القائمة الرئيسية

الصفحات





الفصل الاول

هذيان

قاسم تعال لتحيي شقيقتك

نظر اليها قاسم البالغ من العمر 9 سنوات بغضب واشمئزاز وصاح صارخا بحدة.

- هذه ليست شقيقتي أنا اريد اختي الحقيقية وليست هذه البكماء

وأندفع راكضا إلى غرفته مقفلا على نفسه الباب وعاد ليتقوقع على نفسه يغرق وسادته بدموع القهر والحزن على فراق شقيقته الحبيبة التي توفت بحادث سير تسبب هو فيه

نظرت حنان إلى زوجها بأسى فرد عليها بابتسامة حانية وهو يأخذ الطفلة البالغة من العمر 4 سنوات بين أحضانه وقال لزوجته مطمئناً

- لا تقلقي سيعتاد الامر تدريجيا ربما يستغرق بعض الوقت ولكنه سيعتاد بالنهاية.

تنهدت حنان وهي تنضم لعناق زوجها وطفلتها المتبناة وهمست بألم

-اتمنى أن لا يطول الامر كثيرا.

اخذت حنان الطفلة ماسة إلى غرفة ابنتها المتوفاة ميس كانت الغرفة جميلة جدا مؤثثة بأفخر أنواع الأثاث من السرير حتى الستائر والسجاد ومكتبة صغيرة في زاوية الغرفة كلها باللون الزهري المائل لأزهار البنفسج، كانت الغرفة فاخرة حقا وحينما رأت حنان فرحة الطفلة بالسرير الذي أخذت تقفز فوقه بسعادة أنارت لها بلورة الكريستال المعلقة في السقف ليصدر منها عدة الوان رائعة كألوان الطيف وشهقت ماسة بسعادة غامرة وهي تشير إلى الأضواء الزاهية وتصفق بيديها فرحة اقتربت منها حنان وضمتها بين ذراعيها وهمست ودموعها الصامتة تبلل وجنتيها:

- سأعوضك عن كل ايامك السيئة وستعوضينني عن فقدان ابنتي الغالية سأكون لك الأم التي فقدتها وستكونين لي الأمل الذي سلبته مني الحياة وستعيدين لقاسم ابتسامته التي اختطفتها موت شقيقته.

ابتعدت ماسة لتنظر إلى وجه المرأة التي تعانقها باستغراب ومدت كفها الصغيرة لتمسح دموعها ابتسمت حنان برقة وهمست وهي تقبلها:

- أنا واثقة بأنني لن أندم على هذا القرار.

في المساء بعد أن خلد قاسم وماسة إلى النوم في غرفتين منفصلتين جلست حنان بجانب زوجها سالم فوق السرير كانت تشعر بأن سالم غير راض عن قرارها ولكنه استجاب لها حينما رأى اصرارها وكانت علاقتهما ببعضهما البعض لا يشوبها شائبة و أرادت التأكد بأنه ليس غاضباً منها.

- سالم هل تعتقد أنني اخطئت بقراري؟

تنهد سالم بأسى وهمس وهو يسحبها بين ذراعيه ليتوسد رأسها صدره الحنون وهمس.

- لطالما وثقت بكِ وبقرارتك ومن عوامل نجاحي و ازدهار أعمالي هو الأخذ برأيك دائما لذا لا تقلقي إن الله معنا وسيعوضنا خيرا أن شاء الله.

لطالما كان سالم خير سندا لها وكلماته الطيبة بلسم لجراحها فلولاه لما استطاعت الصمود حتى هذه اللحظة فقيدتها ميس كانت بهجة البيت ومهجة الروح ولم تتصور أبداً أن يخطفها الموت منها باكرا ولكن قدر الله وما شاء فعل فاللهم لا اعتراض على حكمك ولكن الالم الأكبر كان من نصيب قاسم فهو من شهد على الحادثة فقد كأن فرحا جدا بدراجته الهوائية الجديدة وميس كانت غاضبة جدا لأنها لم تحصل على واحدة لها كانت تبلغ من العمر 6 اعوام اي الفرق بينها وبين شقيقها قاسم 3 سنوات وقد ابلغها طبيبها بأنها لن تتمكن من الأنجاب بعد ميس لأن حالتها الصحية ستكون في خطر نظرا لإصابتها بمرض القلب لذا اسرفوا في دلالها فقد اعتادت الحصول على كل ما ترغب فيه لذا كان غضبها كبيرا جدا حينما رفض والدها احضار دراجة هوائية لها مثل قاسم ولكنها رضخت تحت اصرار والدها وبعد أن وعدها قاسم بأن يعلمها ركوب الدراجة وأنه سيأخذها في جولة في الأنحاء وكانت ميس تنتظر من قاسم أن يوفي بوعده لها ولكنه كان اما أن يؤجل أو ينخرط باللعب مع أبناء عمومته بقيادة الدراجة امام نظرات ميس الحانقة وفي يوم الحادث المشؤوم كان وقت القيلولة ظهرا حيث دخل والديها الى غرفتهم لأخذ قسطا من الراحة بينما ذهب قاسم ليقوم بواجباته المدرسية حينها تسللت ميس لساحة المنزل وأخذت الدراجة لتقودها بعيدا عن الأعين وكي لا توقظ والديها على صوتها واتجهت بها إلى خارج المنزل ولكن قاسم سمع صوت سحبها لدراجته فنظر إليها من النافذة وناداها بغضب

- ميس أعيدي الدراجة مكانها على الفور

نظرت ميس إلى قاسم واخرجت لسانها له بإغاظة وهي تصيح.

-أنت لم تسمح لي بركوبها لذا لن أستمع إليك.

وفتحت الباب وخرجت تجر معها الدراجة بسرعة كبيرة قبل أن يلحق بها قاسم الذي شتم بغضب وتوعدها أنه اذا أمسكها سيلقنها درساً لن تنساه أبداً كانت ميس سعيدة بمشاكسة شقيقها ولأنها اخيرا فعلت ما منعها من فعله رغما عنه حاولت الصعود إلى الدراجة ولكنها سقطت هي والدراجة معا وجرحت ساقها ولكنها لم تهتم وحاولت مجددا رغم ألم ساقها ولكن ايضا لم تنجح وسقطت للمرة الثانية وحينها صدح صوت قاسم الغاضب الخائف على دراجته الغالية من التحطم.

- ميس أيتها الغبية سوف اقتلك.

شعرت ميس بالخوف من تهديد شقيقها وحينما رأت مدى غضبه تركت الدراجة وفرت هاربة الى رأس الشارع ولسوء حظها لم تنتبه إلى السيارة الحمراء المسرعة القادمة من الاتجاه المعاكس ووقفت أمامها مرعوبة لا تقوى على الحراك من هول الصدمة والسائق الذي فوجئ بوجود ميس أمامه في منتصف الطريق لم يتسنى له ضرب البريك بسرعة مؤاتيه بالرغم من أنه حاول أن يتفاداها الا أن سرعة السيارة هزمته وارتطم الجسد الصغير بقوة في مقدمة السيارة وطار في الهواء ليعود جسدها البريء يرتطم بالرصيف القاسي الذي سرعان ما خضب بدمائها الحمراء الطاهرة كل هذا حدث أمام نظرات قاسم الطفل المسكين الذي كان يراقب المشهد المهول دون أن يكون له اي حول او قوة في فعل أي شيء لأنقذها سوى الصراخ بهستيريا منادياً والديه وركض مسرعا إلى جانب شقيقته الغارقة بدمائها كانت ميس ما زالت تتنفس وعينيها مثبتتان نحو شقيقها الباكي حاولت رفع يدها وهمست تناديه ودمعة صغيرة هاربة سالت من عينيها البريئتين.

- لا تبكي، سأطلب من أبي شراء واحدة أخرى جديدة.

وبعدها لفظت أنفاسها الاخيرة و سقطت ذراعها إلى جانبها وسقط قاسم مغشيا عليه بين ذراعي السائق المكلوم الذي سارع ليرى الكارثة التي تسبب بها وهو يبكي ويصرخ ويندب حظه السيئ وقد بدأ الناس يحيطونه من كل صوب منهم من يصرخ ومن يحتسب ومن يستغفر و يطلب لميس الرحمة وقد شقت والدتها الزحام بقلب يرتجف خوفا وهي تتمنى أن يكون ما تسمعه من الناس ليس الا مبالغات ليس لها من الصحة شيء الى أن اتضح لها المشهد المأساوي لطفلتها المدللة مضرجة بدمائها الحمراء القانية و السائق يحتضن قاسم بين ذراعيه يبكي ويستعيذ ويعتذر ويترحم وايضا لم تحتمل حنان ما راته فراحت هي ايضا في نوبة اغماء مماثلة لنوبة قاسم.

تنهدت حنان باسى على هذه الذكرى المشؤومة التي مضى عليها شهران حتى الآن ولم يستطع احد النسيان ولم يخف الالم ولم يعد قاسم كما كان نظرت إلى زوجها الذي غط في نوم عميق جراء تعبه طوال هذا النهار لأجلها جلبت له غطاء ودثرته جيدا كي لا يصيبه البرد وذهبت لتطمئن على صغيريها فقد اعتادت خلال هذين الشهرين النوم قريبا من غرفة قاسم واحيانا تنام الى جانبه فمنذ حادثة شقيقته وهو يصاب بالكوابيس المفزعة ويصحو صارخا خائفا مناديا ميس بأعلى صوته ومن ثم يركض خارجا من المنزل ليبحث عنها في ساحة المنزل واحيانا خارجه لذا عمدت والدته أن تبقى إلى جانبه الى أن تنتهى هذه المرحلة تفقدت ماسة فوجدتها نائمة محتضنة دمية ابنتها المفضلة دثرتها جيدا بالغطاء بعد أن قبلتها و أقفلت الباب وخرجت، هذه الماسة كانت قوية فقد نامت في بيت غريب عنها لأول مرة دون خوف أو تردد فعلى ما يبدو أنها عانت كثيرا واعتادت النوم في اي مكان لذا لم تواجه صعوبة في النوم في مكان غريب عنها ومن ثم ذهبت إلى قاسم الذي كان يتقلب في فراشه كثيرا وقد القى بالغطاء بعيدا عن جسده وكان جسده متعرقا جدا وعلى ما يبدو أن كابوسه المعتاد بدا يراوده فقد كان أنينه خافتا ولكنه سيعلو بالتدريج اخذت والدته تملس شعره كي تهدئه وتقرأ على رأسه بعض الآيات القرآنية حتى يهدأ فقد اعتادت فعل هذا من يوم رحيل ميس عن هذه الدنيا الفانية واستمرت على هذا الحال حتى هدأ بين ذراعيها واستكان بهدوء وانتظمت أنفاسه تدريجيا، عادت بذاكرتها حينما استيقظت بالمستشفى لتجد زوجها الى جانبها وقبل أن تتفوه باي كلمة اخذها بين أحضانه وأخذ يربت على ظهرها وهو يقول بكلمات هادئة حكيمة.

- أنها هدية الله لنا وقد استردها اهدئي واحتسبيها عند الله وادعي لها بالرحمة، انتي امرأة مؤمنه فلا تخيبي ظن الله بك قدر الله وما شاء فعل وإنا لله وإنا إليه راجعون.

لم تستطع أن تقل شيئا سوى أنها اجهشت بالبكاء بشدة بداية بصوت عالي جريح يملأه الألم والحزن والقهر وبدأ يخفت تدريجيا حينما بدأت تدرك الامر وتيقنت مما حدث تماما ابتعدت عن كتف زوجها الذي اغرقته بنحيبها والذي احتمل وتركها حتى تهدا من تلقاء نفسها وهمست بخوف وقلق في عينيها.

- اين قاسم؟!

اجابها بسرعة كي يطمئن قلبها:

- أنه بخير لم يصيبه مكروه ولله الحمد، لكن..

اتسعت عينيها بخوف فشد سالم يده على يدها وأكمل:

- قاسم يعاني الآن من صدمة ونكران، هو لا يتذكر ما حدث فقد استيقظ من اغمائه يسأل عن ميس ويطالب بوجودها ولم اعرف ماذا افعل او اقول فقط اخبرته بأنها بخير وأنها ستاتي قريبا.

عبست حنان متسائلة فهي لم تفهم فقد رأى قاسم كل شيء كيف لا يتذكر فقد كانت تأمل أن يحدثها بحقيقة ما حدث وكيف حدث هذا الحادث المشؤوم لما لا يتذكر شيئا الآن، تنهد سالم بأسى واخبرها أنها يجب أن ترى طبيبا نفسيا كي يشرح لها حالة قاسم وكيفيه التعامل معه، صاحت حنان بألم:

- لا تخبرني بأنه قد فقد صوابه، لا يمكنني أن احتمل هذا لا يمكن أن افقد كلا ابنائي ميس تموت وقاسم يجن ارجوك يا الهى فلترحمني لن أحتمل هذا.

اخذها سالم بين ذراعيه وذرف الدموع التي احتجزها طويلا محاولا التماسك امام زوجته كي لا تنهار و قال بقوة وحزم في صوته المرتعش.

- سوف تحتملي، علينا أن نحتمل أن لم نفعل سوف نخسر قاسم ايضا علينا أن نكون اقوياء لأجله، أنه بخير الآن ولكن علينا أن نستمع إلى الطبيب كي نعرف كيف نتصرف ولا تزداد حالته سوءا.

* في غرفة الطبيب :

- أنه يعاني حاليا من نسيان انفصالي وهذا يعني أن يحاول عقله التأقلم مع الصدمة النفسية التي ألمت به لحماية صحته النفسية، ما يمر به حاليا هو نكران لكل الأحداث الأليمة التي مرت به اخر فتره وهذا سيساعده للتأقلم تدريجياً مع المحيط الخارجي لذا كل ما يمكنكم فعله هو تهيئة بيئة مناسبة له وعدم التحدث عما حدث أمامه فهو من حديثي معه قبل قليل كل ما يذكره هو ركضه خلف شقيقته بساحة المنزل وكانت تضحك وتحاول استفزازه وهو لا يعلم السبب فقط يتذكر بأنه كان يلحق بها وفجأة اختفت من امامه ولم تعد موجودة اي أن ذاكرته توقفت حتى هنا عليكم أن تجدو عذرا مناسبا يستطيع تصديقه لغياب شقيقته عنه و أنصح بأن تتركوه يختلط مع ابناء جيله او أصدقاءه أشخاص لا يعرفون بحقيقة ما حدث ولن يحدثوه عما أصاب شقيقته ربما لو أنغمس في نشاطات يحبها او رحلات اي شيء يمكنه أن يبعد تركيزه عن شقيقته سيكون هذا أفضل، اذا كان لديه اخوة آخرون.

قاطعه سالم بحزم:

- لا يوجد ، هو كل ما لدينا الآن ، وسنعمل جهدنا كي لا نخسره هو أيضا.

هز الطبيب رأسه متفهما ومن ثم قال بتعاطف :

- هذا كل شيء الآن، اتمنى لكم التوفيق في مهمتكم الشاقة، واذا احتجتم اي شيء فهذا رقمي يمكنكم التواصل معي وسؤالي عن اي شيء تحتاجونه.


يتبع...

تعليقات

التنقل السريع