الفصل الثالث
زهرة في مكب النفايات
ومن يومها دأبت حنان لمعرفة كل ما يخص هذه الصغيرة فقد دخلت قلبها بسرعة كبيرة و أرادت لها الخير وكم تمنت لو كانت وحيدة دون عائلة كي تضمها لعائلتها وتحتويها وتوفر لها كل ما تحتاجه، ولكن اكتشفت بأن تلك الصغيرة تعيش مع والدها و زوجته وأن امها توفت قبل عام واحد فقط نتيجة سطو بعض اللصوص على منزلها وقد ابرحوها ضربا حتى لفظت أنفاسها الأخيرة امام طفلتها ماسة التي كانت تبلغ من العمر ٣ اعوام فقط، وهذا جعل ماسة تعاني من صدمة نفسية أفقدتها القدرة على الكلام والسمع، واكتشفت ايضا بأن والدها سكيرا رعديدا سيء الخلق والأخلاق يضربها ويعذبها ويهينها ويجبرها على العمل كي توفر له السم الذي يشربه وإن عادت بدون مال يطردها خارج البيت ولا يسأل عنها بالأيام والأسابيع، ولكنها كانت دائما تعود بعد تغيبها بالقليل من المال الذي جنته بعرق جبينها كي تعطيه لوالدها الأخرق ويعفو عنها ويسمح لها بالمبيت داخل بيته المتهالك، تقطع قلب حنان عليها ولحالها و في احدى المرات ذهبت لزيارة والد ماسة، وفوجئت بحال البيت السيئة والبيئة الغير صحية التي تعيش فيها ماسة، وسط عائلة لا تهتم لأمرها أبداً، كانت تقف خارج البيت مترددة من طرق الباب، ولوهلة أرادت العودة من حيث أتت ولكن اندفاع ماسة المفاجئ وتعلقها بثوبها بشدة جعلها تتسمر في مكانها، لتظهر بعد ذلك خلفها امرأة حانقة غاضبة رثة المظهر حادة الملامح تحمل بيد خيزرانة وفي اليد الأخرى تعلق على خاصرتها طفل لم يتجاوز عمره العام الواحد تقريبا، وأخدت تلوح بعصاتها تتهدد وتتوعد ماسة بأشد أنواع العقوبات، نظرت حنان إلى عينين ماسة الدامعة وجسدها الصغير المرتعش، وأنتفض قلبها غضبا وألما حين رات الكدمات الحمراء والزرقاء تكسو ذراعيها و عنقها اثر ضربات الخيزران، والذي يستعمل عادة لضرب الدواب للسيطرة عليها، اعتصر قلب حنان عليها حزنا ، واضح أن هذه الطفلة تعاني اكثر مما يفوق عمرها والمسكينة لا تستطيع الكلام او الشكوى ، تركتها حنان تختفي خلفها ووقفت بمواجهة المرأة الغاضبة ، والتي حالما وقعت عينيها على حنان بدأت تبدل اسلوبها وتلين قليلا وانطلقت الكلمات المتلعثمة من شفتيها تبرر هجومها على الطفلة المسكينة.
- أوه سيدتي ، هذه الطفلة المشاكسة دائمة المشاكل تخيلي أنها قامت بصفع أخيها الصغير بقسوة ، لقد حذرتها مرارا وتكرارا ولكنها لا تسمع الكلام.
عبست حنان ، من الواضح أن هذه المرأة اعتادت التبلي على الطفلة بسهولة وثقة ، فماسة لا يمكنها الدفاع عن نفسها بكل الأحوال لذا بإمكانها أن تلقي عليها جميع الإتهامات دون أن يرف لها جفن سألت حنان بلطف.
- هل هي ابنتك؟!
نفت المرأة بسرعة مستنكرة:
- ابنتي!! حاشا الله أن أنجب مثل هذه الطفلة، ولكني زوجة أبيها وأحاول تهذيبها على قدر ما أستطيع ، ولكن على ما يبدو أنها أخذت طبع والدتها ، لذا لا أمل فيها.
هزت حنان رأسها رافضة اسلوب هذه المرأة بالحديث عن طفلة صغيرة لم تتجاوز الرابعة من عمرها وعادت بنظراتها الى ماسة الخائفة المختبئة خلفها تحتمي بها ورق قلب حنان لحالها ، وهذا كان سيئا ، فحنان يجب أن لا تتعلق بهذه الطفلة ، ولكن على ما يبدو أن كل ما تفعله هو التعلق بها رغما عنها وكلما عرفت عنها أكثر كلما تعلقت بها اكثر تنهدت حنان ، عليها أن تفعل شيئا لمساعدتها وإلا لن تفارق هذه الطفلة خيالها وأحلامها أبداً ، عادت تلك المرأة تتحدث بلطف و هي تتفحص حنان من رأسها وحتى أخمص قدميها.
- أنتي لست من هنا ، اليس كذلك؟! هل تبحثين عن احد؟! أم أنك تائهة؟! فمنطقتنا لا يأتي إليها الكثير من الأثرياء أمثالك.
ارتفع حاجبا حنان بدهشة ، واضح جدا على هذه المرأة مهما حاولت أن تبدو لطيفة واضح عليها الخبث ، حنان تملك نظرة ثاقبة في البشر ونادرا ما تخطئ ، وهي تشعر بأن هذه المرأة ليست سوية أبداً ، حسنا سوف تتعامل مع الأمر وكأنها مرت صدفة ولم تأتي بشكل خاص لأجل ماسة ، فواضح على هذه المرأة أنها لا تحبها ولا تعاملها جيدا ، فإن شعرت برغبتها لمساعدة ماسة وانحيازها اليها ربما تسيئ معاملتها اكثر ، رسمت على شفتيها ابتسامة لطيفة وقالت:
- أخبروني أن هنا الكثير من العائلات العفيفة تحتاج لمساعدة ، وأنا كل عام اتكفل عائلة لمساعدتها ، وعلى ما يبدو أن القدر ساقني إليكم كي اقوم بالمساعدة اذا كنتم بحاجة لها.
لمعت عينان المرأة بجشع واضح للحظة ومن ثم تصنعت البؤس والحزن وبدأت تستعطف حنان بكلماتها المعسولة ودعاؤها الواضح أنه لا يخرج من قلبها أبداً بل بالكاد يتجاوز لسانها.
- فليشهد الله أننا بأشد الحاجة الى المساعدة ، فنحن عائلة مكونة من 6 أشخاص وبالكاد نجد قوت يومنا فكما تعلمين أن الأطفال بحاجة الى ملابس وطعام صحي عدا عن تكاليف الدراسة ، وهذا الطفل الصغير أنظري إليه فهو بحاجة الى الحليب المغذي فأنا تغذيتي سيئة وطفلي صحته سيئة لأنه يفتقد العناصر الغذائية المفيدة.
قاطعتها حنان ، فهي لم تحب أبداً هذا النوع من استعطاف الناس المتملق ، فحنان كل ما ارادته هو مساعدة ماسة بغض النظر عن الظروف التي تمر بها.
- هل هذه الصغيرة تذهب إلى المدرسة؟
وكانت تعني ماسة بالطبع :
هزت رأسها نافية وهي تنظر إلى ماسة بغضب.
- لم يحن بعد موعد دخولها للمدرسة ، ثم أنها بكماء ، لن تفيدها الدراسة في شيء فهي لن تسمع ولن تفهم ، أنا لدي طفلان آخران انهما الآن بالمدرسة وسيصلان بأي لحظة الآن ، هما طفلان ذكيان جدا ولكن الحظ لما يحالفهم.
ارتفع حاجبا حنان بتساؤل :
- ووالدهم ، ماذا يعمل؟!
تذمرت المرأة بشدة وهي تندب حظها السيئ بمبالغة جعلت حنان تشعر بالغثيان.
- والدهم لا يأبه سوى لنفسه ، فقد سافر للعمل بالخارج وطلقني ولا يرسل المال لأطفاله ، لقد اضطررت للعمل كخادمة كي أستطيع تربيتهم ، وبعدها تزوجت بوالد هذه الشقية على أمل أن يساعدني ويهتم بي وبأطفالي ، ولكني اكتشفت بأنه يريدني لتربية ابنته وخدمته فهو عاطل عن العمل ويمضي اغلب النهار بالخارج ولا يسأل حتى عن طفلته ، انني ذات حظ سيئ وقد ارسلك الله لنا لانتشالنا من هذا البؤس.
لم يكن لدى حنان خيار اخر فإن أرادت مساعدة الصغيرة هذا سيكون من خلال هذه المرأة ، صحيح أن الطفلة بكماء ولكن هناك مدارس مخصصة لهذه الحالات الخاصة ، وستعمل حنان جاهدة كي تنال هذه الطفلة المسكينة جميع حقوقها ، أخرجت من حقيبتها مبلغ من المال وكان كافيا لشراء جميع احتياجات البيت الأساسية والثانوية حتى أنه يكفي ايضا لشراء الملابس والمستلزمات الدراسية ، وأعطته للمرأة التي تقريبا سقط فكها بصدمة وجشع لرؤية المال اذ أنها سارعت بسحبه من يد حنان بفظاظة وكأنها كانت تخشى أن تغير رأيها وأخذت تعده وهي تكاد لا تصدق ما حصلت عليه وفي نفس الوقت تدعو لحنان ادعيتها التي لم تشعر حنان بصدقها أبداً.
- فليجعل الله هذا في ميزان حسناتك ، أن الله ارسلك إلينا لأنه يعلم أننا اكثر الناس حاجة لهذا المال ، سأدعو لكي ليلا نهارا أن يرزقك الله كما رزقتنا ، فوالله مالك هذه لن يذهب الا لأجل الاطفال المساكين ، فليباركك الله وليجازيك كل خير.
- جيد ، أتمنى أن تعتني بالأطفال جيدا ، فهم نعمة من الله أما بالنسبة لهذه الطفلة ، فأنتي محقة هي بحاجة لمدرسة خاصة نظرا لوضعها لذا سآتي بالغد لاصطحابها الى مدرسة خاصة سأسجلها بها كي تستطيع تعلم الدروس وكل ما تحتاج إليه وأيضا ستتعلم لغة الصم والبكم كي تستطيع أن تجابه الحياة في المستقبل ، فمن الظلم تركها دون تعليم فقط لأن المدارس العادية لن تقبل بها.
هزت المرأة بسرعة رأسها موافقة تريد كسب ود حنان وتستحوذ على اهتمامها.
- بالتأكيد أنتي محقة، أن والدها المسكين لا يستطيع دفع تكاليف المدارس الخاصة ، ولكن بالتأكيد بمساعدتك سوف يتسنى لها ذلك ، بارك الله بكي وجعله في ميزان حسناتك بإذن الله.

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم