القائمة الرئيسية

الصفحات



 



  الفصل التاسع

مشاعر معقدة



اخذت نفسا عميقا وشقت غلاف الرسالة.

ماستي الغالية :

(اعلم بأني وعدتك أن اعود سريعا ولكن ، أنا اسفة كثيرا لأني لم استطع ذلك ، لقد عرض على والدك فرصة عمل كان يتوق إليها منذ سنوات ولم نتمكن من الرفض ، اعلم بأنك ستتفهمين الامر يا عزيزتي ، اردتك أن تعلمي بأني لطالما رغبت بأخذ عطلة مع والدك للراحة من ضغط العمل ، وهذه العطلة اتت بعمل جيد لوالدك وأيضا فرصة لي لاتفرغ له واساعده فقد اهملته كثيرا في الاونة الاخيرة واريد تعويضه عن الايام الماضية ، أن مشروع العمل في جزيرة في منتصف البحر ، كان حلمي أن اعيش فوق جزيرة ولو لفترة محددة وها قد سنحت لي هذه الفرصة ، اسفة يا صغيرتي أن كان غيابي اغضبكي ، ولكن لا اريد لغيابي أن يؤثر عليكي أبداً ، اريدك أن تتابعي دراستك وتتفوقي بها ، اريد حين عودتي أن افتخر بكي وبأنجازاتك العظيمة ، لذا لا تخيبي املي وجاهدي وثابري وحققي حلمي وحلمك ٍ، ولا تنقطعي عني بالرسائل ساكتب لكي دائما ولن اتوقف أبداً ، حبيبتي اعتني بنفسك وبشقيقك جيدا ولا تتشاجرا أبداً واستمعي إليه دائما وأن قام بازعاجك فقط ابلغيني وأنا سأوبخه من اجلك ، احبك كثيرا.)

احتضنت ماسة الرسالة بحب وشوق ودموع ، أن والدتها لم تجرحها يوما ولو بالنظرات ، كلمات قاسم القاسية جعلتها تشك وترتاب من الرسالة ولكن الرسالة اتت بعكس ما اشعرها به القاسم تماما ، أن والدتها ما زالت تحبها ولم تمل منها وقد وعدتها بالعودة إليها ، ماذا هل تكتب لها الآن وتشكو لها تصرف قاسم القاسي معها ، بالتاكيد لن تفعل ولن تسمح له بأن يفسد مشاعرها حيال والديها ، ذلك المغرور ، لما لا يتزوج من تلك الشقراء ويرحل من هنا ، اما بالنسبة لماسة فهي ليست بحاجة الى شخص مثله بجانبها ، زفرت بشدة وهي تخفي الرسالة بصندوق اسرارها السري واغلقت عليه بالمفتاح ومن ثم ارتمت فوق سريرها تحدق بالبلورة المعلقة بسقف غرفتها ، وفكرت بعزيمة.

- قاسم ايها المغرور المتعجرف ، لن اسمح لك بتدمير سلامي النفسي ، بل أنا من سيدمر سلامك واجعلك تعود راكضا الى شقرائك المدلله وارتاح من وجهك الغليظ إلى الابد.

ونفخت بشدة ، ثم عبست ، اللعنة وجهه ليس غليظا أبداً ، بل هو في غاية الوسامة ، دفنت وجهها في وسادتها متذمرة واخذت تركل بيديها واقدامها متأففة، ولسان حالها يقول ، هذا ليس عدلا ، فلتساعدني يا الهي.

قاسم لم يعد للمنزل مبكرا تلك الليلة وماسة لم تستطع النوم ايضا ، كانت تلك الليلة الأصعب على قاسم والاكثر شدة ، ليس هذه الليلة فقط بل والايام القادمة ايضا ، ستكون ايام مريرة لا يعلم كيف سيمضيها قاد سيارتة الى داخل القصر واول شيئ فعله حالما نزل من السيارة هو النظر الى غرفة ماسة المظلمة ، هل هي نائمة ، هل هي بخير.، هل ذرفت الكثيرمن الدموع ، هل تناولت عشائها ، هل نقمت عليه لقسوته عليها ، لا يحتمل فكرة أن تكرهه او حتى تغضب منه ، اخذ نفسا عميقا واتجه الى البيت بخطوات متمهلة ولسان حاله يقول ، صبرا جميلا يا ماسة ستأتي اياما اجمل بالتاكيد فقط اصبري.

ماسة لم تكن نائمة بل وجدت نفسها متفرغة جدا لترد على رسالة والدتها الحبيبة وعلى الفور ، فقد ارادت بشدة أن تكتب لها وتطمأنها أنها بخير وأنها سعيدة جدا لسعادتهما وأن يقضيا وقتا رائعا ولا يفكرا بها لأنها ستكون بخير وعلى وفاق تام مع قاسم ، وأنها ستكتب لهما دائما وستنتظرهم بفارغ الصبر إلى أن ينهيا جميع اعمالهم ، وأنها ستتفوق في دراستها ولسوف تبهرهم وترفع راسهم فخرا بها تماما كما فعل قاسم واكثر.

أضاءت غرفة ماسة باللون الاحمر معلنة عن قدوم احد لزيارتها في هذا الوقت وبالتاكيد لم يكن سوى قاسم ، ماسة قررت أن لا تجيبه فهي غاضبة منه ولاتريد أن تختم مساؤها بوجهه العابس دائما بوجهها وكلماته الساخرة التي تغيظها ، وحالما رأت مقبض الباب يتحرك دفنت نفسها تحت الأغطية وهي تشتم نفسها مرة تلو الاخرى كان عليها أن تغلق باب غرفتها بالقفل لا يمكن أن يدخل غرفتها وقتما يشاء وكل ما يشاء فهي لم تعد تلك الصغيرة التي كانتها قبل خمسة سنوات ، اللعنة، قد جلس الى جانبها على حافة السرير ، اغمضت عينيها بشدة واخذت تدعو في سرها أن يتركها ويغادر غرفتها ولكن ما حدث عكس ذلك تماما ، فقد شعرت باصابعه تخلص شفتها السفلى من بين اسنانها الناصعة البياض فقد كادت أن تدميها لشدة ضغطها عليها ، وبخت نفسها وهي تفتح عينيها المغلقة ببطئ، كيف لفتاة يفترض بها أن تكون نائمة تعض شفتها اثناء نومها ، ماسة أنتي غاية في الغباء، كيف لكي أن تتفوقي بالدراسة وأنتي غبية جدا على ارض الواقع.

كان قاسم يحدق بها بابتسامة في عينيه بالكاد وصلت إلى شفتيه، وحالما رفعت نظراتها المحرجة إليه قال وهو يركز نظراته فوق شفتيها الكرزيتين.

- لا تفعلي ذلك مرة اخرى ، سوف تدمي شفتيك.

تراجعت ماسة مبتعدة عن لمسة يديه فوق شفتها وقد شعرت بدقات قلبها المتسارعة و كأنها ستتوقف باي لحظة وحالما أنحدرت نظراته الى عنقها وصدرها الناصع البياض والذي اكتسى بلون وردي محبب تحت أنظاره الفاحصة ، سارعت لسحب الغطاء الى حافة ذقنها ، فكر قاسم ، اللعنة ، لقد فعلتها مرة اخرى ، وفي كل مرة تقوم بها تشعل النيران في جسده ، وفي كل مرة يفقد صوابه جراء حركتها تلك ، ينهر نفسه ويتذكر وعده لوالدته ، عليه أن يتوقف عن التفكير بغير ذلك ، نفض من راسه افكاره الشائكة فهي تقوده الى منطقة خطرة هو بغنى عنها الآن.

- لقد اعددت وجبة عشاء خفيفة ، سأكون بإنتظارك في الاسفل.

وقبل حتى أن تعترض اختفى من حيث اتى وقد اغلق الباب خلفه ولم تعلم بأنه يستند إليه بظهره يلتقط أنفاسه المتسارعة ويهدأ من ضربات قلبه ، خاطب نفسه وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة حالمة ، هي ليست بشر بالتاكيد ، أنها حورية هاربة من الجنة ، حوريته وحده ماسته الغالية.

ماسة كانت متجمدة في مكانها ، ماذا حدث للتو ، ونظراته تلك ، لقد شعرت بنظراته تخترق روحها ، لقد احست بنفسها مكشوفة جدا امامه ، فقد استطاع قراءة ما تفكر به بالتأكيد ، ولكن ما زالت تلك النظرة تشغلها وهي واثقة بأنها ستؤرقها لليال طوال ، اللعنة سأرتدي ملابسي والحق به قبل أن يعود ، فهو لا يسال أبداً ، أنه يلقى الاوامر فقط وهي عليها التنفيذ ، قاسم سوف اجعلك تندم ، كيف تعود بعد كل هذه السنوات لتؤرقني وتقلق راحتى ، لا يحق لك أبداً العبث في حياتي ، بالتاكيد سأتخطاك لن تنجح في كسري أبداً ، نظرت الى دبها المشوه بعد أن ارتدت ملابسها وضمت شعرها على شكل كعكة ، كان منظرها مضحك، ثوب طويل ذو اكمام طويلة وقبة عالية ، فقد كانت هذا الثوب هدية خالتها البغيضة لها ، وقد احتفظت به ماسة لاجل والدتها وتظاهرت بأنه نال اعجابها بالرغم من اتساعه المفرط عليها وطوله المدلدل بشكل غير مريح في السير ، والدتها كانت تعرف بأنها لم تعجبها وقد وعدتها بأخذها للخياط ليجعلها على مقاسها تماما ولكن ماسة اعترضت لأنها اصلا لا تنوى ارتدائها ، والأن أنظرو القدر ، فقد شعرت بأن جميع ملابسها ليست مناسبة للظهور بها امام شقيقها ، وعليها أن تشتري ملابس اخرى اكثر احتشاما ، فهي لا تعلم كم الفترة التي ينوي أن يمضيها هنا ولكن بالتاكيد ليس اكثر من اسبوع واحد ، فهو غارق بالحب وبالتاكيد يتوق للعودة الى شقرائه ، عند هذه الفكرة شدت من عزيمتها وخاطبت دب الباندا قائلة بحماسة ، ساتغلب عليك بالتاكيد.

نزلت ماسة الدرجات بهدوء خوفا من أن تتعرقل بطول ثوبها المضحك وقد لملمت اطرافه بيدها بينما اليد الأخرى كانت تستند بها على السلالم ، نظر إليها القاسم شزرا وحينما رأى منظرها المضحك ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة ساخرة حاول محوها قبل أن تراها ماسة ولكن بدا واضحا جدا عليه بأنه يكتم ضحته الساخرة ، تظاهرت ماسة باللامبالاة وهي تهمس بينها وبين نفسها ، اللعنة لا يفوت فرصة أبداً ، نظرت إلى المائدة التي اعدها قاسم فلم تكن تحوى شيئا عدا الباستا ، جعدت أنفها بعدم رضا ، فلم تكن تلك المائدة العظيمة التي لا تقاوم كان عليه أن يتركها نائمة افضل، ونفخت متذمرة وهي تلتفت إليه لتعترض على ازعاجها في مثل هذا الوقت فقط من اجل الباستا ، ولكن اصطدمت عينيها بنظراته المحدقة بها والتي كانت تقيمها من رأسها وحتى اخمص قدميها ، شعرت ماسة بالحرج ، فهي تعي جيدا كم هي بشعة بهذا المظهر الا أنها لم تبالى ، فآخر همها أن تنال اعجابه ، فهو بالنهاية شقيقها الأكبر ولن يكون بينهما اي شئ اخر غير ذلك ، اشارت بيدها وهي تجعد وجهها بعدم رضى.

- أنا لا احب الباستا ، كان بإمكانك تناولها وحدك دون ازعاجي بهذا الوقت.

استند قاسم الى كرسيه وهو يكتف يديه ونظراته توبخها على سوء تقديرها له، ومن ثم قال بعتب اخوي لطيف.

- حينما عدت املت أن اراك بأنتظاري لنتعشى سويا ، يفترض بأنك سيدة هذا المنزل حاليا ، كما أنه عليك الاعتناء بشقيقك كما اوصتك والدتي.

ارتفع حاجبا ماسة باستفهام ، لقد كانت الرسالة مغلفة باحكام ، كيف عرف ما بداخلها ، او أن والدتها استعانت به لكتابة الرسالة ، فالرسالة كانت مطبوعة على الكمبيوتر ، و والدتها لا تفهم بأمور التكنولوجيا الحديثة ، اذن بالتأكيد استعانت به لكتابتها ، قاطع قاسم افكارها وهو يتابع.

- أن كنتي لا تحبين الباستا ، ما رايك أن اخذك الى مطعم قريب لتناول العشاء؟ 

فكرت ماسة أنه عرض مغري جدا ، ولكنه يخالف مخططاتها ، فكل ما ترغب به ماسة ، هو جعله يفقد صوابه بأسرع وقت ويعود لشقرائه وترتاح من وجوده غير المرغوب ، لذا لن تعطيه فرصة للتقرب منها وفتح صفحة جديدة معها ، فهي تحب البقاء في صفحتها القديمة الممتلئة بشاخبيط افعاله المستفزة ، هزت رأسها نافية وهي تسحب كرسيها لتجلس مقابله ، ومن ثم اشارت بيدها.

- لا داعي لهذا فأنا لست جائعة على اي حال ، كما أني لست مجبرة على أنتظارك واطعامك.

كان قاسم يفهم اشاراتها جيدا ولكنه لم يحب أبداً أن يحادثها بنفس الطريقة كي لا تشعر باعاقتها، فقد احب أن يعاملها كأنها أنسانة كاملة لا ينقص من قدرها شيئ ، ففي غيابه عنها لخمس سنوات ، اهتم كثيرا بلغة الصم والبكم واراد أن يتعلمها بشكل ملح ، فقد اعتادت ماسة قبل أن يغادرها أن تضايقه ببعض الاشارات التي لا يفهم معناها ، وكان يتوق ليعرف ماذا تعني بهم ولكن ردها كأن دائما السخرية منه واخراج لسانها له تغيظه وتهرب من أمامه مسرعة ، لذا حرص على تعلم لغة الاشارة ولكنه لن يخبرها بذلك ، سوف يتركها تعتقد بأنه ما زال لا يفهم بعض الاشارات المعينة ، كانت تتناول الباستا بنهم ، نسبة لفتاة لا تحب الباستا كما قالت فهي اما تكون جائعة جدا او أنها كذبت بشأن حبها للباستا أو وهو الاحتمال الأكثر ترجيحا ، أنها وجدت في طبق الباستا ملاذا تختبئ فيه منه ، ومجرد التفكير بأنها تفعل هذا لتتجنبه ، جعل نيران الغضب تتقد داخله .

يتبع ...

تعليقات

التنقل السريع