت الباب ورقة صغيرة و من ثم عم الهدوء المكأن، التقطت ماسة الورقة وقرأتها.
- استقبالك لي فاق كل توقعاتي، أنتظرك في غرفة المكتب لا تتأخري.
ذلك المغرور المتعجرف، حتى في اسوأ اللحظات يجد فرصة للسخرية منها ، وفوق هذا يأمرها ، من يظن نفسه؟!
اتجهت بغيظ إلى غرفة ملابسها وارتدت قميصا طويلا بأكمام طويلة فوق بيجامتها، ولملمت شعرها الطويل الناعم بشكل ذيل حصان، ومن ثم استجمعت شجاعتها واخذت نفسا عميق و ذهبت إلى حيث ينتظرها ، فتحت الباب دون أن تطرقه ووجدته واقفا امام النافذة ينظر من خلالها إلى حديقة المنزل، الوقت كان مساء وضوء القمر اطل ليحيط المنزل بنوره، عبست ماسة واتجهت بأنظارها إلى ساعة الحائط لتجدها الثامنة مساءً ، لقد استغرقت وقتا طويلا بالنوم دون أن تشعر، التفت إليها قاسم وتابع بعينيه نظراتها، التوت شفتيه بابتسامة ساخرة،
- لقد اضعتي الكثير من الوقت بالنوم ، ما الامر هل لأن والدتي ليست هنا بدأت تتخاذلين؟
ارتفعت نظرات ماسة لتقابل نظراته الساخرة ، لقد تغير كثيرا حتى نظراته إليها اختلفت، في الماضي كانت تشعر بمحبته من خلال نظراته ولكن الآن فقد كست نظراته ملامح غريبة غامضة بائسة ولكن الشيئ الوحيد الذي لم يتغير هو وسامته، اللعنة فقد ازداد وسامة ملفته للنظر ورجولة مهيبة، لا عجب أنه ارتبط حالما اتم تخرجه، فهو بدا كفارس خارج من قصص خيالية، ولكن فارس دون فرس ، للاسف ليس فارسها وليست اميرته لذا عليها أن تتعامل مع هذا الوضع الجديد ، عليها أن تغير من طريقة تفكيرها به ، فهو ليس الا شقيقها ولا يجب أن تفكر به بطريقة اخرى غير ذلك ، تنهدت ماسة ومن ثم اشارت بيديها بالسؤال الذي كان ينتظره منها.
- اين امي ، ألم تأتي برفقتك؟
ما زال لا يعرف كيف سيقنعها بكذبته فقد كلفته والدته المرحومة بمهمة شاقة، وتمنى أن ينجح بها من اجل والدته ومن اجل ماسة ايضا ، تنهد وهو يلتفت بعيدا عنها وبدأ ينطق بالاكاذيب التي اعدها في وقت سابق ، ولكن ماسة قفزت في وجهه فجأة وكانت تعابيرها غاضبة جدا ومن ثم اشارت له بيديها.
- هل تسخر مني ، فلتنظر لي حينما تحادثني.
اجل أنها مهمة اصعب مما كان يتوقع ، عليه أن ينظر في عينيها لتستطيع ترجمة حركة شفاهه وتعرف ماذا يقول ، يا الهي فلتساعدني ، عاد يرتدي قناع اللامبالاه ونظر إليها بتأمل ، كيف لها أن تزداد جمالا في عينيه كل ما وقع نظره عليها ، أنها غاية في الجمال حتى في اسوأ حالاتها ، أنتبه لارتفاع حاجبها معلنة عن نفاذ صبرها لسماع رده.
- والداي قد اضطرا للسفر الى الولايات المتحدة ، فقد عرض عليه والد خطيبتي مشروعا يتعلق بأعماله وقد وافق ابي على الأنضمام لهذا المشروع ولأنه ما زال في البداية عليه أن يبقى على رأس العمل إلى أن يتاكد من نجاح المشروع.
اتسعت عينا ماسة بصدمة ، لقد وعدتها امها بأنها لن تتاخر كيف حدث هذا وكيف لم تخبرها او تعود لرؤيتها اولا ، تابع قاسم حينما رأى حزنها الذي ارتسم في عينيها ، لن يترك لها مجالا للتفكير أبداً في هذا الموضوع.
- ماذا؟ هل أنتي طفلة؟ اكأن عليها اصطحابك معها؟؟
ومن ثم اطلق ضحكة ساخرة منها لردة فعلها وهو يستدير متجها الى مقعده خلف المكتب وقد وضع يديه في جيب سرواله الجينز باحكام كي لا يضعف وياخذها بين احضانه ويمسح التعاسة التي كست وجهها البريئ.
- أوه، يا الهي ماسة ، متى ستكبرين ، لقد افنت امي حياتها في تدليلك ، حتى أنها اهملت والدي لأجلك ، لا تكوني أنانية ، لطالما أرادت أمي الذهاب في عطلة الى الخارج برفقة والدي ، وها قد استطاعت أخيراً فعلها ، لا يمكن أن تتطفلي عليها طوال الوقت ، بربك دعيها تتنفس قليلا.
فغرت ماسة فمها بصدمة ، هل هذا ما كانت تفعله حقا ، هل ضيقت الخناق على والدتها دون أن تشعر ، وقاسم كيف يخبرها بهذا بتلك الطريقة الفجة ، لماذا تشعر الآن وكأنها نكرة ، طوال السنوات التي امضتها بينهم لم يجرؤ احد على التحدث امامها بهذه الطريقة ، شعرت ماسة بالبؤس فجأة وقد احنت راسها والتفتت لتخفي تعابيرها عن نظرات قاسم المتفحصة ، واتجهت بخطوات بطيئة الى الخارج ، ولكن قاسم امسك بذراعها فجأة وقد ارتسم على وجهه تعبير غاضب ، كانت نظراتها إليه متسائلة ، ماذا يريد بعد ، الم ينهي سخريته منها ، ام مازال في جعبته المزيد من الكلمات الجارحة ، كان يحمل في يده رسالة مغلقة ، حينما نظر إلى عينيها الدامعتين لم يطق النظر إليها اكثر كل ما فعله هو وضع الرسالة في يدها ومن ثم تركها واتجه الى خارج المكتب، وهو يشعر بنظرات ماسة اليائسة تخترق روحه ، كان مجبرا لم يكن لديه اي خيار ، فهي متعلقة بوالدته كثيرا ، وهو عليه أن يتاكد بأنها ستتخطى هذا التعلق وستتجاوز هذه المحنه حتى لو اضطر أن يقسو عليها ، كان لديه العديد من الامور يتحتم عليه أنجازها ، بداية من جنازة والديه وحتى اتمام جميع المعاملات في شركة والده والتعامل مع الشركاء والعملاء التابعين للشركة ، فقد تكدس كل شيئ فوق رأسه مرة واحدة ولا مجال للتقاعس والا تعب والديه طوال سنوات سيتحطم عليه أن يتولى مقاليد الامور ، ولكن يبقى كل شي اسهل من التعامل مع ماسة ، فهو لا يستطيع أن يحتمل نظرات الأنكسار في عينيها ، لا يحب أبداً أن يكون سببا في حزنها ، لطالما تمنى أن يكون الوحيد الذي يرسم البسمة على وجهها البريء ، تنهد قاسم بحسرة وهو يستقل سيارته للذهاب إلى بيت عمه حيث سيقيم جنازة والديه في بيت العائلة الكبير.
جلست ماسة داخل غرفتها تحدق برسالة والدتها المغلقة ، كانت خائفة من فتحها وقرائتها ، لم تعد تثق بنفسها ، فقط لو اعطاها الرسالة دون أن يسمعها ذلك الكلام الجارح لطارت من الفرحة ولكن الآن ، هي حقا تخشى قرائتها ، بل اخذت تراقبها مترددة وكأنها توشك على الكشف عن قنبلة موقوته ، لما اخبرها قاسم بهذا الكلام الجارح ، هل ملت والدتها وجودها ولم تعد ترغب بها ، هل حقا كانت تشكل عقبة لها ولوالدها ، ولكنها أبداً لم تشعر بذلك يوما ، فالحب الذي اغدقاه عليها كان كفيلا ليجعلها تشعر بأنها فرد من العائلة ولا تقل شيئا عن قاسم ، ولكن الآن بعد كلمات قاسم بدأت تشعر بالدونية والنبذ وكأنها في مكان ليس لها، وكأنها تطفلت عليهم وسلبتهم راحتهم وقيدتهم عن فعل ما يرغبون ، لم تشعر ماسة بدموعها الا بعد أن سقطت فوق الرسالة التي كانت تحملها بيدها المرتجفة ، وبسرعة جففت دموعها وسارعت لفتح الرسالة ، عليها أن تقرأها سواء كانت خيرا ام شرا لها ، فلا خيار امامها ، اخذت نفسا عميقا وشقت غلاف الرسالة.
تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم