القائمة الرئيسية

الصفحات



الفصل الثاني


بائعة الأزهار البكماء

عادت حنان للنظر إلى صغيرها، فعلا كانت مهمة شاقة قاسم لم ينسى شقيقته قط، كان دائم السؤال عنها ، دائما ينتظر عودتها لا يكل ولا يمل، ولم يكن باستطاعتهم تركه يختلط مع أبناء عمومته خوفا من أن يخطأ احدا في الكلام عن الحادث حتى المدرسة لم يكن يذهب إليها فقد نصحهما الطبيب بالسفر إلى الخارج بعيدا عن اجواء الحادث والأماكن التي كان يزورها مع شقيقته ميس وهذا ما فعله سالم فقد أنهى جميع اعماله العالقة وأخذ عائلته وسافر إلى السعودية حيث قام بافتتاح مشروع جديد هناك، وبالرغم من ذلك قاسم لم ينسى ميس وكان يترقب حضورها كل يوم، فقد أغرقته والدته بالنشاطات المختلفة والرياضات المختلفة كركوب الخيل والسباحة وقد اتقنهما بمهارة رائعة ولكن في نهاية اليوم حينما كان يعود إلى المنزل يسأل والدته متى ستلحق بهم ميس فقد كذبوا وأخبروه بأنها بعهدة عمها الى أن ينجزا اعمالهم وهي ستلحق بهم حينما يأتي الوقت المناسب وكل ما سألهم متى سيكون هذا الوقت كانت اجابتهم قريبا جدا بإذن الله، لكن قاسم شعر بأنهما يخفيان عنه امرا ما لذا اصبح يفتعل معهم المشاكل ويشاكس المدرسين ويضرب الطلاب وحينما يسألونه عن سبب تصرفاته يخبرهم بكل بساطة.


- أكرهكم لأنكم تكذبون.


ومن ثم يتركهم ويغلق على نفسه داخل غرفته لساعات طويلة وأحيانا يرفض الطعام ويمتنع عن الحديث معهم مما أرهق والديه كثيرا جدا ، اقترحت حنان على زوجها أن يتبنون ولدا يكون شقيقا له ربما يستطيع إخراجه مما هو فيه، فوافق الأب على مضض على أمل أن يعود قاسم كما كان ولا يطالب بشقيقته المتوفاة مجددا، كانا كل يوم يذهبان الى دار أيتام كي يجدا طفلا يقارب عمره لقاسم كي يستطيعا التواصل جيدا ولكن للأسف لم يجدو فأما كانو صغارا جدا أو سلوكهم سيئا جدا وعدواني وبائت محاولتهم بالفشل، في طريق العودة وأثناء توقف السيارة بسبب الضوء الأحمر لشارة المرور ، طرقات صغيرة ضعيفة فوق النافذة جذبت انتباه حنان رفعت رأسها لتصطدم بعينين لوزيتين واسعتين بلون العسل تنظران إليها برجاء صامت، كانت فتاة صغيرة تقريبا تبلغ من العمر ثلاثة او اربعة سنوات، تحمل بين ذراعيها باقة من الأزهار الصناعية الحمراء والتي تبدو قذرة ورديئة، مدت الطفلة يدها بوردة حمراء رثة حالما فتحت حنان النافذة، ونظرت الى الطفلة المسكينة التي كانت تنظر إليها برجاء وأمل واستعطاف، همست حنان برقة:


- هل تريدين مني أن اشتريها؟! 


لا اجابة، فقط نظرات بريئة وابتسامة تذيب الحجر حثتها حنان على الرد:


- حسنا، سأشتريها أن اخبرتني باسمك.


أيضا لا اجابة والتعابير ذاتها لم تتغير، دهشت حنان لصمت الفتاة الغريب، فحاولت مرة اخرى علها تسمع صوتها.


- كم تريدين ثمنها؟ 


ايضا لا اجابة، عبست حنان بتساؤل، إن أرادت بيع الأزهار كل ما عليها هو أن تجيب على السؤال، الأمر ليس صعبا أبداً ، أو ربما أنها ليست بحاجة، عادت حنان بنظراتها إلى الطفلة تتأملها من رأسها حتى اخمص قدميها من المستحيل أن لا تكون محتاجة، فملابسها الرثة الممزقة أكبر دليل على حاجتها، فالبرغم من أن الطفلة كانت قذرة جدا الا أن هذا لم يؤثر على جمالها البريئ فقد كانت تمتلك عينان كعينان الغزال في صفائهما واتساعهما وبرائتهما وشفتين كحبات الكرز في لونهم واهداب طويلة تكاد تصل الى حاجبيها المرسومين بدقة تحت خصلات شعرها النافرة من ضفيرتها لتغطي جبهتها كانت الفتاة جميلة جدا، فقرها لم ينقص شيئا من جمالها، تحولت نظرات الطفلة الصغيرة إلى يأس عندما تحول لون إشارات المرور من اللون الأحمر الى اللون الأخضر معلنا عن بدأ حركة مرور السيارات وعلت صوت المزامير يحثون سالم على المسير كي يفتح الطريق لغيره من السائقين، و أتى شرطي المرور ليسحب الفتاة الصغيرة عن النافذة ويبعدها وهو يصرخ بها بشدة حانقا.


- إن استمريت في فعل هذا سوف تجدين نفسك يوما ما تحت عجلات سيارة مسرعة لا ترحم ، لا ادري كيف عائلتك لا تأبه لأمرك ، اللعنة عليهم.


وحالما ابتعدت الطفلة قاد سالم السيارة مبتعدا ولم يكن يعلم شيئا مما يدور داخل زوجته من معركة هوجاء ، تتمنى لو زوجها يتوقف لتعود وتشتري الورود من تلك المسكينة ولكن هيهات فقد ابتعد سالم واختفت الطفلة عن أنظارها ، ولكن حنان لم تنسى الطفلة أبداً فقد لاحقتها نظراتها اليائسة في كل مكان حتى أنها رأتها في أحلامها تعاتبها وتلومها لأنها لم تشتري منها الأزهار ، لذا ظلت حنان تعود لنفس المكان علها تجدها ، تريد أن تشتري منها بعض الأزهار كي يتوقف طيفها عن ملاحقتها ، فهي لم تصارح زوجها بشعورها هذا ، فقط لم ترد أن تضيق عليه وتزعجه بمشاعرها المرهفة لذا جعلت هذا المكان مزارها كل يوم برفقة سائقها الخاص تطلب منه يدور في نفس المكان علها تجدها ، الى أن رأتها ، نفس الأزهار الرديئة والملابس الرثة ، والابتسامة الرائعة لم تفارق شفتيها ، بسرعة أنزلت زجاج نافذتها ونادت عليها ، ولكن الفتاة لم تجيب ولم تلتفت ، كل ما فعلته هو الالتصاق بنوافذ السيارات واقحام ورودها الرثة من النافذة في محاولة يائسة لبيعها ، ولكن كل ما كانت تتلقاه هو شتائم الناس لها ودفعها بقوة بعيدا عن نوافذ سيارتهم خوفا من اتساخها، شعرت حنان بالغضب والأسى على تلك الصغيرة المسكينة ، واندفعت تفتح باب سيارتها وركضت إليها ساعدتها على النهوض وأخبرتها بأنها ستشتري منها جميع الأزهار وحاولت اقناعها بركوب سيارتها ، ولكن الطفلة الصغيرة شعرت بالخوف وبسرعة التفت هاربة بين السيارات الواقفة واختفت بعيدا عن أنظار حنان المصدومة ، أجل، الطفلة محقة في تصرفها ، بالتأكيد اخبروها أن لا تستمع الى الغرباء وتهرب عندما يحاولون التقرب منها بأي طريقة من الطرق، ابتسمت حنان بسعادة ، هذه الطفلة شجاعة وذكية ، فبالرغم من وعدها لها بشراء جميع الأزهار منها الا أنها لم تسلم جانبها وظلت على حذرها ، تنهدت حنان بأسف فقد كانت ترغب حقا بمساعدتها ، ولكن لم يكن هناك نصيبا هذه المرة أيضا ، عادت إلى سيارتها وانطلقت إلى المنزل ، ولكن حنان لم تستطع اخراج الطفلة من عقلها او قلبها ، تلك الطفلة ظلت تظهر بمخيلتها طوال الوقت كضوء الفلاش الوهاج الذي يؤذي النظر ، ولكن هذه المرة كانت خيالاتها مؤلمة ، اذ ربطت صورتها وابتسامتها بصورة ميس وابتسامتها فقد اضحت كلما تذكرت ميس تتذكر تلك الطفلة ايضا في نفس اللحظة وكأنهما مرتبطتان ببعضهما البعض لا تفارق احداهما الأخرى ، وعادت حنان مرة أخرى الى نفس المكان برفقة سائقها ولكن هذه المرة حالما وقع نظرها عليها نزلت من سيارتها وطلبت من السائق أن يعود للبيت دونها واتبعت خطوات الطفلة الصغيرة تراقب تحركاتها وماذا تفعل ، كانت تنتقل من سيارة الى اخرى ومن شخص إلى اخر تعرض عليه زهورها الصناعية ، وللأسف لم يحالفها الحظ ببيع اي منها وشعرت بالألم لأجلها ، غادرت جميع السيارات ، وجرت الفتاة أذيال الخيبة متجهة الى شجرة تساقطت اوراقها لتستظل بظلها لحين توقف السيارات مرة أخرى لتعود وتحاول من جديد بيعهم أزهارها ، اقتربت حنان منها وقد امسكت بيدها ثمن الازهار ، وحالما وقع ظلها فوق الطفلة ، ارتفعت عيونها اللوزية لترى صاحب الظل ، ورأت الخوف في عينين الطفلة ، وشعرت بألم في قلبها ، أنها المرة الوحيدة التي تشعر بها بعذاب هذه الطفلة البريئة ، ترى ما الذي تعرضت له كي تشعر بكل هذا الخوف منها ، ركعت حنان على ركبتيها لتستطيع التواصل جيدا مع الطفلة دون أن تخيفها وهمست برقة.


- هلا أعطيتني بعض الازهار؟!


وحينما لم تجبها مدت لها يدها ببضع اوراق نقدية وهمست.


- أنا لا اعرف كم ثمنها لذا ، تفضلي هذا هو المال ، اريد شراء جميع الازهار ، هل تسمحين لي بذلك؟


واضح جدا أن الطفلة الصغيرة لم تفهم تماما ما قالته ولكن نظراتها تركزت على الأوراق النقدية التي في يدها ومن ثم نظرت خلف حنان لتتأكد بأنها وحدها دون سيارتها التي قد تحاول اختطافها بواسطتها ، وحينما اطمأنت لعدم وجودها ، عادت لتتفقد المال بيد حنان وقد اتسعت عيناها بريبة وأمل ، رفعت نظرها إلى حنان واشارت الى أزهارها تسألها إن كانت تنوي حقا شرائها ولكن دون أن تفتح فمها بكلمة واحدة ، ابتسمت حنان وهزت برأسها موافقة وقالت برقة:


- أجل ، اريد شراء أزهارك كلها ، هل يكفى هذا المال؟!


الفتاة الصغيرة لم تصدق نفسها مدت يدها بعد تردد قليل واخذت المال من يد حنان وقد كان المبلغ اكثر بكثير من ثمن الأزهار لذا عمدت لخصم ثمن الازهار ومن ثم أعادت باقي المال مع الأزهار الى حنان وهربت من أمامها مسرعة ، ولكن كانت سعيدة جدا ، فقد عرفت حنان ذلك من ابتسامتها الواسعة التي ارتسمت فوق شفتيها حالما حصلت على المال.

يتبع...


تعليقات

التنقل السريع