القائمة الرئيسية

الصفحات

 



 الفصل الرابع 

قبض الثمن


وفارقتها حنان بعد أن ودعت الصغيرة ووعدتها بأن تعود من أجلها لاحقا لتأخذ ها إلى المدرسة.


عادت حنان الى واقعها حينما سمعت صوت باب غرفة ماسة يفتح برفق وذهبت لترى أن كانت تحتاج لشيء ، كانت ماسة تقف على باب غرفتها لا تعرف بأي اتجاه تذهب وتذكرت حنان بأنها لم تأخذ ماسة بجولة في المنزل وبالتأكيد لا تعرف أين المطبخ أو الحمام والمسكينة لا تتكلم لذا لن تستطيع طلب المساعدة من أحد ، رق قلب حنان على منظر الصغيرة البائس الناعس ، تشعر بأنها محظوظة لأنها وجدتها ، وكأنها هدية من السماء وكأن الخالق وضعها في طريقها من اجل هدف ما ولن تستطيع كشفه إلا بعد حين ، تقدمت من ماسة وسألتها برقة.


- ماذا تحتاجين حبيبتي ، هل ترغبين أن أحضر لكي شيئا؟


نظرت لها ماسة بعينين ناعستين براقتين بدموع مستترة جاهدت ماسة أن لا تنحدر من عينيها الجميلتين ، ومن ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة بريئة وأصدرت صوت آهة صغيرة وهي تشير بيدها الى فمها ، وقد فهمت حنان أنها بحاجة لكأس من الماء ، احتضنتها بين ذراعيها واخذتها إلى المطبخ وهي تقول بحنان فائق.


- سأحضر لكي كأسا كبيرا من الماء واذا احببتي فسوف اصنع لك فنجانا من الحليب الدافئ كي يساعدك على النوم ما رايك؟ 


كانت الصغيرة تهز برأسها موافقة بسعادة تفوق سعادة حنان التي كل ما رأت ابتسامة الطفلة الصغيرة تشعر بمدى صحة قرارها الذي اتخذته فهما الاثنتان ستكونان شفاءا ودواءا لبعضهما البعض ولقاسم أيضا ، بعد قليل من الوقت عادت ماسة للنوم في احضان حنان وقد شعرت بالدفيء والأمان اللذان حرمت منهما بوفاة والدتها المسكينة .أخذت حنان تملس شعرها الكستنائي الناعم فقد أصبح جميلا جدا بعد أن استحمت واعتنت به جيدا في هذا اليوم المرهق ، فقد زارتها بالمدرسة الخاصة بعد أن سجلتها ودفعت تكاليفها و أوصت المدرسات أن يعتنين بها جيدا ويعاملوها معاملة خاصة ، و بعد أسبوعين فوجئت بأنها تغيبت طوال الأسبوع الماضي وأن والدها أتى و استرد الرسوم المدفوعة وأخبرهم بأنها لن تعود للدراسة مجددا ، غضبت حنان كثيرا لأن المدرسات لم يعلموها بذلك منذ لحظة حدوثه وعلى الفور ذهبت لترى سبب تغيب ماسة وهناك وجدتها تتعرض للتعنيف من قبل والدها وزوجته لأنها لم تجلب اليوم لهم المبلغ المعتاد وقد كانت ماسة متقوقعة على نفسها تتلقى الضربات بيديها كي تحمي رأسها من الأذى وكانت فتاة تقريبا تبلغ من العمر أحد عشر عاما وفتى بمثل عمرها واقفين ينظران اليها بسخرية وكأنهما يستمتعان بعذابها أو ربما الأسوأ كأن يكونا هما سبب عذابها، كانا مرتبان وأنيقان بملابس المدرسة ولا يدل لبسهما على مدى فقرهما أو وضعهم المادي السيئ ، كادت حنان أن تصرخ عليهم من شدة غيظها ، كيف لهما أنا يعاملا هذه المسكينة بهذا الشكل ويستغلان عجزها وعدم قدرتها عن الدفاع عن نفسها ، صاحت حنان بصوت حاد كي ينتبهوا لوجودها ويكفوا أذاهم عن الصغيرة.


- ماذا يحدث هنا؟


وفي الحال التفت الجميع بصدمة لرؤيتها وقد شاهدتهم بالجرم المشهود وفي الحال تداركت زوجة ابيها الوضع وصاحت متظاهرة بالراحة لوجود حنان في هذه اللحظة.


- يا الهي من حسن الحظ أنكي اتيتي ، تلك الشقية ترفض الذهاب إلى المدرسة ، لقد تعبنا أنا ووالدها في محاولة إقناعها ولكن دون فائدة ، من الجيد أنكي اتيتي علك تقنعيها بالذهاب الى المدرسة.


تمالكت حنان أعصابها بقوة متناهية وجثت على ركبتيها امام الصغيرة تمسح دموعها و تخفف عنها ، فقد رأت وسمعت كل شيء وكذبة زوجة أبيها المنافقة لم تمر عليها أبداً، قالت لماسة برقة.


- ما رأيك أن اخذك أنا إلى المدرسة بنفسي ، هل تحبين ذلك؟!


هزت ماسة رأسها بلهفة موافقة ، مما أثار غيظ زوجة أبيها وأبنائها بينما أبيها تذمر قائلا:


- إن ما تفعلينه لأجلها دون فائدة ، هذه الشقية لن تنفع لشيء أبداً ، ربما لو أعطيتني هذا المال لافتتاح مشروعا صغيرا أعيل به عائلتي سيكون هذا المشروع سترا أبديا لها بدلا من هروبها إلى الشارع وسخرية الناس منها طوال الوقت.


نظرت حنان إلى الرجل الاعرج الرث المظهر شعره الذي كساه الشيب كان في غاية الكثافة والقذارة وكأنه لم يستحم لشهور وعيناه ضيقتان صغيرتان غائرتان في محجرهما ، والتجاعيد تكسو وجهه المغطى بلحية بيضاء كثيفة غير مهذبة تماما كملابسه الممزقة القذرة التي كان يرتديها ، شعرت حنان بغثيان، كيف يبدو هذا الرجل بهذا العمر فقد اعتقدت بأنه أصغر سنا ولكن هذا الرجل يبدو بالأربعين من عمره كيف أنه ليس لديه أبناء سوى ماسة ، وفكرت بأنه ربما تزوج متأخرا جدا ، بالطبع من ستقبل برجل رث كهذا مسكينة ماسة فقد ظلمت بهذا الزواج الغير ملائم ، أشارت حنان لماسة بأن تسبقها إلى سيارتها وتنتظرها بداخلها وعلى الفور اطاعت ماسة طلبها وكأن فيه حبل نجاتها ، وقفت حنان على ساقيها وهي تراقب فرار ماسة السعيد من أمامها وتنهدت ، هذه العائلة غير مناسبة لماسة أبداً فهي تحتقرها وتهينها وحنان لن تطمئن عليها بينهم أبداً ، وبعد هذه اللحظة أيقنت بمدى جشع والدها واهتمامه بالمال أكثر منها ومن هنا خطرت لها فكرة تبنيها وكانت واثقة بأن العرض سيلائم والدها وزوجته كثيرا بل وسيرحبان به جلست حوالى النصف ساعة معهم كي لا تتأخر على ماسة وكانت واضحة جدا في عرضها بحيث لا يتظاهرا بعدم الفهم او يساء فهمها عمداً.


- كم تريد؟


أنبسط وجه والدها وزوجته بسعادة غامرة أظهرت اسنانه السوداء الساقط أغلبها جراء شربه الخمر وادمانه التدخين وقال بجشع متناه في صوته ونظراته ولهفته لأخذ المال منها قال بخباثة.


- أنتي كريمة ونحن الناس الأحق بهذه المساعدة المالية١ ولن ننسى معروفك هذا أبداً ، فأنتي انقذتي عائلة بأسرها من الضياع.


هزت حنان برأسها ونظرت إلى البيت المتهالك ومن ثم قالت بثقة:


- مليون دولار ، وتنسى أمر طفلتك نهائيا ولا تطلبها أبداً ولا تأتي حتى لزيارتها بل لن تقترب منها قيد أنملة ، بكلمة واحدة ستنسى بأن لك طفلة اسمها ماسة للأبد ، اتفقنا؟


لمعت عينا الرجل بجشع كبير وكأنها عرضت عليه فرصة للحياة وأمل للنجاة وسنوات قادمة من السعادة الأبدية ، ولكن سرعان ما بدا عليه وكأنه سيعترض ليتفاوض بالأمر لربما المبلغ يزيد فتظاهر بالحزن والأسى وهو يقول:


- ستأخذين مني فلذة كبدي ولن أراها أبداً ، طفلتي التي لا تساوى بمال الدنيا أبداً ، كيف لك أن تقدمي لي المال في مقابل أخذها مني؟!


ابتسمت حنان بينها وبين نفسها فقد علمت أن هذا الرجل خبيث ولكنه ليس غبيا أبداً و هي واثقة بأنها لو اصرت على المبلغ الذي عرضته سيقبل به وعلى الفور ولكن ماسة تستحق الأكثر وهي لن تبخل عليها بالمحاولة أبداً ، فالحصول على ماسة يساوي ملايين الدولارات وليس مليونا واحدا فقط.


هزت حنان برأسها ونظرت إلى زوجته التي كانت تشد على يديه ليقبل بالمبلغ المعروض بدلا من أن يخسراه في مقابل طفلة لا نفع منها وهمست ساخرة:


- اذن اثنين مليون دولار ، هل هذا يكفي ثمنا لفلذة كبدك؟!


وكادت عينا الرجل تخرج من مكانها لشدة فرحته بالعرض بينما زوجته أخذت ترتجف من السعادة والإثارة سوف يصبحا من أغنى الأغنياء بسبب هذه البكماء هذا ما كانت تفكر به زوجة والدها الجشعة وحالما حاول الأب مجددا أن يماطل أكثر لعله يحصل على مبلغ أكبر ، صاحت زوجته بالموافقة مسرعة قبل أن يفسد زوجها الأمر ويخسروا العرض للأبد


- بالتأكيد هذا لن يكفي ولكنا موافقون ، أنتي سيدة طيبة ونحن واثقين بأن ماسة ستكون معكي بأمان وأنك ستقومين برعايتها وتعليمها جيدا ، أليس كذلك يا صابر؟


وحينما نظر صابر إلى عيون زوجته الغامزة والتي تطالبه أن يوافق ويجاريها وإلا سيخسر كل شيء وحينها تدارك الموقف وتظاهر بالحزن الشديد لفراق ابنته وقال بنفاق واضح:


- أجل أنتي محقة ، ماسة ستكون أفضل مع عائلة تهتم بها ، فأنا لم استطع أن ألبي احتياجاتها بسبب فقري ولكن ، بالتأكيد أنتي ستوفرين لها كل ما تحتاجه أنا شاكر لك جدا سيدتي.


وقفت حنان معلنة إتمام الإتفاق بينهم وقد شعرت بداخلها أنهارا من السعادة تفيض داخلها، فقد حصلت على ما أملت به وما توفيقها بهذا الأمر إلا رضا من الله على صحة قرارها وقالت قبل أن تغادر بيتهم:


- اتفقنا إذن ، ماسة ملكي منذ الآن ولا يحق لكما المطالبة بها أو تغيير رايكما بعد توقيع الاتفاق بيننا ، سأغادر أنا وهي ولن تاتو لرؤيتها أبداً بل لن تحاولوا رؤيتها ، سأعود لأحصل على توقيع منكم ولتحصلوا أنتم على المبلغ المتفق عليه.


ولكن والد ماسة اعترض بجشع فهو يهمه المال ولا شيء اخر.


- اما أن تدفعي الآن او يلغى الاتفاق ، فأنتي لا تأخذين قطعة جماد يا سيدتي بل ما تحصلين عليه هو فتاة من لحم ودم فتاتي الوحيدة الغالية على قلبي والتي لن أراها أبداً طوال حياتي ، لذا حصولي على المال الآن في هذه اللحظة هو أقل تعويض يمكن أن يفرض علي كوالد.


وبالرغم من صعوبة إنجاز الأوراق المطلوبة في يوم واحد إلا أن حنان لم ترد أن يعيقها شيء في سبيل الوصول إلى هدفها فقد وافقت على مضض وذهبت برفقة والد ماسة وزوجته الى المحامي الخاص بها والذي قام بتحضير أوراق التبني وجميع الإجراءات بنفس اليوم وتم التوقيع من كلا الطرفين وتم نقل حضانة ماسة إلى حنان قانونيا واستلم والدها الشيك بالمبلغ المتفق عليه واختفى هو وزوجته حتى دون أن يقوم بوداع صغيرته المسكينة او القاء نظرة أخيرة إليها ، كان زوجها سالم هو من وقف معها وساعدها وجعل المعاملة تتم بشكل أسرع من المعتاد ولم يكن يبدو عليه التذمر أو الاعتراض فهو كان يثق كثيرا بقرارات زوجته لشدة حبه لها ، فقد شرحت له الأمر باختصار ووضوح ولأنه كان بكل الأحوال موافقا على فكرة التبني منذ البداية فلم يقم بالاعتراض وكان تصرفه الحاد مع والد ماسة أدخل السرور الى قلب حنان اذ أنه هدده وبالحرف الواحد وبوضوح شديد.


- بناء على هذا الاتفاق ، اذا رايتك بالقرب من ماسة ولو كان صدفة او مرورا عابرا سوف أقوم بألقائك بالسجن مدى الحياة ، لا علاقة لك بهذه الطفلة أبداً وأنت لن تأتي للبحث عنها ما حييت.


وقد بدا الهلع على وجه الرجل من شدة الخوف وبالحال اختفى هو وزوجته بعد حصوله على ثمن ابنته، تنهدت حنان وهي تحمد ربها للمرة الألف على حصولها على زوج بهذه الشخصية والمواصفات التي تتمناها كل امرأة في زوجها ، عادت بنظراتها الى ماسة النائمة في حضنها بسلام تلك الصغيرة لقد تعبت كثيرا اليوم فقد تسوقت لها الكثيرمن الملابس والأحذية والكتب الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة وقد جعلت منها في ليلة وضحاها أميرة، الكل يحسدها ويغار منها ، كانت ماسة أجمل طفلة على وجه الأرض بنظر حنان ، فهي لم تشبه والدها أبداً فقد كانت مختلفة تماما عنه بالتأكيد هي تشبه امها المتوفاة فعلى ما يبدو أن والدتها كانت في غاية الجمال ، عجبا كيف تتزوج من رجل يكبرها سنا وتلقي بحياتها تحت قدميه وتلك المسكينة لم تكمل حياتها فقد خسرتها بسرعة وبقيت ماسة لتتحمل خطأ والدتها ، ابتسمت حنان بسعادة لأنجازها العظيم ، تلك الفتاة مقدرة لها ولن تسمح لأحد بأن يهينها أو يذلها ، ستكون ابنتها الحقيقية وستساعدها على التأقلم مع حياتها الجديدة.


في الصباح الباكر عادت ماسة لمتابعة دروسها الخاصة وكانت تمضي ما تبقى من وقتها في غرفتها تلعب بألعابها التي طالما تمنت الحصول عليها يوما، كانت ماسة سعيدة جدا رغم عدم تقبل قاسم لها الذي كان دائما يصرخ عليها ويشتمها حتى أنه طردها من البيت آلاف المرات إلا أنها كانت دائما تعود إليه بابتسامتها البريئة، كان ينبذها و ينعتها بالبكماء ذات الإبتسامة الغبية ولكن ردة فعلها كانت عبارة عن قبلة بالهوء له وابتسامة أكثر اتساعا، مما كان يزيد حنق قاسم الذي كان يرفع عينيه للسماء وكأنه يشكوها للخالق ويقول عنها بليدة ما باليد حيلة، وفي كل يوم كأن يزداد حب حنان لها وتعلقها بها فالفتاة طيبة جدا ولم تحاول أبداً أن تسيئ لقاسم رغم إساءته المتكررة لها.


مضت الشهور بسرعة وطرأ تحسن كبير على تصرفات قاسم وأيضا على ماسة أصبح بإمكانها التعبير عن طلباتها و آرائها فقد اصبح باستطاعتها كتابة الحروف الأبجدية كما أنها اتقنت لغة الصم والبكم، وقد أشاد المعلمين بذكائها وسرعة تلقيها وحفظها لكل ما يقومون بتلقينه لها حتى أنها تفوقت على جميع زميلاتها، لقد احبت العلم كثيرا وكل شيئ كانت تتعلمه كانت تأتي لوالدتها وتقصه عليها وتحاول تعليمه لها، وبهذه الطريقة تعلمت حنان تدريجياً معاني حركات الإشارة التي كانت تقوم بها ماسة لتتواصل مع عائلتها وكانت حنان دائما تحثها أن تذهب لقاسم وتحاول التواصل معه وتعليمه ما تعلمته ولكن قاسم كان دائم السخرية منها ومن حركاتها ، ولكنها كانت عنيدة وكانت تلتصق به كالعلقة أينما يذهب برغم رفضه لها طوال الوقت حتى أنه أصبح يغلق باب غرفته على نفسه لأنها تقتحم عليه خلوته دون استئذأن وبرغم من أن قاسم لم يحب ماسة أبداً كما هو واضح إلا أنه ما عاد يسأل عن شقيقته ميس وما عاد يذكرها قط فقد أنشغل بالسخرية من ماسة طوال الوقت أو التعليق على تصرفاتها ونقدها باستمرار أو متابعة دروسه في غرفته وفي مدرسته أيضا طرأ تحسن كبير على تصرفاته مع زملائه ومعلميه وأصبح ينخرط معهم في اهتماماتهم وألعابهم وقصصهم حتى الرحلات أصبح يشارك بها، هذا التحسن لم يأتي بسهولة بل اتى تدريجيا وبعد صبر وجهد وعناء، وكان والديه يراقبا هذا التحسن بسرور خفي ولا يعلقان عليه أبداً كي لا ينتكس ويتقوقع على نفسه مجددا، فقد كانا دائما على تواصل مع طبيبه النفسي الذي نصحهم بعدم الضغط عليه كثيرا وتركه يتاقلم مع حياته الجديدة دون انتقادات أو تذمر ، حنان كانت تشعر بالحزن على ماسة كلما رأت اساءة قاسم لها ، لهذا استشارت الطبيب الذي نصحها بعدم التدخل وأن الأطفال يستطيعون حل مشاكلهم بأنفسهم دون تدخل من ذويهم ، وهكذا كان بالفعل ، ماسة كانت تظل تعود لتشاكس قاسم كلما اساء إليها، تعود أقوى وأكثر عنادا واصرارا على نيل محبته حتى لو اضطررت لاستفزازه ، فقد كانت تحمل نوته وقلم بجيب سروالها الجينز وكلما احتاجت أن تخبره بشيئ تكتبه وتجبره على قرائتها ، فقد عمد عدة مرات على تمزيق الورقة أو الصراخ بها أو طردها أو صناعة طائرة ورقية من رسائلها ، ولكنها لم تستسلم أبداً وهذا ما كان يسعد حنان أكثر اذ أنها احبت عنادها وعزيمتها فهما السبيل الوحيد لكسر الحاجز بينهما، أحبت حنان اشارات الصم والبكم وحفظتها عن ظهر قلب لتستطيع التواصل مع ماسة بسهولة، ولكنها لم تحتاج أبداً أن تقوم بنفس الحركات فماسة كانت رائعة اذ أنها تعلمت قراءة الشفاه جيدا فهي تدقق النظر جيدا الى فم الشخص الذي يحادثها وحينها تفهم كل ما يقوله، وحينما علم قاسم بأنها تتقن قراءة الشفاه عمد الى اجبارها على النظر إليه حينما يطالبها بتركه وشأنه مستخدما اسوأ الالفاظ النابية الجارحة علها لا تعود له مجددا ولكنها كانت دائما تجيبه بحركات الإشارة (أنا احبك اخي)مما كان يفقده صوابه ويصرخ بأعلى صوته عليها.


-ولكن أنا لا احبك وأنا لست اخوكي أيتها الغبية


- بلغة الاشارة (أنت الغبي) وتخرج لسانها بإغاظة وتهرب من امامه.


ومع مرور السنوات تقبل قاسم وجودها في حياتهم واعتادت حنان مشاكلهم الصغيرة المضحكة وكان قاسم دائم الشكوى من ماسة وتصرفاتها لوالدته وكانت حنان تقول له :


- لا شأن لي بكما حل مشاكلك معها بنفسك أنت اخاها الكبير وهي ماستك الصغيرة أنت عليك أن تعتني بها وهي عليها أن تحترمك.


كان قاسم يغضب وهو يرد عليها:


- أنها ليست ماسة بل هي رصاصة قاتلة.


ويتركهم متذمرا ويذهب الى اصدقائه، ولكن السعادة كانت تغمر المنزل ولم يكن هناك من يشتكي او يتذمر ، بعد حصوله على درجات عالية بالثانوية العامة ارسله والده ليدرس بالخارج فقد كأن وداعه قاسيا على ماسة البالغة من العمر ثلاثة عشر عاما ولم تقبل النزول إلى الصالة لوداعه وقد تقوقعت على نفسها داخل غرفتها رافضة فكرة سفره ، كان سيرحل دون وداعها ولكن والدته اصرت أن يذهب لوداعها ، ذهب الى غرفتها وكعادته التي كان يزعجها بها لم يضيئ الجرس الاحمر الذي كان يعلن عن وجوده وينبهها إليه ، فتح الباب ونظر إليها كانت تجلس بجأنب النافذة تنتظر خروجه من البيت لتودعه بنظراتها وكانت الدموع تغرق عينيها وتحتضن بذراعيها دبدوب الباندا الذي أهداه لها تحت ضغط من والدته ، رق قلبه لحالها فهو لا يحبها ولكنه لا يكرهها أيضا فحتى الآن لم يعرف ما هي حقيقة مشاعره اتجاهها فهو لا يحب رؤيتها ولكنه يشتاق إليها حينما تغيب عنه ولا يحب التحدث إليها ولكنه يتوق لمراقبتها وهي تحاول ايصال فكرتها إليه، كأن لا يحب اللعب معها او قضاء الوقت برفقتها ولكنه كان يفقد صوابه حينما يراها تتعلق بطفل غيره وخاصة من الذكور وكأن دائما يتعارك معهم ويضربهم ويسحبها من شعرها ليعيدها إلى المنزل بقوة، حتى أنه في احدى المرات تدخلت لتساعد صديق كان قاسم يكيل إليه اللكمات والركلات وحينها جن جنونه أكثر ودفعها بقوة ليتابع ضرب صديقها وجراء دفعه لها اصطدم كتفها بقوة بحافة المكتب الحديدي وفزع قاسم لرؤية الدم الذي صبغ ملابسها الناصعة البياض ودموعها الصامتة المتألمة ونادى والدته التي اسرعت لأخذها الى المشفى فقد احتاجت الى ستة غرزات لقطب الجرح وقد شعر قاسم بالحزن والندم على تصرفه وكي لا يؤذيها راح يتجنبها دائما ويتجنب الشجار معها كي لا يتسبب في اذيتها وقد كانت الندبة فوق كتفها الأيسر كفيلة بتذكيره بما تسبب به لها ، والأن هي ترتدي قميصا بلا اكمام لتظهر الندبة واضحة جدا لدرجة اعتصرت قلبه بشدة فقد كانت تحتضن دميتها وعيونها باكية تنتظر خروجه من المنزل بصبر فارغ وقلب متألم كانت مشاعره المتناقضة اتجاهها ترعبه وتشتته لذا فضل أن يتجنبها.


شعرت ماسة بيد تربت على كتفها وفي الحال التفتت إليه لتراه واقفا ينظر إليها بابتسامة رقيقة حانية وهذه كانت اول مرة يوجه لها مثل هذه الابتسامة، مسحت دموعها بسرعة وعبست بشدة وهي تشير الى جرس غرفتها المضيئ


- لما لم تضغط فوق الجرس؟ 


كشر قاسم عن ابتسامة مشاكسة، أنها تكابر وتكره أن يراها تبكي لاجله وتتظاهر بالقوة والغضب كي تشتته، فعشرتهما هذه السنين جعلته يفهمها جيدا و يقرأ تعابير وجهها ككتاب مفتوح.


- لم أجد حاجة لذلك فهذا بيتي وأدخل اينما شئت وقتما شئت ودون استئذأن.


غضبت ماسة لرؤيتها ابتسامته الساخرة منها واستائت لأنه شاهدها تبكي فرمت دميتها التي كانت تفضلها عن جميع ألعابها وامسكت به تدفعه خارج غرفتها وهي تشير له بيديها.


- اخرج من غرفتي، اذهب الى طائرتك وحلق بعيد عني ولا تعود الى هنا أبداً.


ولكنه تملص من يديها وركض بسرعة الى دب الباندا المسكين الذي القت به الى الأرض واخذ يربت على رأسه بحنان ممازحا اياها.


- اه ولكن ما ذنب هذا المسكين لتصبي جام غضبك عليه ، أنظري كم هو حزين ويتالم.


اسرعت ماسة تنتزع منه الباندا بغضب وعادت لدفعه من جديد خارج غرفتها وهي تصدر أصواتا متذمرة غاضبة وحالما استطاعت اخراجه من غرفتها أقفلت الباب وارتكزت عليه بظهرها ووقعت عيناها على دب الباندا المبتسم لها بإغاظة فأنقضت عليه تضربه وتركله ومن ثم حملته بعد أن أنتزعت عينه وشقت أذنه وسارعت لتبحث عن قاسم الذي نزل الدرجات مستسلما عائدا لسيارته التي ستقله الى المطار ، وفجاة أمسكت به من ذراعه تسحبه بشدة لينظر إليها وحالما التفت القت الباندا بين يديه وأخبرته بلغة الاشارة.


-هذا المشوه ملكك لا اريده بعد الآن ولا اريدك أن تعود الى هنا أبداً ، أنا أكرهك.


وركضت باتجاه غرفتها مجددا ، قبل أن تغلق الباب بعنف أندفع قاسم خلفها ليمسك بها ويشدها بين احضانه بقوة صرخت ماسة وحاولت دفعه بعيدا بغضب شديد الا أنه زاد من احتضانها وقيد حركاتها بعناقه المحكم واخذ يهدئها برقة ولطف وهو يمسد رأسها بيده بحنان


_ اششش ، اهدئي، اهدئي


وبالرغم من أنه يعلم جيدا بأنها لا تسمعه أبداً الا أنها استكانت بين يديه ومن ثم أجهشت بالبكاء وما عادت تحاول انتزاع نفسها منه وحالما احس بهدوئها، أبعدها عنه قليلا لينظر إلى وجهها الباكي وقام بمسح دموعها بظهر كفه فأحنت راسها لتخفي وجهها عنه، أمسك بذقنها ورفع وجهها إليه ليغرق في بحر عينيها الدامعتين و قال بابتسامة حانية


_ أنتي ماستي الغالية هل تعرفين ذلك ، كوني على ثقة بأني سأعود لاجلك.


وطبع قبلة حانية فوق وجنتها الغارقة بالدموع ودون أن يعود للنظر إليها مرة أخرى سارع بالخروج من غرفتها، قام بوداع والديه و قبل أن يصعد إلى السيارة ارتفعت عيونه إلى نافذتها ليلقي عليها نظرة أخيرة، ولكنه لم يراها و من حركة الستائر الخفيفة عرف أنها تراقبه خفية من خلف الستائر ، رفع يديه نحوها بتحية وابتسامة جميلة ومن ثم اختفى داخل السيارة التي سرعان ما انطلقت لتتلاشى بين الزحام.




يتبع ...


تعليقات

التنقل السريع