الفصل الخامس عشر
هل هي الغيرة
نزل احدهم وكان يحدق بها مليا بينما صديقة يصرخ ألما طالبا منها أن تتركه.
- هاي ايتها القوية ، كان عليكي فقط أن ترفضي العرض ، ما كأن الداعي لاستعراض عضلاتك علينا.
حدقت به ماسة بدقة ، وجهه مألوفاً جدا لها ، أنها تعرفه ، يا الهي أنه ابن زوجة والدها ، توترت ماسة عند تذكرها له ، كيف لهذه الصدفة المقيتة أن تحدث لها الآن ، ماسة لم تجبه فقط اكتفت بالتحديق إليه ، ارادت أن تعرف اذا ما تعرف عليها ، ولكن من المستحيل أن يعرفها فقد تغيرت كثيرا ، مضى العديد من السنوات على فراقهم بالتأكيد لا يعرفها مستحيل أن يعرفها ، ولكن عليها أن تلتزم الصمت كي لا يعرف أنها خرساء فيربط بينها وبين ماسة القديمة ، دفعت السكير الرعديد الذي كانت تقيده بيديها بين ذراعيه ومن ثم تركتهم واسرعت الخطى مبتعدة عنهم ، ولم تلاحظ العبوس والتفكير العميق الذي كسى ملامحه وهو يتأملها تبتعد ، وصلت ماسة بسرعة الى بيت صديقتها ، جلست في بيتهم بعض الوقت لترتاح من تعب الطريق و من ثم عرضت عليها البقاء في بيتها لمساعدتها بالدراسة في فترة الامتحانات و كما كانت متأكدة قد قبلت العرض بكل سرور، وماسة كانت سعيدة جدا بقبولها ، بالرغم من أن الفتاة متحررة زيادة عن اللزوم وهذا لم يكن يعجب ماسة أبداً ، الا أنها كانت تحبها لأنها لطيفة ولم ترى منها سوء أبداً كما أنها مرحة جدا ودائما تجلب البسمة على وجه ماسة ، فهي أبداً لم تشعرها يوما بعجزها وكانت تتعامل معها وكأنها طبيعة تماما ، لطالما ماسة احبت الاشخاص الذين يعاملونها دون تمييز بسبب اعاقتها ، فهذا يشعرها بأنها سوية مثلهم ولا تنقص عنهم شيئا ، كان بإمكانها العودة سيرا على الاقدام فالمسافة ستاخذ معها ساعة فقط ، ولكنها كانت خائفة أن تصادف احدا غير مرغوب به في طريقها ، طلبت ماسة من صديقتها الاتصال بقاسم فهو بالتأكيد الآن يغط في نوم عميق لا بأس سوف تزعجه بكل سعادة وسرور ، اعطت رقمه الى صديقتها التي سرعان ما اتصلت به واخبرته بالعنوان و قاسم لم يكذب خبر او يعترض ، لم يستغرق الأمر كثيرا الا و قاسم يعيد الاتصال ليبلغهم أنه بإنتظارهم بالخارج، كانت صديقتها قد أعدت حقيبة سفر كبيرة ووضعت فيها جميع المستلزمات المهمة كثيرا بالنسبة لها بينما ماسة فكرت بأن صديقتها تغالى بالامر كثيرا فقد كانت هناك اشياء كثيرة من بين أغراضها ليست ضرورية أبداً، ولكنها لم تعترض، وحينما خرجت للقاء قاسم برفقة صديقتها، لاحظت نظراته نافذة الصبر و صدمته بحقيبة السفر الكبيرة التي أعدتها صديقتها، نظر إلى ماسة بسخرية وأشار لها بلغة الاشارة وكانت هذه المرة الوحيدة التي يستخدم هذه اللغة معها و لكن ماسة علمت بأنه تعمد ذلك كي لا تفهم صديقتها ما قاله.
- هل تنوي البقاء معكِ دهراً؟! ما كل هذا؟
ماسة كانت مستمتعة بأنزعاجه وفكرت بينها وبين نفسها ( أنت لم ترى شيئا بعد ) ومن ثم اجابته بابتسامة عابثة وهي تحرك يديها لاغاظته.
- ستبقى الى أن اقرر أنا رحيلها.
كظم قاسم غيظه الذي ظهر جليا على وجهه و وضع الحقيبة في السيارة و جلس خلف المقود بإنتظار صعودهم، اقتربت صديقتها منها و قالت بحماسة.
- أيتها اللئيمة لم تخبريني بأن لديكي شقيقا وسيما كهذا.
ابتسمت ماسة على مضض ولم تجد داع للرد أبداً على كلام صديقتها، ولكن عليها أن تعترف بأن صديقتها محقة فهذا لم يكن رأيها فحسب بل هو رأي كل النساء على وجه الكرة الارضية ، مع الاسف😓
هتفت صديقتها بحماسة وهي تقفز بالمقعد الامامي للسيارة.
- سأجلس في الامام
وبكل هدوء توجهت ماسة للمقعد الخلفي وجلست براحة تحاول الاسترخاء في وضعيتها ، عدل قاسم المرآة الخلفية ليستطيع مراقبتها و حالما اصطدمت نظراتها بنظراته الحانقة، ادركت أنه غاضب جدا لأنها لم تجلس الى جانبه بدلا من صديقتها، فابتسمت له بإغاظة وهي تتنهد براحة وتغرق في مقعدها بهدوء واسترخاء، استسلم قاسم للأمر الواقع و التفت إلى الفتاة الجميلة التي تجلس الى جانبه ليتفاجأ بنظراتها الحالمة إليه وقد اتسعت ابتسامتها ببلاهة، ابتسم قاسم من بين اسنانه المغلقة وهمس بصوت بالكاد يسمع ( لن اكون قاسم اذا لم اجعلك تندمين يا رصاصتي القاتلة ) وأنطلق بسرعة شديدة متعمدة جعلت ماسة تسقط عن مقعدها بينما التصقت صديقها بالمقعد الامامي وقد تشبثت بحزام الأمان خشية أن تندفع للامام فترتطم بزجاج السيارة، وهذا بالطبع ارضى غروره قليلا، وابتسم ابتسامة شريرة 😈 لا داعي للخوف نحن ما زلنا في البداية.
حالما وصلت ماسة الى البيت هبطت من السيارة بسرعة و اشارت لقاسم بغرور أن يلحق بها بحقيبة صديقتها و امسكت يد صديقتها الملتصقة بقاسم و ركضت بها إلى غرفتها ، ميرنا لم تتوقف أبداً عن المدح بقاسم والتغزل به فقد ابهرها من اول لقاء، مسكينة صديقتها لا تعلم بأنه مرتبط و على الاغلب لن يبادلها نفس المشاعر، او أنه سيفعل، فما ادرأني به وبأخلاقه فقد امضى خمس سنوات بعيدا في الغربة، لربما تغير فعلا، من يعلم، تنهدت ماسة وهي تلقي بجسدها المتعب فوق سريرها، كان على قاسم فقط احضار خطيبته، فهي لا تريد لقلب صديقتها أن يتحطم كما حطم قلبها سابقا ، اتى قاسم بالحقيبة و نظر إلى ماسة المستلقية براحة في سريرها، طرق الباب لتنتبه ميرنا الى وجوده، فتوقفت عن الحديث بسرعة محرجة، بالتأكيد سمع ما كانت تقوله عنه ، نظرت ماسة الى قاسم واعتدلت على الفور، ضاقت نظرات قاسم فوقها، لم يعجبه أبداً أن تتعامل معه بحذر او أن تكون على غير طبيعتها ، نظر الى ميرنا و طلب منها بلطف.
- هل لي دقيقة من وقتك؟!
هتفت ميرنا بسعادة وهي تنظر الى ماسة بابتسامة واسعة.
- بالتأكيد.
وبخطوات مسرعة لحقت بقاسم الذي التف خارجا بخطوات مسرعة واضح عليه الاستعجال والضيق.
- أنا لم اكن اعلم بأن لماسة صديقة مقربة ، يسعدني وجودك معها حقا.
هتفت ميرنا بحماسة.
- أنا و ماسة اصدقاء منذ عامان تقريبا ، فقد تعرفت عليها في نادي الفروسية، هي تجيد التعامل مع الاحصنة وقد تعلمت منها الكثير.
هز قاسم برأسه مفكرا، أجل فأمي اشغلتها بالعديد من الرياضات كي تجعلها تنخرط مع ابناء جيلها، اذن صداقتهم ليست حديثة العهد ، تنحنح و هو يسألها بترقب.
- اذن بالتأكيد قد تعرفتي الى والدينا، ام أنها المرة الاولى التي تأتي لزيارتنا في المنزل؟!
جلست ميرنا براحة فوق المقعد المقابل للمكتب، و اجابته بكل راحة.
- لقد اتيت الى هنا مرات عديدة، ولكني لم اصادف والدتك الا مرة واحدة فقط، أنها سيدة طيبة جدا، لقد عاملتني بلطف، وحدثت والدتي عنها، لذا وافقو على مجيئي للبقاء برفقة ماسة الى أن تعود من السفر، اه صحيح، متى سيعود والديك من السفر؟!
عبس قاسم بتفكير ( أنها لا تعلم عن الحادث، و لكن هل علي اخبارها وطلب مساعدتها في اخفاء الامر عن ماسة، او علي فقط تجاهل الموضوع وعدم التطرق إليه) لاحظ نظرات ميرنا المتسائلة تنتظر اجابة سؤالها، فسارع قاسم بالاجابة ، ما دامت لا تعرف اذن لن يتطرق للامر ، فلربما هي وعائلتها ليس من متابعين الاخبار، لا ضرر على ماسة اذن ولا خطر، فهو سيخبرها بكل شيء بنفسه حال أنتهائها من الاختبارات.
- اعتقد بأن فترة سفرهم سوف تطول قليلا.
هتفت ميرنا بحماسة متسرعة
- رائع، ( ومن ثم عضت شفتها باحراج وتابعت ) اعني رائع لأجلهم، دعهم يستمتعوا بسفرهم، وأنا سأعتني بماسة لحين عودتهم، لا تقلق.
هز قاسم برأسه موافقا، فهو لم تفته نظرات الاعجاب التي ترمقه بها وايضا سمع مديحها له آنفا حينما احضر حقيبتها، هي بالتأكيد سعيدة لوجودها بينهم، وواثق جدا بأنها ستهتم بماسة وشقيقها ايضا اكثر مما يجب.
ذرعت ماسة غرفتها ذهابا وايابا، ماذا ينوي، ماذا يريد من ميرنا ، ذلك الأحمق أليس لديه زوجة تملأ عينه ، لما عليه ان يلاحق صديقاتها أيضا، قاسم ، لم اكن أعلم بأنك أصبحت منحطا الى هذا الحد، تسللت ماسة الى الاسفل تريد أن تستكشف ما يفعلانه بهذا الوقت، نظرت اليهم من بعيد ، لم تكن تستطيع رؤية وجوههما ، ولكن من بعيد يبدو عليهما الانسجام، حسنا يا قاسم، ان كنت تعتقد بأنني سأقف متفرجة في حين أنك تغوي صديقتي وانت مرتبط فهذا بأحلامك ، سأكون لك بالمرصاد أيها الأحمق، اتجهت اليهما بخطوات واثقة وهي ترسم فوق شفتيها ابتسامة مزيفة، ورآها قاسم قادمة نحوهم، ولا يدري لماذا ، لكنه لم يرتاح لابتسامتها تلك، و على ما يبدو ان عدم راحته ظهرت جليا على ملامحه، وهذا أسعدها ، فهي تحب ان تقلق راحته كما اقلق راحتها ، رفع لها حاجبيه متسائلا عن سبب لحاقها بهم ، وهذا جعلها تتأكد بأنها فعلت خيرا باللحاق بهم ، أشارت له بيديها ساخرة:
- أفتقدتك كثيراً؛ فأتيتك بقلبي قبل عقلي.
ارتفع حاجبيه بعبث و رد عليها بنفس اسلوبها مشيراً:
- أعلم ذلك، ولكني غير مهتم بعرضك، فلدي عرضاً أفضل.
وكان يقصد ميرنا بكلامه، لمعت عينا ماسة بالغضب، كيف يجرؤ على العبث بمشاعر صديقتها المسكينة وهو مرتبط بأخرى، وتحت انظار ميرنا المتابعة لحركاتهم بعبوس على أمل ان تفهم ما يتحدثان به، اشارت ماسة بحنق:
- ستكون مجنونا لو فكرت بأني سأقف مكتوفة الأيدي وانت تتلاعب بصديقتي، (واشارت الى عينيها بإصبعيها السبابة والوسطى ومن ثم مدت له يدها مشيرة الى عيناه) سأكون لك بالمرصاد يا أخي العزيز.
لاحظت عضلة خده الايسر تتقلص وكأنها لمست وتراً حساساً لديه، الا انه اخفى ذلك بسرعة وهو يتجه الى ميرنا يجيب سؤالها المرتسم في عينيها.
- ماسة تطالبني بالابتعاد عنكِ، فهي تخشى عليكٍ من سحري الذي لا يقاوم.
اتسعت عينا ماسة بصدمة، بينما طارت ميرنا فرحة وهي تصفق بيديها وهتفت بحماسة.
- اه، ان ماسة دائمة المزاح بهذا الشأن، ان ابتعدت عني ماذا سأفعل بهذا القصر الكبير وحدي؟ بالتأكيد سأمل بسرعة، لذا سيسعدني كثيرا قضاء بعض الوقت برفقتك اثناء دراسة ماسة.
ابتسم قاسم بانتصار، وهو يراقب تعابير ماسة المشتعلة غضباً، (وانقلب السحرُ على الساحر، ماسة لن تستطيعي التغلب عليّ، وفري جهدك يا رصاصتي الغالية).

تعليقات
إرسال تعليق
يسرنا سماع رأيكم