القائمة الرئيسية

الصفحات




 

الفصل الرابع عشر

درع حماية



وتنفست بعمق وهي ترسم ابتسامة سعيدة منتصرة على وجهها، وهنا صرخت معدتها محتجة فهي لم تطعمها منذ الصباح ، فلم تشعر برغبة بتناول الطعام لأن الغضب كان يتآكلها والأن زال الغضب و بدأ الجوع يتآكلها ، اللعنة لن أنزل إلى المطبخ الآن سأصبر إلى أن ينام ومن ثم سأتسلل خلسة لآكل ، احتجت معدتها مرة أخرى على ما يبدو أن الامر لم يعجبها، لا بأس من الجيد أنني احتفظ ببعض المكسرات و البسكويت هذا سيفي بالغرض للآن .تذكر قاسم الرسائل التي كتبتها ماسة لأمه ، أخرجها من الجرار وبدأ بقرائتها ، الرسائل كانت مليئة بالحب والأشواق و أيضا كانت ماسة تظهر سعادة غير حقيقية برسائلها، تريد أن تطمئن قلب والدتها ، بأنها مرتاحة جدا وأنها تستمتع بوقتها ولا تقلق بشأنها ووصل إلى الجزء الخاص به وقرأ بتمعن ، قاسم ما زال كما هو يثير استفزازي ويفقدني صوابي ، أنتي لستي هنا لتقفي إلى جانبي ، ولكن لا تقلقي ، أنا الآن استطيع الدفاع عن نفسي واكثر ، وبالنسبة لطعامه وشرابه سأهتم بوجباته لأجلك ، لقد اخبرني بشأن سفري معه بعد الاختبارات ، ولكني لن افعل ، سأبقى هنا بإنتظارك وليعود هو إلى خطيبته، أنا سأبقى مع لطيف وزوجته هما سيعتنيان بي جيدا لحين عودتك، لا داعي أن يزعج نفسه بي، لن اكون عبأ عليه وابعده عن عروسه، لا تقلقي أنا سأقنعه بذلك امي أنا احبك كثيرا و أنتظرك بفارغ الصبر ابنتك المشتاقة لكِ دائما ماسة بأنتظار رسالتك على احر من الجمر.

تنهد قاسم وهو يعيد الرسالة إلى جراره ، لا يعلم كيف ستتصرف حينما تعرف الحقيقة ، فالأمور تعقدت كثيرا وكلما طال الامر كلما زاد صعوبة .تسللت ماسة في منتصف الليل و نزلت إلى المطبخ تبحث عن طعام ، كان البيت هادئا جدا و لكن بالطبع سيكون هادئا فلو كأن به صخب العالم كله لم تكن لتسمع شيئا ، مرت بغرفة المكتب المغلقة على أطراف اصابعها كاللصوص، لم تشعل اضواء المطبخ فقد اتجهت إلى الثلاجة على الفور ، فقد كانت مليئة بما لذ وطاب ، ولأنها لاتريد أن تصدر اصواتا تزعج قاسم او تجلبه إلى ها قررت أن تأكل دون أن تقوم بتسخين الطعام، فقد بدت في الظلام على ضوء الثلاجة كشبح مخيف جائع ، كانت تأكل باستمتاع ولم تلاحظ وجود من يراقبها فقد كان كل همها أن تسكت صراخ معدتها، وفجأة غمر الضوء المطبخ ، وتسمرت ماسة في مكأنها ، ماذا؟ الا ينام أبداً ، الا يمكنني أن اخذ راحتي في المنزل ، اللعنة ، اخذت ماسة ترجع الاغراض الى الثلاجة على عجل دون أن تنظر للشخص الواقف خلفها يراقبها بهدوء وربما بسخرية ، أنا تعيسة الحظ حقا ، يا الهي الى متى سيبقى هنا ، متى سيرحل و يريحني من وجوده الكريه ، بعد أن أنتهت التفت بسرعة دون حتى أن ترفع نظرها إليه وحاولت اجتيازه للخارج كي تهرب الى ملاذ غرفتها الأمن ، ولكن قبل أن تتجاوزه امسك بذراعها يوقفها مكانها وفي الحال قفزت للخلف بنظرة تهديد ووعيد ورفعت اصبعها في وجهه محذرة ، رفع كفيه باستسلام امامها لتطمئن ، اللعنة ماذا اعتقدت أنه سيفعل ، و بالرغم من ذلك هي محقة ، ولكنه الآن لا يفكر بنفس الطريقة التي فكر بها بالأمس ، اخذ نفسا عميقا وهو ينظر الى وجهها الحذر المتاهب لخوض جدال طويل معه.

- أنتي جائعة ، لما لا تجلسي ، أنا ايضا اشعر بالجوع ، دعينا نتناول الطعام سويا ، بعدها اذهبي إلى غرفتك

عقدت ماسة حاجبيها ، ففي كلامه ادب جم ، اين السخرية، الابتسامة العابثة التي دائما يرميها بها ، ماذا ينوى أن يفعل ، من غير المعقول أن تكون كلماتها وتهديداتها اثرت به الى هذا الحد ، وبالرغم من ذلك اطمئنت له وقررت أن تعطيه فرصة اخرى ليبدا مجددا ، وكي لا يكون لها خيار للتراجع صاحت معدتها مؤيدة قرارها بالبقاء من اجل الطعام ، فهي بالكاد اكلت القليل وقاسم فاجئها بقدومه ، هزت رأسها موافقة و هو ابتسم بسعادة وبسرعة توجه نحو الثلاجة ليخرج منها بعض الأطعمة وايضا قام بتسخينها و هو يحث ماسة الى الجلوس الى الطاولة وأنتظاره ، جلست ماسة واخذت تراقبه باستمتاع ، جميل أن تشعر بأنها قوية ومسيطرة تماما كي ينصاع لها ويكون سعيدا لمجرد موافقتها الجلوس معه و مشاركته الطعام ، تناولت ماسة كل الطعام الذي وضعه في طبقها فقد كانت بالفعل جائعة ، بينما هو لم يأكل كثيرا بل كان يراقبها خلسة كي لا تشعر بنظراته المنصبة عليها وبالكاد تناول لقمة من طعامه ، فكل ما أراده أن يتاكد من أنها تتغذى جيدا ، فهو المسؤول عنها الآن وعليه أن يتاكد من صحتها النفسية والبدنية ، وقفت ماسة فجاة وارادت الاختفاء داخل غرفتها ولكنه لم يكن مستعدا بعد لذهابها لذا اعترض طريقها بسرعة قائلا.

- أنا اعددت الطعام ، أليس من الذوق أن تقومي بغسيل الاوأني؟

عبست ماسة ، ذلك اللئيم لو أنه تركها حالما راها داخل الثلاجة ولم يقاطعها لما كنن هناك اواني للغسيل ، نفخت بشدة واشارت له بيدها بأنها ستفعل ذلك صباحا ، ولكنه اعترض طريقها مجددا قائلا.

- من السيئ ترك الاطباق المتسخة الى الصباح ، امي قالت بأن هذا يجلب الشياطين.

شعرت ماسة بالضيق وضربت بقدمها بالأرض ، فقد اعتاد اخافتها في صغرها بهذه الأفكار الغبية التي لم تصدقها أبداً الا أنها حينما كانت تكون وحدها كانت ترتجف رعبا ، تنفست بغضب واتجهت الى المائدة وقامت بجمع الأطباق وبدأت بغسيلها وقام قاسم بمساعدتها بتجفيف الصحون وإعادتها الى مكانها ، كانت تتوقع أن يتركها ويذهب ولكنه لم يفعل ، هذه لفتة جميلة منه ، زوجته ستكون سعيدة الحظ بالتأكيد ، نفضت عنها هذه الافكار وبالحال أنهت غسيل الاطباق جميعها ، وقبل أن تهرب الى ملاذها ، تذكرت امر صديقتها ، التفتت الى قاسم وخاطبته بالاشارة.

- ماذا عن خطيبتك؟ متى سوف تجلبها الى هنا؟ 

امتعض قاسم واستند بظهره الى الحائط يتاملها ومن ثم قال.

- ليان ما زالت مشغولة جدا ولا تستطيع اللحاق بي حاليا ، سوف يستغرق الامر بعض الوقت

هزت راسها موافقة بسعادة و اشارت بحماسة.

- لا باس ، غدا ساذهب مع لطيف وادعو صديقتي ، تصبح على خير.

وركضت الى غرفتها بخطوات مسرعة وتركته خلفها يتميز غضبا ويكيل الشتائم لها ولصديقتها التي لا يعرف كيف عائلتها وافقت على بقائها في بيت رجل غريب ، صاح بصوت عال وهو يتجه الى غرفته.

- ماسة ايتها الحمقاء ، ساجعلك تندمين

وبينه وبين نفسه قال ساخرا ، من الجيد حقا أن تصرخ بصوت عال بما بداخلك والشخص المعني على قرب خطوتين منك ولكن لا يسمعك ، هذا رائع فقط علي اخفاء فمي عن عينيها الجميلتين واخبارها بكل شيئ اريده ، حتى بأسوأ افكاري ، وابتسم ابتسامة شيطانية وهو يغلق باب غرفته على نفسه.

استيقظت ماسة في الصباح الباكر ، فقد نامت ليلة عميقة هادئة وهانئة فهي المرة الاولى التي تشعر بها أنها تغلبت على قاسم ، كان الشعور بالنصر عظيما ومريحا جدا ، ارتدت ملابس رياضية خفيفة وعقدت شعرها بذيل حصان يتراقص فوق ظهرها ووضعت حقيبة صغيرة على ظهرها بداخلها القليل من الساندويشات الصغيرة و زجاجة من الماء ، وبدأت تمارين الرياضة الصباحية ، فهي لم تذهب الى المسبح ولم تذهب الى نادي الفروسية ، وجسدها بحاجة الى بعض التمارين اي نوع من التمارين فقد بدأت تشعر بالالم في عضلاتها لتغيبها يومان عن رياضاتها المعتادة ، عدا عن أن منزل صديقتها قريب جدا منها بامكانها الذهاب إليها ركضا ومن ثم تتصل بلطيف ليأتي وياخذهما الى منزلها ، صديقتها تدعى ميرنا وهي مصرية الاصل ، ولكنها أنتقلت الى السعودية بسبب حصول والدها على عمل هنا ، الفتاة متحررة جدا وليست متزمته ، فهي اعتادت أن تلبس ما تشاء من الملابس المكشوفة او القصيرة ، بعكس ماسة التي كانت ترتدي ملابس عادية كالجينز والاثواب والتنانير أن ملابسها كانت مستورة جدا ولا تكشف شيئا من جسدها ، فقد كانت محافظة بطريقتها الخاصة ، فهي لم تتجاوز يوما حدودها ولم ترتدي الحجاب أبداً بالرغم من أن والدتها محجبة الا أنها تركت لها خيار الحجاب ولكنها علمتها الادب والاخلاق والحشمة وهذا ما جعلها تشعر بالخجل من وجود قاسم معها بنفس المنزل وحدهما ، فالبرغم من أنها تربت كشقيقته الا أن الحقيقة الوحيدة والواضحة مثل الشمس أنهما ليسا شقيقان حقا ، ومن الدين والاخلاق أن تستتر امام قاسم لأنه ليس اخيها فعليا ، كانت ماسة تركض وافكارها تسابقها لم تهدا للحظة ، كان عليها أن تدعو صديقتها او خطيبة قاسم منعا لاي سوء ممكن أن يحدث ، وتذكرت تلك القبلة المشؤومة التي اخافتها منه ، بالتاكيد لم يكن بعقله ، ولكنه خشي الاعتراف بتناوله شيئا ما كي لا تقول لوالدته ، فهو أن لم يكن يحبها فعلا ولا يشعر بشيئ نحوها سوى حب اخوى ، فما الدافع الذي جعله يقبلها بتلك الطريقة المقززة ، لا ماسة لا تفكري بهذه الاشياء ، أنسي الامر ، وجود ميرنا سينهي اي حوادث من هذا النوع تماما كما أن ميرنا ستكون كفيلة بتذكيرها طوال الوقت أن قاسم هو شقيقها ليس إلا ، توقفت قليلا عن الركض لترتشف شربة ماء ، فقد أشرقت الشمس وكانت حامية كشعلة نار موقدة ، وجلست فوق مقاعد الاستراحة المرصوصة بالشارع ، حينما توقفت سيارة إلى جانبها واخرج شاب رأسه من النافذة الخلفية وبدأ يقول اشياء ماسة لم تفقه منها شيئا ولكنها لم تحب النظر إليه كي لا يعتقد بأنه نجح باستمالتها ، وتجاهلت وجوده تماما بالرغم من أنه كأن لديها فضول قاتل لتعرف ماذا يقول لها ، ولكن تجاهلها له لم يبعده عنها اذ أنه اوقف السيارة ونزل منها ليقف امامها ، القت نظرة سريعة إلى السيارة فقد كان موجودا غيره ثلاثة داخل السيارة وعلى ما يبدو أنهم عائدين من سهرة مسائية في هذا الوقت المتأخر ، عادت ماسة للتحديق بزجاجة الماء الخاصة بها وتناولت المزيد من الرشفات ، حقا ارادت اعطائه فرصة أن يختفي من امامها ويتركها وشأنها ، ولكن الأنسان عدو نفسه ، فقد اعتقد أنها تحاول أن تبدو صعبة المنال ليلتصق بها ، تذكرت ماسة قول والدتها ، أنتي لستي عاجزة ولا تشعري احدا بعجزك وأن لم يعجبك سلوك احدهم اوقفيه عند حده و لا تحاولي حتى مخاطبته وتبرير نفسك له ، وهذا ما نوت فعله بعدما الح عليها ذلك الأحمق بملاحقتها واتضح أنه يعرض عليها المال مقابل صعودها معهم السيارة ومرافقتهم الى حيث لا تعلم وهذا الطلب وحده كفيل أن يعلمها بنواياهم ، أنتهى الامر ، اعادت الزجاجة الى حقيبتها والتفتت مبتعدة عنه تكمل طريقها ولكن يده سرعان ما امتدت لتمسك يدها وتوقفها وبنفس اللحظة التي امسك بها يدها ، امسكت هي ايضا ذراعه ولوتها خلفه بشدة وسمعت طقطقة عظامه من الالم وخففت شدتها كي لا تكسرها، لفته بمواجهة اصدقائه الذين اخذو يراقبوه مستمتعون بالمشهد الذي يحدث امامهم فكرت ماسة بخيبة ، أنهم سكارى ، يا الهي ارجو أن تمسكهم الشرطة قبل أن يمسو احدا بسوء ، نزل احدهم وكان يحدق بها مليا بينما صديقة يصرخ ألما طالبا منها أن تتركه.


يتبع ...

تعليقات

التنقل السريع