القائمة الرئيسية

الصفحات

 




الفصل الثالث عشر

قوانينها المستفزة


ماسة ما زالت مستندة الى الباب بظهرها بعد أن احكمت اغلاقه ، هي حتى الآن لم تفهم ، ماذا حدث وكيف حدث ولماذا حدث، نفضت ماسة الافكار التي بدات تجتاحها ، لا لن تفكر أبداً بما حدث لن تسمح لنفسها بأن تضعف، لقد وصلا إلى منطقة محظورة ، بالتأكيد هو لا يعي ما فعله ، أن الوقت تاخر لربما ، ماذا ، هل يمكن أن يكون قد تعاطى شيئا ما في حفل الزفاف ، يا الهي اتمنى أن يكون أمرا عابرا فقط ، اتمنى أن نستيقظ في الصباح دون أن نتذكر ما حدث هذه الليلة ، يا الهي ، ركضت الى سريرها وأندثرت تحت اغطيتها وهي تهمس لنفسها ، لا تفكري ماسة ، اياك والتفكير ، هذا خطا أنسي تماما ما حدث.
وبالصباح لم تجرؤ على الخروج من غرفتها ، نظرت إلى الساعة وجدتها العاشرة صباحا ، كيف مضى بها الوقت وهي جالسة متقوقعة على فراشها وقد هجرها النوم واحتلها التفكير والأرق ، دفنت رأسها بوسادتها ، واخذت تصيح متذمرة ، تنهر نفسها بين نفسها فلا صوت لها كي يسمع ، كيف سأواجهه في هذا الصباح ، كيف سأنظر الى وجهه ، عليه اللعنة ، كيف فعل هذا بي ، قاسم أنا اكرهك كثيرا ، ايها الوغد الخائن.
- جبانة ، ماذا سافعل معها ، كم أنت احمق يا قاسم لقد تسرعت ، اللعنة ، لم استطع لم احتمل فقد تلهفت لعناقها ، كانت تستفزني بتصرفاتها ، كيف تنكر علي حقوقي وأنا الاحق بها من كل البشر، قاسم ايها الحقير لقد دمرت كل شيئ
وقف فجاه واخذ يذرع الممر الخارجي المؤدي إلى سلالم غرفتها ، هل يذهب إليها، هل يقتحم غرفتها ويخرجها من سريرها عنوة ، إلى متى ستتجنبه ، تلك المجنونة هل تعتقد حقا أني ساسمح لها بتجاهلي ، صرخ بقوة جلجلت أنحاء المنزل
- ماسة اخرجي من غرفتك اللعنية والا حطمتها
نفخ بشدة متذمرا ، فهي لا تسمع ولا تشعر بغضبه ، أراد أن يعطيها ليلة مرهقة ليعاقبها، ولكن ما حدث العكس ، فهو من عانى الأرق طوال الليل ولم يستطع الخلود إلى النوم ، فقد بقي طوال الليل يقاوم رغبته في اقتحام غرفتها ، وأنتزاعها من فراشها واخبارها بأن ما فعله لم يكن خطأ أبداً ، بل ويحق له فعل اكثر من هذا ايضا ، ذهب الى جرار مكتبه واخرج المفاتيج من جيبه وقام بفتحه واخرج ورقة مطوية بعناية واخذ يقرأها مرارا وتكرارا ، هذه الورقة هي بمثابة حياته الآن ، هذه الورقة هي صك ملكيته ، تنهد بقوة وقد استمد الصبر منها واعاد طويها واعادتها الى الجرار ، لا بأس ، سيصبر ، سيتجاهل مشاعره ويتجاهل رغباته ، وسيحاول أن ينسى، بل سيجبر نفسه على النسيان ، لم يتبقى الكثير ، صبرا يا قاسم ، ستنال ما صبرت لاجله.
نظرت ماسة الى ضوء غرفتها بقلق ، لما اتى ، ماذا يريد ، لن اجيب ، فليبقى حتى المساء ، لن تجيبه أبداً ، ذلك الخائن ، أليس لديه خطيبة ، كيف يفعل ذلك بها ، هذا ليس قاسم الذي تعرفه ، لو عرفت والدتها بما حدث سوف تقتله ، ذلك الأحمق ، لقد كنت قد تجاوزت الامر وتقبلته كاخ لي ، لما افسد كل هذا ، قاسم أنت حقير
راقبت الورقة المطوية التي سربها من اسفل الباب بعبوس واتجهت إليها بخطوات متوترة وقلقة ، ماذا كتب فيها ، ماذا يريد، امسكتها بيد مرتجفة واستندت إلى الباب واخذت تقرا بعيون اغشتها الدموع مع كل كلمة ادركتها وتغلغلت الى داخلها.
- أنا ذاهب لأنجاز بعض الاعمال ، ستجدين طعام الافطار على المائدة ، ما حدث بالامس أنسيه تماما ، ليس له اي معنى ، كنت قد تشاجرت مع خطيبتي واعتقد أني فقدت صوابي واردت الأنتقام منها بهذا التصرف ، لا تقلقي فهذا الأمر لن يتكرر مجددا ، فقد تصالحنا وأنتهى الامر ، ساعود لتناول الغداء معا، اخوكي المحب قاسم.
غبية ، غبية ، غبية ، ماذا كنتي تعتقدين ايتها الحمقاء ، كيف سيترك شقراءه الغالية ويفكر بكي ، أنتي لست الا غبية متاحة وقت شعوره بالوحدة ، أنا ، وسيلة أنتقامه من خطيبته، قاسم ايها اللعين سوف اجعلك تندم على ذلك ، اخوكي ، يا الهي يا للسخرية ، حينما يريد تكون شقيقته وحينما يشاء يقبلها كال-، آآآآه كالجحيم أنا لاصدقك ، مزقت الورقة الى قطع صغيرة متناثرة والقتها من النافذة تطيرها في الهواء كما تطاير قلبها المتناثر من الالم، وعادت لسريرها تدفن نفسها وتعود لتجهش بالبكاء من جديد.
قاسم لم ياتي للغداء ، بالرغم أنها أنتظرته متحليه بالقوة مرتدية درع الشجاعة كي تهزمه ولا تجعله يستهين بها مرة اخرى ولكن كل استعداداتها راحت هباء ، مع الاسف فمع مضى كل ساعة من النهار تنقص ارادتها ويقل غضبها ، ولكن ستعود لتشحن غضبها من جديد ، فكل ما عليها فعله هو اعادة كلماته المقيته في ذاكرتها ، لتعود مشاعرها وتتأجج بالغضب مجددا، هيا يا اخى المحب متى ستعود فقد اشتقت لك كثيرا ، واخذت تطرق بالسكين فوق مائدة السفرة التي اعدتها بكل غل وقهر.
يجلس بالسيارة منذ ساعة الآن يراقب المنزل من بعيد ، فبعد أن رأى كيف تطايرت رسالته من نافذة غرفتها ادرك قمة غضبها ، هذا كان الحل الوحيد لأبعادها عن التفكير بما حدث ، كي لا تغرق في اشياء محظورة وتخسر حلمها ويخسرها هو إلى الابد ويكون بهذا اخلف وعده لوالدته المتوفاه ، فقد درس في علم النفس أن صدمة فوق صدمة تنسي الأنسان الصدمة الاولى وتجعله يتجاوزها بطريقة اسرع ، هو لا يحب رؤية دموعها ، يؤلمه قلبه أن راها متألمة ، يفضل الاختفاء او الموت على أن يكون السبب في ألمها ، ولكن هو من افسد كل شيء ولم يجد طريقة اخرى غير هذه لتصحيح خطأه ، تنهد بنفاذ صبر، لن يستطيع تجنب ثورتها فترة طويلة ولكنه يخشى من ردة فعله عليها ، يخشى أن يقوم بأسوء مما قام به بالأمس ، استند بجبهته فوق مقود السيارة بندم ، لا فائدة من الندم الآن ، سيحاول أن يسيطر علي عصبيته كي لا يتهور.
راقبت ماسة دخوله من الباب قرابة السادسة مساء ، يبدو سعيدا ، يضع يديه في جيبي سرواله الجينز وابتسامة ترتسم فوق شفتيه ونظراته عابثة ساخرة وكي يزيد غضبها كان يصفر ، هي لا تسمع صوت صفارته ولكن امتداد شفتيه للإمام كالقرد الشمبانزي دليل واضح على بروده وسعادته وعدم اهتمامه بما سببه لها طوال الليل من أرق وطوال فترة الصباح وحتى المساء من ألم ، ذلك الوغد اللئيم ، هل أنا لقمة سائغة بالنسبة له ، هل يعاملني هكذا لأني لست شقيقته الحقيقية ، لو كانت والدتنا هنا لاختلف الأمر تماما ، حسنا يا قاسم ، سوف تعلم الآن بأنني لست سهلة المنال كما تعتقد.
- رصاصتي الغالية ، كم تبدين جميلة هذا المساء( واكمل ببطء عابسا وهو يدقق النطر إلى السواد تحت عينيها) ارجو أن لا تكون هذه العلامات بسببي (ومد يده ينوي أن يتحسس السواد تحت عينيها ولكنها تراجعت للخلف بغضب وبقيت يده معلقة بالهواء.، تنهد وهو يعيد يده الى جيبه ويغلقها في قبضة محكمة كي لا يتهور ويأخذها بين أحضانه، فالغضب والأرق والحزن والألم واضحين عليها تماما، حلال قتلك يا قاسم ، اخفى وجهه عنها وهو يتجه الى المائدة المعدة منذ ساعات على ما يبدو فقد برد الطعام وهي بانتظاره، كالجحيم أنا ) لقد نسيت ابلاغك بأنني سأتأخر ، اسف فقد انشغلت ببعض الأعمال العالقة ، ارجو أن لا تكوني انتظرتني وتناولتي طعامك.
تتناول طعامها ، فهي منذ الصباح لم تستطع ابتلاع اي لقمة من شدة غضبها فقد خافت أن تغص بطعامها وتختنق وتموت ، بالتأكيد سيكون في غاية السعادة لهذا ، فلن تشي به لوالدته وتفضح تصرفه.
تنهدت وتقدمت منه وبطرف اصابعها وخزته من قميصه كي ينتبه لها وحالما رفع راسه إليها بدأت بالإشارة.
- أنت هل تناولت طعامك؟! 
ضاقت عيناه عليها وهز براسه موافقا وهو يتناول قضمة صغيرة من الدجاج المقرمش، اخذت نفسا عميقا وبدأت (جيد، )وراقبها قاسم وهي تخرج من جيب سروالها دفتر ملاحظاتها وبدأت تكتب بسرعة وكأنها تخشى أن تنسى ما ستقوله ، واخذ يراقبها بحنان ويتأملها منتهزا فرصة عدم نظرها إليه ، وجلس امامها على المائدة ، ملابسها تلك ستسبب له نوبة قلبية ، تلك الغبية تعتقد بأنها أن ارتدت هكذا سوف تحبط غريزته وتميت رغبته فيها لا تعلم بأن ملابسها الواسعة المتهدلة الطويلة والمحتشمة ، تثير حفيظته ليس اكثر وتجعله راغبا باستفزازها واخراجها عن طورها ، اما بالنسبة للإثارة فيكفي أن ينظر الى عينيها اللامعتين وفمها الكرزي الصغير يكفي أن يرى خصلاتها الطويلة الناعمة الهاربة من ربطة شعرها لتتهدل فوق جبينها وخلف اذنها وفوق عنقها ، يكفي أن يسمع أنفاسها ويشم رائحتها وأن يشعر بقربها كي يشعر بأنه في الجنة ونعيمها ، هي لا تستطيع أبداً احباط غرائزه ورغبته فيها فكل ما تفعله هو زيادتها وبشدة دون أن تشعر ، أنتبه لنظراتها متأخرا وارتفاع حاجبيها بسخرية منتظرة منه أن يأخذ من يدها الممتدة نحوه الورقة التي شقتها من دفتر ملاحظاتها ليقرأها ، ابتسم بعبث وهو يتناول منها الورقة ونظر إليها نظرة اخيرة قبل أن يبدا بقراءة ما كتبته
-اخي المحب ، (تنحنح قاسم من المقدمة الساخرة وتابع بتوتر) اولا يسعدني جدا مصالحتك مع خطيبتك الحبيبة واتمنى أن لا تتشاجرا أبداً في المستقبل ، لأنه اذا تكرر ما حدث بالأمس ستغدو أخرسا مثلي لأني سأقضم لسانك واتركك عاجزا تماما كعجزي ( يا الهي ، القى عليها نظرة وهو يبتلع ريقه بصعوبة للفكرة فقد اختلطت عليه مشاعر الاثارة والخوف معا) ، ثانيا ، هذا البيت هو بيتي كما هو بيتك ولدي حقوق فيه لا يحق لك تجاوزها ومن هذه الحقوق غرفتي ، هي خط احمر ولا شأن لك أبداً بها ، اياك ثم اياك أن تدخلها سواء بوجودي او غيابي (لديها خيال واسع حقا، مستحيل أن ينفذ بالتأكيد) ، كما أني اريد صديقة لي في هذا المنزل ، الاختبارات اقتربت كثيرا وأنا بحاجة لمن يساعدني ويؤنس وحدتي ، سأكون ممتنة لو طلبت من خطيبتك أن تأتي لتمضي بعض الوقت لدينا ومن ثم تعودان معا أو لدي صديقة مقربة عائلتها لا تمانع حضورها والبقاء معي فترة الإختبارات (هي تريد درع حصانة تحميها مني وليس صديقة ، حسنا ربما يوافق على هذا فهو بالنهاية يريد أن تجتاز فترة الاختبارات بسلام كي يستطيع الحصول عليها للابد )، امي لن اخبرها بما بدر منك نحوي ، ولكني اقسم أنني لن اقف عاجزة مرة اخرى اذا تكرر (اكره أن تستعمل معي هذا الاسلوب ، كيف افهمها أن اسلوبها هذا يجعلني اتوق لأفعل عكسه تماما ، اللعنة )، منذ هذه الليلة سأبدأ الدراسة واريد أن تعتبرني غير موجودة بالمنزل ، سآكل وقتما أشاء واصحو كيفما أشاء ، لا تتدخل بي لا تطرق باب غرفتي ولا تقترب مني قيد أنملة(أنت تحلمين بالتأكيد ، لن تغيبي عن عيني ولو للحظة) ، دعنا نتجاوز هذه الفترة العصيبة معا ، اخي المحب، ( فليذهب شقيقك الى الجحيم ، اللعنة نحن لسنا اقرباء حتى )ما رايك هل اتفقنا على ذلك؟ (يا للجحيم ، اتفقنا على أن لا نتفق على هذه السخافات).
كانت ماسة تراقب تعابير وجهه المتعاقبة على كلماتها المخطوطة ، كانت تعلم بأنه سيغضب كثيرا من كلماتها وبالرغم من أنه حاول اخفاء غضبه الا أنها لاحظت تكدره في عينيه وأنفاسه التي تارة يحتجزها وتارة اخرى يطلقها حارة كالتنين ، ومن ثم ارتجاف الورقة في يديه وكأنه يحاول جاهدا السيطرة على اعصابه كي لا ينقض عليها ويمزقها ويصرخ بها ويعترض على كلماتها ، نوعا ما شعرت بأنها حصلت على القليل من الانتقام لكرامتها التي بعثرها بالأمس ، وقد ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق شفتيها الجميلة منتظرة تعقيبه ، طوى الورقة بعناية شديدة ووضعها في جيبه برفق شديد وقام متجها نحوها بنظرة نارية غاضبة ، كانت خطواته نحوها توترها ورغما عنها تراجعت للخلف بخوف ظهر جليا في عينيها وقبل أن يتهور ويطلق يديه نحوها ، ضمهما بقبضة شديدة ووضعهما في جيبه خوفا من اي تصرف لا ارادي يجعله يندم لاحقا، هتف موافقا بحدة وقد ابتسم جاهدا محاولا كظم غيظه وعدم اظهاره.
- اتفقنا ، طلباتك اوامر حبيبتي ، يكفي أن تأمري يا رصاصتي الجميلة وأنا سأنفذ.
ارتجفت شفتاها بغيظ ، ارادت أن تصرخ ، لا تناديني حبيبتي ، أنا لست ولن اكون حبيبتك أبداً ، عليه أن يكتفي بالشقراء ويسمعها مثل هذه الكلمات ، فتلك الكلمات تشعرها بالاشمئزاز حينما تسمعها منه ، بسرعة اخرجت دفتر ملاحظتها وكتبت بغضب و حدة.
- اسمي ماسة ، فقط ماسة ولا تناديني باي ألقاب اخرى ، فلتحتفظ بهذه الالقاب المقززة لخطيبتك الغالية ، فأمي لن يعجبها أبداً مثل هذه الالقاب.
مقززة، يا للجحيم ، فقط لو...اللعنة ليت بإمكاني ، محو تلك النظرة الواثقة من عينيها وارغامها على ما اريد ولكن ما يمنعني ليس سوى وعدي وحبي واختباراتها اللعينة متى ستنتهي.
حسنا يا رصاصتي القاتلة، سأجاريكي وارى نهاية صبري معك رسم ابتسامة مشحونة بالغيظ وقال من بين اسنانه المغلقة بغضب، سمعا وطاعة يا مولاتي ، سيكون لكي ما طلبتي ، هل من أوامر أخرى لديكي ، نظرت له ماسة بغرورو واستمتاع فهي تعلم جيدا ما يدور في تفكيره ، ولكنها لن تهتم الآن فالكرة في ملعبها، اشارت له بيديها أنها ستذهب لتدرس قليلا فالاختبارات على الابواب ، هز برأسه وهو يراقب ابتعادها عنه وحالما اختفت من امامه شتم بقوة وهو يضرب مائدة الطعام بقبضته بغضب شديد وبعدها صرخ بالم أشد ، ألم يطغى على الم ، يستحق ما اصابه ماسة شعرت الآن بالراحة فيمكنها الآن أن تستجمع قواها وتدرس جيدا بعد استردت كرامتها وحفظتها ، فهو الآن لن يجرؤ على تكرار فعلته الغبية تلك وارباكها ، تنهدت وهي ترمي بنفسها فوق سريرها وتنفست بعمق وهي ترسم ابتسامة سعيدة منتصرة على وجهها.


يتبع ...

تعليقات

التنقل السريع